فهرس الكتاب

الصفحة 6989 من 11127

هو إسحاقُ بن إبراهيم بن نصر البخاري، والبخاري تارةً ينسبه إلى أبيه، وتارةً إلى جدِّه، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنِ الأَعْمَشِ) أنَّه قال (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه قال (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ) أي في الجنَّة (مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) ووقع في حديث آخر أخرجه مسلم والتِّرمذي من طريق الشَّعبي سبب هذا الحديث ولفظه قال الشَّعبي سمعتُ المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أنَّ موسى عليه السَّلام سأل ربَّه من أعظم أهل الجنَّة منزلة؟ فقال الذين غرست كرامتَهُم بيدي، وختمتُ عليها فلا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشر ) )، وفي آخره قال (( ومصداق ذلك في كتاب الله {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} ) )ثمَّ إنَّه زاد ابن مسعود رضي الله عنه في حديثه (( ولا يعلمه ملك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل ) )أخرجه ابن أبي حاتم.

(ذُخْرًا) بضم الذال والخاء المعجمتين قال ذخرت الشَّيء أذخره ذخرًا، وكذلك ادَّخرته وهو افتعلت، وقول الحافظ العسقلاني بضم المهملة وسكون المعجمة، سهوًا وسبق قلم، وهو منصوب متعلِّق بأعددت؛ أي أعددت ذلك لهم مذخورًا (مِنْ بَلْه مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ) بضم الهمزة وكسر اللام، وفي رواية أبي الوقت بفتح الهمزة واللام وزيادة هاء بعد التاء، وبَلْهَ _ بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الهاء _، وفي رواية بدون من الجارة.

قال الخطَّابي فكأنَّه يقول دعْ ما أُطلعتُم عليه، فإنَّه سهلٌ في جنب ما ادُّخر لهم. قال الحافظ العسقلاني وهذا اللَّائق بشرح «بله» بغير تقدُّم «من» عليها، وأمَّا إذا تقدَّم «من» عليها فقد قيل هي بمعنى كيف، ويُقال بمعنى أجل، ويُقال بمعنى غير أو سوى، وقيل بمعنى فَضَل، لكن قال الصَّغاني اتفقت نسخ الصَّحيح على (( من بله ) )، والصَّواب إسقاط كلمة من، وتُعقِّب بأنَّه لا يتعيَّن إسقاطها إلَّا إذا فُسِّرت بمعنى دعْ، وأمَّا إذا فُسِّرت

ج 20 ص 474

بمعنى من أجل أو من غير أو سوى فلا، وقد ثبت في عدَّة مصنفات خارج الصَّحيح بإثبات «من» ، وأخرجه سعيد بن منصور، ومن طريقه ابن مَرْدويه من رواية أبي معاوية عن الأعمش كذلك.

وقال ابنُ مالك المعروف أنَّ بَلْهَ اسم فعل بمعنى اترك، ناصبًا لما يليه بمقتضى المفعولية، واستعماله مصدرًا بمعنى التَّرك مضافًا إلى ما يليه، والفتحة في الأولى بنائية، وفي الثانية إعرابيَّة، وهو مصدر مهمل الفعل ممنوع الصَّرف، وقال الأخفشُ بَلْهَ هنا مصدر، كما تقول ضرب زيد، وندر دخولُ من عليه زائدة.

وفي «المغني» لابن هشام أنَّ بَلْه استُعملتْ مصروفة مجرورة بمن، وأنَّها بمعنى غير ولم يذكر سواه، وفيه نظر؛ لأنَّ ابن التِّين حكى رواية من بلهَ _ بفتح الهاء _ مع وجودِ «من» فعلى هذا فهي مبنية، وما مصدريَّة، وهي وصلتها في موضع رفعٍ على الابتداء، والخبرُ هو الجار والمجرور والضَّمير المجرور بعلى عائدٌ على الذُّخر المتقدِّم، ويكون المراد ببله كيف التي يُقصدُ بها الاستبعاد.

قال الرَّضي إذا كانت بَلْه بمعنى كيف، جاز أن تدخله «من» حكى أبو زيد أنَّ فلانًا لا يُطيق حمل الفهر فمن بله أن يأتيَ بالصَّخرة؛ أي كيف ومن أين، والمعنى على هذا من أين اطلاعكُم على ما ادَّخرته لعبادي الصَّالحين، فإنَّه أمرٌ عظيم، قلما يسع عقول البشر لإدراكه والإحاطة به.

قال في «المصابيح» وهذا أحسن ما يُقال في هذا المحل، وقال الحافظُ العسقلاني وأوضح التَّوجيهات لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه (( ولا خطر على قلب بشر ذُخْرًا من بَلْهَ ما أُطلعتم عليه ) )أنها بمعنى غير، وذلك بيِّن لمن تأمَّله، انتهى.

وقال أبو السَّعادات في «نهايته» بَلْه اسم من أسماء الأفعال بمعنى دع واترك، تقول بله زيدًا؛ أي ترك زيد، وقوله «ما اطَّلعتم عليه» يحتمل أن يكون منصوب المحلِّ ومجروره، وعلى التقديرين المعنى دعْ ما اطَّلعتم عليه من نعم الجنَّة وعرفتموه من لذَّاتها، انتهى.

تتمة قال الجوهري وبلهَ كلمة مبنيَّة على الفتح مثل كيف، ومعناه دع، وأنشد قول كعب بن مالك يصف السُّيوف

ج 20 ص 475

~تَذَرُ الْجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا بَلْهَ الْأَكُفَّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ

قال في «المغني» وقد روي بالأوجه الثلاثة، وقال شارحه ومعنى بله الأكف، على رواية النصب دع الأكف، وعلى رواية الجرِّ كترك الأكف، وعلى الرَّفع فكيف الأكف التي يوصلُ إليها بسهولة.

(ثُمَّ قَرَأَ) صلى الله عليه وسلم ( {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة 17] ) {جَزَاءَ} مفعول له؛ أي أُخفي لهم للجزاء، فإن إخفاؤه لعلوِّ شأنه، أو مصدر مؤكِّد لمعنى الجملة قبله؛ أي جزوا جزاء، وعند أبي ذرٍّ تقديم قوله إلى آخره، على قوله .

وهذا الحديث من أفراد البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت