4747 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة، بُنْدَار العبدي البصري، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ)
ج 20 ص 314
واسمه محمَّد، واسم أبي عديِّ إبراهيم البصري (عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ) منصرفًا وغير منصرف الأزديِّ القُرْدُوسي _ بضم القاف وسكون الراء وضم الدال وبالمهملة _ البصري، أنَّه قال (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) أي ابن عبد الله البربري، مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
هكذا قال ابنُ أبي عدِي، وقال عبدُ الأعلى ومخلد بن الحسين عن هشام بن حسَّان عن محمَّد بن سيرين عن أنس رضي الله عنه، فمنهم من أعلَّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بذلك، ومنهم من حملَه على أنَّ لهشام فيه شيخين، وهذا هو المعتمدُ، فإنَّ البخاري أخرج طريق عكرمة، ومسلمًا أخرجَ طريق ابن سيرين، ويُرجِّح هذا الحمل اختلاف السِّياقين، كما سأنبِّه عليه إن شاء الله تعالى.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية، الواقِفِي _ بكسر القاف وبالفاء _، الأنصاري أحد الثَّلاثة الذين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وتيبَ عليهم (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) روى ابنُ منده أنَّها خولة بنت عاصم وكانت حاملًا، ولا يمتنع أن يتهم شريك بن سحماءَ بهذه المرأة وامرأة عويمر معًا (عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرِيكِ) بفتح المعجمة وكسر الراء (ابْنِ سَحْمَاءَ) مؤنَّث الأسحم _ بالمهملتين ممدودًا _ اسم أمِّه، وأمَّا اسم أبيه، فهو عبدة ضدُّ الحرَّة، وفي «تفسير مقاتل» أنها كانت حبشيَّة، وقيل يمانية، وشريك هو ابنُ عمِّ عاصم بن عدي (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّنَةَ) بالنَّصب؛ أي أحضرَ البيِّنة، قاله ابنُ مالك، وقال غيره بالرفع إمَّا البيِّنة (أَوْ حَدٌّ) أي أو يقع حدٌّ (عَلَى ظَهْرِكَ) ويُروى بالنَّصب، والرَّفع هو المشهور، ويُروى . وقال ابنُ مالك حذف منه فاء الجواب وفعل الشَّرط بعد إلَّا، والتَّقدير وإن لا تحضرها فجزاؤك حدٌّ في ظهرك، قال وحذف مثل هذا لم يذكر النُّحاة أنَّه يجوز إلَّا في الشِّعر، ولا يخفى أنَّه تكلُّف مع وجود الوجه الصَّحيح.
(فَقَالَ) وفي نسخة بدون الفاء (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ) حال كونه (يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْبَيِّنَةَ وَإِلاَّ حَدٌّ) ويُروى (فِي ظَهْرِكَ. فَقَالَ هِلاَلٌ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ) بفتح اللام وضم التحتية وسكون النون (مَا يُبَرِّئُ) بضم الياء
ج 20 ص 315
وفتح الموحدة وتشديد الراء المكسورة، وهي في محلِّ النصب على المفعولية (ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) عليه السَّلام (وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ) أي فيما رماها الزَّوج به (فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا) أي إلى خولة بنت عاصم زوج هلال، فحضرت بين يديه، وفي رواية بضمير التَّثنية.
(فَجَاءَ هِلاَلٌ، فَشَهِدَ) أربع شهادات بالله إنَّه لمن الصَّادقين فيما رماها به {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور 7] في الرمي (وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ) قال القاضي عياض وتبعه النَّووي في قوله (( أحدكما ) )ردٌّ على من قال من النُّحاة إنَّ لفظ أحد لا يُستعملُ إلَّا في النَّفي، وعلى من قال منهم لا يستعملُ إلَّا في الوصف، وإنَّها لا توضعُ في موضعٍ واحدٍ، ولا تقعُ موقعه، وقد أجازَهُ المبرِّد، وجاء في هذا الحديث في غير وصفٍ ولا نفي بمعنى واحدٍ، انتهى.
وتعقَّبه الفاكهاني فقال هذا من أعجب ما وقع للقاضي عياض مع براعتهِ وحذقه، فإنَّ الذي قاله النُّحاة إنَّما هو في أحدِ التي للعموم نحو ما في الدَّار من أحد، وما جاءني من أحدٍ، وأمَّا أحد بمعنى واحد فلا خلاف في استعمالها في الإثبات نحو {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص 1] ونحوه {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} [النور 6] ونحو «أحدكما كاذب» .
(فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ) عرض لهما بالتَّوبة بلفظ الاستفهام؛ لإبهام الكاذب منهما، فلذلك لم يقل لهما توبا، ولا لأحدهما بعينه تب، ولا قال ليتبِ الكاذب منكما، وزاد جرير بن حازم، عن أيُّوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند الطَّبري والحاكم والبيهقي فقال هلالٌ والله إنِّي لصادقٌ (ثُمَّ قَامَتْ) أي الزَّوجة (فَشَهِدَتْ) أي أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما رَماني به (فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ) أي المرة الخامسة (وَقَّفُوهَا) بتشديد القاف، وفي رواية أبي ذرٍّ بالتخفيف (وَقَالُوا إِنَّهَا مُوجِبَةٌ) أي للعذاب الأليم إن كنت كاذبة (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما بالسَّند السَّابق (فَتَلَكَّأَتْ) على وزن تفعَّلت؛ أي تبطَّأت عن ذلك يُقال تلكَّأ الرَّجل عن الأمر إذا تبطَّأ عنه
ج 20 ص 316
وتوقَّف، ومادته لام وكاف وهمزة.
(وَنَكَصَتْ) من النُّكوص، وهو الإحجام عن الشَّيء (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ) عن مقالتها في تكذيب الزَّوج، ودعوى البراءة عمَّا رَماها به (ثُمَّ قَالَتْ لاَ أَفْضَحُ) بفتح الهمزة والمعجمة (قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ) أي جميع الأيَّام؛ أي الدَّهر، أو فيما بقي من الأيَّام بالإعراض عن اللِّعان، والرُّجوع إلى تصديق الزَّوج، وأريد باليوم الجنس، ولذلك أجرى مجرى الأيَّام (فَمَضَتْ) أي في تمام اللِّعان (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْصِرُوهَا) بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وكسر المهملة (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أي بالولد (أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ) الكحل أن يعلوَ جُفون العين سواد مثل الكُحل من غيرِ اكتحال؛ أي خلقة (سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ) السَّابغ التَّام الضَّخم (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وبعد اللام المشددة جيم، عظيمهما (فَهْوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) من آية اللِّعان (لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) يريد به الرَّجم؛ أي لولا أنَّ الشَّرع أسقط الرجم عنها لحكمت بمقتضى المشابهة ولرجمتها، وفي ذكر الشَّأن وتنكيرهِ تهويل عظيم لما كان يفعل بها؛ أي لفعلت بها لتضاعف ذنبها ما يكون عبرة للناظرين، وتذكرة للسَّامعين.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من الآية، وقد مَضى بعينهِ إسنادًا ومتنًا في كتاب «الشَّهادات» في باب «إذا ادَّعى أو قذفَ فله أن يلتمسَ البيِّنة» [خ¦2671] ولكن إلى قوله (( أو حد في ظهرك ) ).
واعلم أنَّ في هذه الرِّوايات نزلت آيات اللِّعان في قصَّة هلال بن أميَّة، وفي حديث سهلٍ الماضي أنَّها نزلتْ في عُويمر ولفظه فجاء عويمر، فقال يا رسول الله، رجلٌ وجدَ مع امرأتهِ رجلًا أيقتله فتقتلونَه، أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قد أنزلَ الله فيك وفي صاحبتك ) )، فأمرهما بالملاعنةِ، وقد اختلف الأئمَّة في هذا الموضع فمنهم من رجَّح أنها نزلتْ في شأن عُويمر، ومنهم من رجّح أنها نزلت في شأن هلال ومنهم من جمع بينهما بأنَّ أوَّل من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عُويمر أيضًا فنزلت في شأنهما معًا.
وقد جنح النَّووي إلى هذا وسبقه
ج 20 ص 317
الخطيب وقال لعلَّهما اتَّفق كونهما جاءا معًا في وقتٍ واحدٍ، ويؤيِّد التعدد أن القائل في قصَّة هلال سعد بن عبادة، كما أخرجه أبو داود والطَّبري من طريق عبَّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مثل رواية هشام بن حسَّان بزيادة في أوَّله لما نزلت {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور 6] الآية، قال سعد بنُ عبادة لو رأيت لكاع قد تفخَّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتَّى آتي بأربعة شهداء، ما كنتُ لآتي بهم حتَّى يفرغ من حاجته، قال فما لبثوا إلَّا يسيرًا حتَّى جاءَ هلال بن أميَّة، الحديث.
وعند الطَّبري من طريق أيُّوب، عن عكرمة مرسلًا فيه نحوه وزاد فلم يلبثوا أن جاءَ ابن عمٍّ له يرمِي امرأته الحديث، والقائل في قصَّة عُويمر عاصم بن عديٍّ، كما في حديث سهل بنِ سعد في الباب الذي قبله، وأخرجَ الطَّبري من طريق الشَّعبي مرسلًا قال لما نزلت {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} الآية، قال عاصم بن عديٍّ إن أنا رأيت فتكلَّمت جُلدت، وإن سكتُّ سكتُّ على غيظٍ. الحديث، ولا مانع أن تتعدَّد القصص، ويتَّحد النُّزول، وروى البزَّار من طريق زيد بن يُثيع عن حُذيفة رضي الله عنه قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر (( لو رأيت مع أمِّ رومان رجلًا ما كنت فاعلًا به؟ قال كنت فاعلًا به شرًا، قال فأنت يا عمر؟ قال كنت أقول لعنَ الله الأبعدَ ) )، قال فنزلت، ويحتمل أنَّ النُّزول سبقَ بسبب هلال، فلمَّا جاءَ عُويمر ولم يكن علم بما وقعَ لهلال أعلمه النَّبي صلى الله عليه وسلم بالحكم، ولهذا قال في قصَّة هلال (( فنزل جبريلُ عليه السَّلام ) ).
