4774 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبدي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري، وفي رواية أبي ذرٍّ قال (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر (وَالأَعْمَشُ) هو سليمانُ بن مهران كلاهما (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبيح (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع، أنَّه (قَالَ بَيْنَمَا) بميم (رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه (يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ) بكسر الكاف وسكون النون، قال الكرماني موضع بالكوفة، وقال العيني يحتمل أن يكون حديث الرَّجل بين قوم من قبيلة كندة.
(فَقَالَ يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ) بنصب المؤمن على المفعولية (فَفَزِعْنَا) بكسر الزاي وسكون العين، من الفزع (فَأَتَيْتُ) ويُروى (ابْنَ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه؛ أي فأخبرته بالذي قاله الرَّجل (وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَغَضِبَ) أي من ذلك (فَجَلَسَ فَقَالَ مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ) إذا سُئل (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ يَعْلَمُ لاَ أَعْلَمُ) لأن تمييز المعلوم من المجهول نوعٌ من العلم، وليس المراد أنَّ عدمَ العلم يكون علمًا، وهذا مناسبٌ لما اشتهر من أنّ لا أدري نصف العلم، وقال الشَّاعر
~وَقَوْلُهُ لَا أَدْرِي لِذِي العِلْمِ جُنَّة إِذَا لَمْ يُلازِمُهَا أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ
وفي رواية أبي ذرٍّ بدل «لا أعلم» ، وفي رواية الأصيلي بدلها .
(فَإِنَّ اللَّهَ) تعالى (قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص 86] والقول فيما لا يُعلم قسم من التكلُّف، وفيه تعريض بالرَّجل القائل «يجيء دخان ... إلى آخره» ، وإنكار عليه ثمَّ بيَّن(وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَؤُوا) أي تأخَّروا (عَنِ الإِسْلاَمِ، فَدَعَا عَلَيْهِمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ) عليه السَّلام التي أخبر الله تعالى عنها في القرآن بقوله {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} [يوسف 48] الآية، وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ .
(فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) بفتح السين؛ أي قحط وهم
ج 20 ص 459
بمكَّة (حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ) من ضعف بصره من الجوع (فَجَاءَهُ) صلى الله عليه وسلم (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب بمكَّة أو المدينة (فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر بحذف الضمير (بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ) أي ذوي رحمك (قَدْ هَلَكُوا) من الجدب والجوع بدعائكَ عليهم (فَادْعُ اللَّهَ) أي لهم بأن يكشفَ عنهم، فإن كُشفَ عنهم آمنوا (فَقَرَأَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال القسطلاني، والظَّاهر أن فاعلَ قرأ هو ابنُ مسعود رضي الله عنه ( {فَارْتَقِبْ} ) أي انتظر لهم ( {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} ) أي بيِّن واضح يراه كلُّ أحدٍ (إِلَى قَوْلِهِ {عَائِدُونَ} [الدخان 10 - 16] ) أي إلى الكفر أو إلى العذاب.
قال ابنُ مسعود رضي الله عنه (أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ) بهمزة الاستفهام وضم الياء على البناء للمفعول (عَذَابُ الآخِرَةِ إِذَا جَاءَ) وفي رواية الأصيلي بمثناة فوقية مفتوحة وفتح الكاف وتشديد المعجمة، عنهم العذاب؛ أي رفع القحط بدعاء النَّبي صلى الله عليه وسلم كشفًا قليلًا أو زمانًا قليلًا (ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ) غب الكشف (فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} [الدخان 16] . يَوْمَ بَدْرٍ) أريد بذلك القتل يوم بدر ( {وَلِزَامًا} يَوْمَ بَدْرٍ) أريد بذلك الأسر فيه أيضًا، وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه وافقه عليه جماعة كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النَّخعي والضَّحاك وعطيَّة العوفي، واختاره ابنُ جرير، لكن أخرج ابنُ أبي حاتم عن الحارث، عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال لم تمض آية الدُّخان بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وتنفخ الكافر حتى تنفد.
وأخرج أيضًا عن عبد الله بن أبي مليكة قال غدوتُ على ابن عبَّاس رضي الله عنهما ذات ليلة فقال ما نمت اللَّيلة حتى أصبحت، الحديث. قال الحافظ ابن كثير وإسناده صحيحٌ
ج 20 ص 460
إلى ابن عبَّاس حَبْر الأمة، وترجمان القرآن، ووافقه عليه جماعة من الصَّحابة والتَّابعين مع الأحاديث المرفوعة من الصِّحاح والحسان ممَّا فيه دَلالة ظاهرة على ما فسَّر به ابن مسعود رضي الله عنه إنَّما هو خيال رأوه في أعينهم من شدَّة الجوع والجهد. وكذا قوله {يَغْشَى النَّاسَ} ولو كان خيالًا يخص مشركي مكَّة لما قيل (( يغشى النَّاس ) )، وأمَّا قوله {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ} أي ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدُّنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتَّكذيب كقوله تعالى {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا} [المؤمنون 75] {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام 28] .
وقال آخرون لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات السَّاعة. وفي حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا تقوم السَّاعة حتَّى تروا عشر آيات طلوع الشَّمس من مغربها، والدُّخان، والدَّابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى عليه السَّلام، والدَّجال، وثلاثة خسوف خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، ونارٌ تخرجُ من قعر عدن تحشر النَّاس؛ أي تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا ) )انفرد بإخراجه مسلم.
( {الم*غُلِبَتِ الرُّومُ} ) أي غلبت فارس الرُّوم (إِلَى {سَيَغْلِبُونَ} ) أي الرُّوم سيغلبون فارس، وهذا علم من أعلام نبوَّة نبينا صلى الله عليه وسلم لما فيه من الإخبار بالغيب (وَالرُّومُ قَدْ مَضَى) أي غلبهم لفارس، فإنَّه وقع، وفي آخر «سورة الدُّخان» [خ¦4825] قال عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه خمس قد مضين اللِّزام والرُّوم والبطشة والقمر والدُّخان. وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ قوله < {الم*غلبت الروم} > ... إلى آخره، وقد مرَّ هذا الحديث بعين هذا الإسناد في كتاب «الاستسقاء» ، في باب «إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط» [خ¦1020] .