4757 - (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) هو حمَّاد بن أسامة، وفي بعض النُّسخ هو البخاري نفسه، وقد وصله أحمد عن أبي أسامة بتمامه. وفي «التَّلويح» يريد بهذا التَّعليق ما رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كُريب عن أبي أسامة، به. وقال الكرماني وفي بعض النُّسخ وقال بعضُهم، ووقع في رواية المستملي عن الفربريِّ فظنَّ الكرماني أنَّ البخاري وصله عن حُميد بن الرَّبيع، وليس كذلك، بل هو خطأ فاحشٌ فلا تغتر به، انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّه حط على الكرماني بغير فهم كلامه، فإنَّه لم يقل مثل ما نسبه إليه، وإنَّما قال حدَّثنا إسحاق قال أخبرنا حُميد بن الرَّبيع نقل ذلك على ما رآه في بعض النُّسخ، وليس عليه في ذلك شيء.
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتْ لَمَّا ذُكِرَ) بضم المعجمة على البناء للمفعول (مِنْ شَأْنِي) أي أمري وحالي (الَّذِي ذُكِرَ) على البناء للمفعول أيضًا؛ أي من الإفك (وَمَا عَلِمْتُ بِهِ) أي والحال أنِّي ما علمت به، وجواب «لما» قوله (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد الياء، وفي نسخة(خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللَّهَ
ج 20 ص 388
وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ)يريد أهل الإفك (أَبَنُوا) بهمزة وموحدة مخففة مفتوحتين فنون فواو، وقد تمد الهمزة.
وقد حكى القاضي عياض عن الأصيليِّ بتشديد الموحدة، والتخفيف أشهر، ومعناه اتهموا، والأَبن _ بفتح الهمزة _ التُّهمة، يقال أبَنَه يأبُنه _ بضم الباء وكسرها _ إذا اتَّهمه ورماه بخلة سوء فهو مأبون، قالوا وهو مشتقٌّ من الأُبَن _ بضم الهمزة وفتح الباء _، وهي العقد في القسي يفسدها، فالمعنى اتهموا.
(أَهْلِي) وذكروهم بالسُّوء وقال ثابت التأبين ذكر الشَّيء وتتبعه، وقال القاضي عياض وروى بتقديم النون وتشديدها، كذا قيَّده عبدوس بن محمَّد، وكذا ذكره بعضهم عن الأصيلي، قال القاضي وهو في كتابي منقوط من فوق وتحت، وعليه علامة الأصيلي، ومعناه إن صحَّ لاموا ووبخوا، قال وعندي أنَّه تصحيفٌ لا وجه له هنا.
(وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ) كلمة «من» هنا عبارة عن صفوان (وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلاَ يَدْخُلُ) وفي نسخة (بَيْتِي قَطُّ إِلاَّ وَأَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بإسقاط الواو (حَاضِرٌ، وَلاَ غِبْتُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (فِي سَفَرٍ إِلاَّ غَابَ مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) الأنصاريُّ الأوسيُّ المتوفى بسبب السَّهم الذي أصابه فقُطع منه الأكحل في غزوة الخندق سنة خمس، كما عند ابن إسحاق، وكانت هذه القصَّة في سنة خمس أيضًا كما هو الصَّحيح في النَّقل عن موسى بن عقبة، وقد مرَّ الكلام فيه تفصيلًا [خ¦4122] ، ووقع في نسخة هنا سعد بن عبادة، والصَّحيح هو الأصل.
(فَقَالَ ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ) بنون الجمع، والضَّمير لأهل الإفك، وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ (فَقَامَ) وفي نسخة بالواو
ج 20 ص 389
(رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ) هو سعدُ بن عبادة (وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) الفُرَيعة _ بضم الفاء وفتح الراء وبالعين المهملة _ بنت خالد بن خُنيس بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج (مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ) أي لابن معاذ (كَذَبْتَ) أي لا تقدر على قتله (أَمَا) بالتخفيف (وَاللَّهِ أَنْ لَوْ كَانُوا) أي قائلوا الإفك (مِنَ الأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ) بضم أول «تضرب» على البناء للمفعول، ورفع «أعناقهم» على أنَّه نائب عن الفاعل، وزاد في الرواية السَّابقة فتثاور الحيَّان (حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بدون كلمة أن (بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَرٌّ فِي الْمَسْجِدِ) وفي الرواية السَّابقة «حتَّى هموا أن يقتتلوا» ، قالت عائشة رضي الله عنها (وَمَا عَلِمْتُ) أي بذلك.
(فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي) للتبرُّز جهة المَنَاصع (وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ) وهي ابنة أبي رُهْم (فَعَثَرَتْ) أي في مِرْطها (وَقَالَتْ تَعِسَ) بكسر العين وتفتح (مِسْطَحٌ) تعني ابنها، قالت عائشة رضي الله عنها (فَقُلْتُ) أي لها، كما في رواية (أَيْ أُمِّ تَسُبِّينَ ابْنَكِ) بحذف همزة الاستفهام، وفي الرواية السَّابقة (( أتسبين رجلًا شهد بدرًا ) ) (وَسَكَتَتْ) أي أم مِسْطح (ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا تَسُبِّينَ ابْنَكِ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثَةَ) وفي رواية أبي ذرٍّ .
(فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَانْتَهَرْتُهَا، فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَسُبُّهُ إِلاَّ فِيكِ) أي لأجلك (فَقُلْتُ فِي أَيِّ شَأْنِي؟ قَالَتْ فَنَقَّرَتْ) بالنون والقاف؛ أي أظهرت وقررت بعجره وبجره، قاله الكرماني، وضبطه ابن الأثير بالباء الموحدة بدل النون حيث قال في باب الباء الموحدة مع القاف، ومنه فبقرت لي الحديث؛ أي فتحته وكشفته (لِي الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ وَقَدْ كَانَ هَذَا) وفي رواية أبي ذرٍّ سقطت الواو (قَالَتْ نَعَمْ وَاللَّهِ)
ج 20 ص 390
قالت عائشة رضي الله عنها (فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، كَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لاَ أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلاَ كَثِيرًا) أي دهشت بحيث ما عرفت لأيِّ أمر خرجت من البيت من شدَّة ما عراني من الهمِّ، وكانت قد قضت حاجتها كما سبق (وَوُعِكْتُ) بضم الواو على البناء للمفعول؛ أي صرت محمومة (فَقُلْتُ) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو.
(لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي لمَّا دخل عليَّ (أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي، فَأَرْسَلَ مَعِي الْغُلاَمَ) لم يُسمَّ ذلك الغلام (فَدَخَلْتُ الدَّارَ فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ) تعني أمها، قال الكرماني واسمها زينب (فِي السُّفْلِ) بكسر السين وضمها (مِنَ البَيْتِ وَأَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ، فَقَالَتْ أُمِّي مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟ فَأَخْبَرْتُهَا) خبري (وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ) الذي قاله أهل الإفك في شأني (وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا بَلَغَ مِنِّي) وفي رواية أبي ذرٍّ (فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (خَفِّضِي) بخاء معجمة مفتوحة وفاء مشددة مكسورة فضاد معجمة، وفي رواية الحمويي والكشميهني بالفاء بدل الضاد، وفي نسخة بكسر الخاء والفاء وإسقاط الفاء الثانية، ومعناه متقارب (عَلَيْكِ الشَّأْنَ، فَإِنَّهُ ـ وَاللَّهِ ـ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ) صفة امرأة.
(عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا) وفي رواية مسلم من رواية ابن ماهان (( حَظِية ) ) (وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلاَّ حَسَدْنَهَا) بسكون الدال وفتح النون (وَقِيلَ فِيهَا) أي ما يشينها (وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي) وفي نسخة تعني الإفك (قُلْتُ وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ نَعَمْ، قُلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ نَعَمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَعْبَرْتُ) بسكون الراء، وفي رواية غير أبي ذرٍّ بالواو بدل الفاء.
(وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه(صَوْتِي وَهْوَ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ فَنَزَلَ، فَقَالَ لأُمِّي
ج 20 ص 391
مَا شَأْنُهَا؟ قَالَتْ بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا)بضم ذال «ذكر» على البناء للمفعول (فَفَاضَتْ عَيْنَاه، قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ) هذا مثل قولهم نشدتك بالله إلَّا فعلت (أَيْ بُنَيَّةُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (إِلاَّ رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ) أي ما أطلب منك إلَّا رجوعك إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فَرَجَعْتُ، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتِي فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي) وفي رواية أبي ذرٍّ بلفظ التَّذكير، والخادم يُطلق على الذكر والأنثى، والمراد بَريرة _ بفتح الموحدة _ كما سبق في الرِّواية التي قبلها، فقال هل رأيت من شيءٍ يُريبك على عائشة (فَقَالَتْ لاَ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا، أَوْ عَجِينَهَا) شكٌّ من الرَّاوي (وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي أويس عند الطَّبراني (( أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لعليِّ رضي الله عنه شأنك بالجارية، فسألها عليٌّ رضي الله عنه وتوعَّدها فلم تُخبره إلا بخير، ثمَّ ضربها وسألها فقالت والله ما علمت على عائشة سوءًا ) ) (حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ) من قولهم أسقط الرَّجل في القول إذا أتى بكلام ساقط، والضَّمير في قول «به» ، للحديث أو للرَّجل الذي اتَّهموها به.
وقال ابنُ الجوزي صرَّحوا لها بالأمر، ولهذا قالت سبحان الله، استعظامًا لذلك، وقيل جاؤوا بسقط من القول في سؤالها وانتهارها بسبب ذلك الأمر، ويُقال أسقط وسقطَ في كلامه إذا أتى فيه بساقط، وقيل إذا أخطأ فيه، وضمير «لها» عائد إلى الجارية، و «به» عائد إلى ما تقدَّم من انتهارها وتهديدها، وإلى هذا التَّأويل كان يذهب أبو مروان بن سراج، وقال ابنُ بطَّال يحتمل أن يكون من قولهم سقطت على الأمر إذا علمته، فالمعنى ذكروا لها الحديث وشرحوه.
وقال النُّووي هكذا هو في جميع النُّسخ ببلادنا
ج 20 ص 392
بالباء التي هي حرف الجر، كذا نقله القاضي عن رواية الجلودي، قال وفي رواية ابن ماهان (( لهاتها ) )بالمثناة الفوقية، وهي سقفُ الفم، قال الجمهور هذا غلط، والصَّواب الأوَّل، وقال الكرماني ويُروى (( الهابة ) )لفظ المصدر من اللَّهيب، والمضبوط من الشُّيوخ هو الأوَّل.
(فَقَالَتْ) أي الخادمة (سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلاَّ مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ) بكسر المثناة الفوقية وسكون الموحدة، وهو القطعة الخالصة من الذَّهب، وقد بالغت في نفي العيب كقوله ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم البيت (وَبَلَغَ الأَمْرُ) أي أمر الإفك (إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ) وهو صفوان، وفي رواية أبي ذرٍّ (الَّذِي قِيلَ لَهُ) أي عنه من الإفك، فاللام هنا بمعنى عن، كما في قوله تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [الأحقاف 11] أي عن الذين آمنوا، كما قاله ابنُ الحاجب، أو بمعنى في أي قيل فيه ما قيل فهي كقوله تعالى {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر 24] أي في حياتي، فليتأمَّل.
(فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ) بفتح الكاف والنون، وهو السَّاتر، وأراد به الثَّوب يريد ما جامعها في حرام، أو كان حصورًا (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَقُتِلَ) أي صفوان (شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال ابنُ إسحاق قُتل صفوان بن المعطَّل في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في خلافة عمر رضي الله عنه، وأميرهم يومئذٍ عثمان بن العاص، وقيل إنَّه مات بالجزيرة في ناحية شمشاط ودُفن هناك، وقيل غير ذلك.
(قَالَتْ فَأَصْبَحَ) ويُروى بالواو (أَبَوَايَ عِنْدِي فَلَمْ يَزَالاَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ صَلَّى الْعَصْرَ) أي في المسجد (ثُمَّ دَخَلَ) أي عليَّ (وَقَدِ اكْتَنَفَنِي أَبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي) وفي نسخة (فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا) بالقاف والفاء؛ أي كسبته
ج 20 ص 393
(أَوْ ظَلَمْتِ) أي نفسك (فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ) وفي رواية أبي أويس (( إنَّما أنت من بنات آدم إن كنت أخطأت فتوبي ) ) (فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ، قَالَتْ وَقَدْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم تسمَّ (فَهْيَ) وفي رواية بالواو (جَالِسَةٌ بِالْبَابِ، فَقُلْتُ) أي له صلى الله عليه وسلم (أَلاَ تَسْتَحِي) بكسر الحاء، وفي رواية أبي ذرٍّ بسكون الحاء وزيادة تحتية (مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ) أي الأنصاريَّة (أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا) على حسب فهمها لا يليقُ بجلالة حرمك (فَوَعَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قالت عائشة رضي الله عنها
(فَالْتَفَتُّ إِلَى أَبِي، فَقُلْتُ أَجِبْهُ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي ذرٍّ (فَقَالَ فَمَاذَا أَقُولُ، فَالْتَفَتُّ إِلَى أُمِّي، فَقُلْتُ أَجِيبِيهِ) صلى الله عليه وسلم عنِّي (فَقَالَتْ أَقُولُ مَاذَا) هو متعلِّق بفعل مقدر بعده، فإنَّ الاستفهام يقتضي الصَّدارة، وقال ابنُ مالك فيه شاهد على أنَّ ما الاستفهامية إذا ركبت مع ذا لا يجب تصديرها فيعمل فيها ما قبلها رفعًا ونصبًا (فَلَمَّا لَمْ يُجِيبَاهُ، تَشَهَّدْتُ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ) أي ما قيل.
(وَاللَّهُ) عزَّ وجلَّ (يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ) فيما أقول من برائتي (مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ، لَقَدْ) وفي رواية أبي ذرٍّ (تَكَلَّمْتُمْ بِهِ وَأُشْرِبَتْهُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، والضَّمير المنصوب يرجعُ إلى الإفك (قُلُوبُكُمْ) رُفع بأشربت (وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي فَعَلْتُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ) أي ذلك (لَتَقُولُنَّ قَدْ بَاءَتْ) أي أقرَّت (بِهِ عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا، وَالْتَمَسْتُ) بسكون السين أي طلبت (اسْمَ يَعْقُوبَ) عليه السَّلام (فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أي أجمل، وهو الذي
ج 20 ص 394
لا شكوى فيه إلى الخلق (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) أي على احتمال ما تصفون (وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَكَتْنَا، فَرُفِعَ عَنْهُ) أي الوحي (وَإِنِّي لأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ، وَهْوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ) أي من العرق (وَيَقُولُ أَبْشِرِي) بقطع الهمزة (يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ) وفي رواية فُليح [خ¦2661] (( يا عائشة احمدي الله فقد برأك ) ) (قَالَ وَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا) أي وكنت حين أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم ببراءتي أشدُّ؛ أي أقوى ما كنت غضبًا من غضبي قبل ذلك؛ لأن أفعل التفضيل يستعملُ إمَّا بالإضافة أو بمن أو بالألف واللام، وهنا يقتضي الحال استعماله بمن، قاله العيني.
