4753 - (حَدَّثَنَا) وفي نسخة بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الزَّمن، قال (حَدَّثَنَا) ويُروى (يَحْيَى) هو ابنُ سعيد القطَّان (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ) بضم عين عُمر، وكسر عين سعيد (ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) القرشي النَّوفلي المكِّي، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَبْلَ مَوْتِهَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بضم القاف مصغرًا.
(عَلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها (وَهْيَ مَغْلُوبَةٌ)
ج 20 ص 380
أي من شدَّة كرب الموت (قَالَتْ أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ) لأنَّ الثناء يُورث العجب (فَقِيلَ ابْنُ عَمِّ) أي هو ابن عم (رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ) وإنَّما قال ذلك لأنَّه فهم منها أنها تمنعه من الدُّخول للمعنى الذي ذكرته فذكَّرها منزلته، وهذا القائل الذي راجع عائشة رضي الله عنها في ذلك هو ابنُ أخيها عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم، والذي استأذن لابن عبَّاس رضي الله عنهما هو ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها.
وقد بيَّن ذلك كله أحمد، وروايته عن معاوية بن عمرو عن زائدة عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن ابن أبي مُليكة عن ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها أنَّه استأذن لابن عبَّاس رضي الله عنهما على عائشة رضي الله عنها وهي مغلوبة، فذكر الحديث، وفيه فقال لها عبد الله يا أُمَّتاه إن ابن عبَّاس من صالحي بنيك يسلِّم عليك ويودِّعك، قالت ائذن له إن شئت.
وقال صاحب «التوضيح» إن هذه الرِّواية تدلُّ على أنَّ رواية البخاري مرسلة قال لأنَّ ابن أبي مُليكة لم يشهد ذلك، ولا سمعه من ابن عبَّاس رضي الله عنهما حال قوله لعائشة رضي الله عنها لعدم حضوره، انتهى.
وقال الحافظُ العسقلاني وما أدري من أين له الجزم بعد حضوره وسماعه، وما المانع من ذلك، ولعلَّه حضر جميع ذلك وطال عهدُه به، فذكَّره به ذكوان، أو أنَّ ذكوان ضبط منه ما لم يضبطه هو، ولهذا وقع في رواية ذكوان ما لم يقعْ في رواية ابن أبي مُليكة، انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّ صاحب «التوضيح» ما ادَّعى الجزم بذلك، بل ذكره على سبيل الاحتمال القريب، وقد أورد كلام نفسه بكلمة الترجِّي، ولا يذهبُ عليك أنَّ كلام صاحب «التوضيح» ظاهر في الجزم بعدم حضوره وسماعه، فافهم.
(قَالَتِ ائْذَنُوا لَهُ، فَقَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما بعد أن أُذن له في الدُّخول ودخل (كَيْفَ تَجِدِينَكِ) أي كيف تجدين نفسك، فالفاعل والمفعول ضميران لواحد، وهي عائشة رضي الله عنهما، وهذا من خصائص أفعال القلوب، فإن قيل من خصائصها أيضًا أن لا يقتصر على أحد المفعولين بالذِّكر. فالجواب أنَّه إذا كان الفاعل والمفعولان عبارة عن شيءٍ واحد جاز الاقتصار، وقال في «الكشاف» في قوله تعالى {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران 169] هو في الأصل مبتدأ فحذف كما حذف المبتدأ في قوله (( أحياء ) ). وفي رواية ذكوان فلمَّا جلس، قال أبشري ما بينك وبين أن تلقي محمَّدًا صلى الله عليه وسلم والأحبة إلَّا أن تخرج الرُّوح من الجسد.
(قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها أجدني (بِخَيْرٍ إِنِ اتَّقَيْتُ) كذا في اليونينية، ويُروى أي إن كنت من أهل التَّقوى، وفي رواية الكُشميهني بضم الهمزة على صيغة المجهول من الإبقاء بالموحدة (قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ) وفي رواية ذكوان (( كنتِ أحبَّ نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن يحبُّ إلا طيبًا ) ) (وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ) أشار به إلى قصَّة
ج 20 ص 381
الإفك، ووقع في رواية ذكوان (( وأنزلَ الله براءتك من فوق سبع سموات جاء به الرُّوح الأمين، فليس في الأرض مسجد إلَّا وهو يتلى فيه آناء اللَّيل وأطراف النَّهار ) )، وزاد في آخره (( وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فنزل التيمُّم فوالله إنَّكِ لمباركة ) ). ولأحمد من طريق أخرى فيها رجل لم يُسمَّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال لها إنما سُميت أمَّ المؤمنين لتسعدي، وإنَّه لاسمك قبل أن تولدي.
(وَدَخَلَ) أي عليها (ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما (خِلاَفَهُ) بعد أن خرجَ ابن عبَّاس رضي الله عنهما فتخالفا في الدُّخول والخروج ذهابًا وإيابًا، وافق رجوع ابن عبَّاس مجيء ابن الزُّبير رضي الله عنهم (فَقَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها له (دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) معناه ليتني لم أك شيئًا، وهذا على عادةِ أهل الورع في شدَّة الخوف على أنفسهم، ووقع في رواية ذكوان أنَّها قالت لابن عبَّاس رضي الله عنهما هذا الكلام قبل أن يقومَ، ولفظه فقالت دعني منك يا ابن عبَّاس، فوالذي نفسي بيده لوددتُ أنِّي كنت نسيًا منسيًا، وقوله نَسيًا _ بفتح النون وكسرها _ وقد قرئ بهما.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله و «نزل عذرُك من السَّماء» .
4754 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بفتح الميم وكسر الجيم، الثَّقفي، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بالنون، هو عبدُ الله بن عون (عَنِ الْقَاسِمِ) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها (نَحْوَهُ) أي ذكر نحو الحديث المذكور (وَلَمْ يَذْكُرْ نِسْيًا مَنْسِيًّا) وهذا طريق آخر في الحديث المذكور، وفي رواية الإسماعيلي عن الهيثم بن خلف وغيره، عن محمَّد بن المثنَّى شيخ البخاري فيه فذكر معناه.
قال المزي في «الأطراف» يعني قوله أنت زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل عذرك،
ج 20 ص 382
وقد أخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق حمَّاد بن زيد، عن عبد الله بن عون ولفظه عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها اشتكتْ فاستأذن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عليها وأتاها يعودها فقالت الآن يدخلُ عليَّ فيزكيني، فأذنت له فقال أبشري يا أمَّ المؤمنين، تقدمين على فرطِ صدقٍ، تقدمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أبي بكر رضي الله عنه قالت أعوذُ بالله أن تزكِّيني.
وقد تقدَّم في «مناقب عائشة رضي الله عنها» [خ¦3771] عن محمَّد بن بشار، عن عبد الوهاب بإسنادِ الباب بلفظ (( أنَّ عائشة رضي الله عنها اشتكتْ فجاء ابن عبَّاس رضي الله عنهما وقال يا أمَّ المؤمنين تقدمين على فَرَطِ صدقٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر رضي الله عنه ) ).
فالذي يظهرُ أنَّ رواية عبد الوهاب مختصرة، وكأنَّ المراد بقوله نحوه، ومعناه بعض الحديث لا جميع تفاصيله.
وفي هذه القصَّة دَلالة على سعةِ علم ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وعظيم منزلته بين الصَّحابة والتَّابعين، وتواضع عائشة رضي الله عنها وفضلها، وتشديدها في أمر دينها، وأن الصَّحابة رضي الله عنهم ما كانوا يدخلون على أمَّهات المؤمنين إلَّا بإذن، ومشورة الصَّغير على الكبير إذا رآه عدل إلى ما الأَوْلى خلافُه، والتَّنبيه على رعاية جانب الأكابر من أهل العلم والدِّين، وأن لا يترك ما يستحقونه من ذلك لمعارض دون ذلك في المصلحة.