وفي قصَّة عُويمر (( قد أنزلَ الله فيك ) )فيؤول قوله «قد أنزلَ الله فيك» ؛ أي وفيمن كان مثلك، وبهذا أجاب ابن الصَّباغ في «الشامل» قال نزلت الآية في هلال، وأمَّا قوله لعويمر «قد نزلَ فيك وفي صاحبتك» ، فمعناه ما نزل في قصَّة هلال، ويُؤيِّده أنَّ في حديث أنس رضي الله عنه عند أبي يعلى قال أوَّل لعان كان في الإسلام أنَّ شريك بن سَحْماء قذفَه هلال بن أميَّة بامرأته، الحديث، وجنح القُرطبي إلى تجويزِ نزول الآية مرَّتين، قال وهذه الاحتمالات وإن بَعُدتْ أولى من تغليط الرُّواة الحفاظ، وقد أنكرَ جماعة ذكر هلال
ج 20 ص 318
فيمن لاعن، قال القُرطبي أنكرهُ أبو عبد الله بن أبي صُفْرة أخو المهلب، وقال هو خطأ، والصَّحيح أنَّه عُويمر، وسبقَه إلى نحو ذلك الطَّبري.
وقال ابنُ العربي قال النَّاس هو وهمٌ من هشام بن حسَّان، وعليه دارَ حديث ابن عبَّاس وأنس رضي الله عنهم بذلك، وقال القاضي عياض في «المشارق» كذا جاءَ من رواية هشام بن حسَّان ولم يقله غيره، وإنَّما القصَّة لعويمر العجلاني، قال ولكن وقعَ في «المدونة» في حديث العجلاني ذكر شريك.
وقال النُّووي في (( مبهماته ) )اختلفوا في الملاعنِ على ثلاثةِ أقوال عُويمر العجلاني، وهلال بن أميَّة، وعاصم بن عدي، ثمَّ نُقل عن الواحدي أنَّ أظهر هذه الأقوال أنَّه عُويمر، وكلام الجميع متعقَّب، أمَّا قول ابن أبي صُفْرة فدعوى مجرَّدة، وكيف يُجزم بخطأ حديث ثابت في «الصَّحيحين» مع إمكان الجمع؟ وما نسبه إلى الطَّبري لم يوجد في كلامه، نبَّه عليه الحافظ العسقلاني.
وأمَّا قول ابن العربي إنَّ ذكر هلال دار على هشام بن حسَّان، وكذا جزمَ القاضي عياض بأنَّه لم يقلْه غيره، فمردودٌ لأنَّ هشام بن حسَّان لم ينفردْ به، فقد وافقَه عبَّاد بن منصور كما تقدَّم، وكذا جرير بن حازمٍ عن أيُّوب أخرجه الطَّبري وابن مَرْدويه موصولًا قال لما قذفَ هلال بن أميَّة امرأتَه. الحديث، وأمَّا قول النَّووي تبعًا للواحدي وجنوحه إلى التَّرجيح فمَرجوح؛ لأنَّ الجمع مع إمكانه أولى من التَّرجيح، ثمَّ قوله وقيل عاصم بن عدي فيه نظر؛ لأنَّ لعاصم فيه قصَّة مع الذي لاعن امرأته، والذي وقعَ من عاصم نظيرَ الذي وقع من سعد بنِ عبادة، ولما روى ابن عبد البر في «التَّمهيد» من طريق جرير بن حازم تعقَّبه بأن قال قد رواه القاسم بن محمَّد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كما رواه النَّاس، وهو يوهم أنَّ القاسم سمَّى الملاعن عُويمرًا، والذي في «الصَّحيح» فأتاه رجلٌ من قومه؛ أي من قوم عاصم، وفي النَّسائي من هذا الوجه لاعنَ بين العجلاني وامرأتهِ، والعجلاني هو عُويمر.
وقال الواحديُّ واتَّفقوا على أنَّ الموجود زانيًا شريك بن سَحماء، انتهى، وهذا ممنوعٌ إذ لم يوجد زانيًا، ولم يثبت ذلك في حقِّه في ظاهر الحكم، فالصَّواب في العبارة أن يُقال واتَّفقوا على أنَّ المرمي به شريك بن سَحْماء، والله تعالى
ج 20 ص 319
أعلم.