وقال الكرماني هو نحو قولهم أخطب ما يكون الأمير قائمًا، وتعقَّبه العيني بأنَّه ليس كذلك؛ لأنَّ قوله أخطبُ في قوله أخطب ما يكون مبتدأ، وقوله قائمًا حال سدَّ مسدَّ الخبر، والتقدير أخطب كون الأمير حاصل قائمًا، وقوله «أشد ما كنتُ» خبر، قوله «وكنت» ، وقوله «غضبًا» ، تمييز قوله «أشد» ، انتهى فليتأمَّل.
(فَقَالَ لِي أَبَوَايَ قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ وَاللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ وَلاَ أَحْمَدُهُ وَلاَ أَحْمَدُكُمَا، وَلَكِنْ أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ) أي الإفك (فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلاَ غَيَّرْتُمُوهُ) وفي رواية الأسود عن عائشة رضي الله عنها (( وأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدي فانتزعتُ يدي، فنهرني أبو بكر ) )، وإنَّما فعلت ذلك لما خامرها من الغضب من كونهم لم يُبادروا بتكذيب من قال فيها ذلك مع تحقُّقهم حسن سيرتها وطهارتها.
وقال ابنُ الجوزي إنما قالت ذلك إدلالًا كما يدلُّ الحبيب على حبيبه، ويُحتمل أن يكون مع ذلك تمسَّكت بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم (( احمدي الله ) )ففهمتُ منه أمرها بإفراد الله بالحمد، فقالت ذلك وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعثِ الغضب.
(وَكَانَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها
ج 20 ص 395
(تَقُولُ أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ) أم المؤمنين رضي الله عنها (فَعَصَمَهَا اللَّهُ) أي حفظها ومنعها (بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقُلْ) أي فيَّ (إِلاَّ خَيْرًا، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ) أي حُدَّت فيمن حُدَّ لخوضها في حديث الإفك؛ لتخفض منزلة عائشة رضي الله عنها، وترفع منزلة أختها زينب رضي الله عنها (وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (مِسْطَحٌ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) وفي رواية زيادة (وَهْوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ) أي يطلب ما عنده ليزيده يريبه (وَيَجْمَعُهُ، وَهْوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ، قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها
(فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (أَنْ لاَ يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ) وفي نسخة (أَبَدًا) بعد الذي قال عن عائشة (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} إِلَى آخِرِ الآيَةِ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ {وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ} يَعْنِي مِسْطَحًا، إِلَى قَوْلِهِ {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (بَلَى وَاللَّهِ يَا رَبَّنَا، إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ) أي لمِسْطح قبل من النَّفقة.
لطيفة ذُكر أنَّه كان للشَّيخ إسماعيل المقرئ اليمني مؤلِّف «عنوان الشرف» وغيره ولدٌ يُجري عليه نفقة في كلِّ يومٍ فقطعها لشيء بلغه عنه، فكتب لأبيه رقعة فيها
~لا تقطعنَّ عادة برٍّ ولا تجعل عقاب المرء في رزقه
~واعف عن الذنب فإن الذي نرجوه عفو الله عن خلقه
~وإن بدا من صاحب زلة فاستره بالإغضاء واستبقه
~فإن قدر الذنب من مسطح يحط قدر النجم في أفقه
~وقد بدا منه الذي قد بدا وعوتب الصديق في حقه
فكتب إليه أبوه
~قد يمنع المضطر من ميتة إذا عصى بالسير في طرقه
~لأنه يقوى على توبة توجب إيصالًا إلى رزقه
ج 20 ص 396
~لو لم يتب مِسْطح من ذنبه ما عُوتب الصديق في حقه.
وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ ، وزاد في الباب السَّابق، وقال والله لا أنزعها منه أبدًا.