4802 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بنُ دكين، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن يزيد (التَّيْمِيِّ) الكوفي (عَنْ أَبِيهِ) يزيد (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُنْدب بن جُنَادة الغفاري (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟) استفهامٌ أُريد به الإعلام (قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ) أي تنقاد للباري تعالى انقياد السَّاجد من المكلَّفين، أو شبهها بالسَّاجد
ج 20 ص 540
عند غروبها، وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش، كما سيأتي في التَّوحيد [خ¦7424] (( فإنها تذهبُ فتستأذنُ في السُّجود فيُؤذن لها، وكأنَّها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت فتطلعُ من مغربها ) )، ثمَّ قرأ (( وذلك مُستقرٌّ لها ) )وهي قراءةُ عبد الله.
وروى عبد الرَّزَّاق من طريق وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو، في هذه الآية قال مستقرها أن تطلعَ فيردها ذنوب بني آدم، فإذا غربت سلَّمت وسجدت، واستأذنت فلا يؤذنُ لها فتقول إنَّ السَّير بعيدٌ، وإن لا يؤذنَ لي لا أبلغ فتُحبسُ ما شاء الله، ثمَّ يُقال اطلعِي من حيث غربتِ قال فمِن يومئذٍ إلى يوم القيامة لا ينفعُ نفسًا إيمانها.
وأمَّا قوله (( تحت العرش ) )فقيل هو حين محاذاتها، ولا يُخالفُ هذا قوله {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف 86] فإنَّ المراد به نهاية مدرك البصر إيَّاها حال الغروب، وسجودها تحت العرش إنما هو بعدَ الغروب، وليس معناه أنها تسقطُ في تلك العين، بل هو خبرُ عن الغاية التي بلغها ذو القرنين في مسيره ووجدها تدلى عند غروبها فوقَ هذه العين أو على سمتها، وكذلك من كان في البحر يرى أنها تغربُ في البحر وإن كانت في الحقيقة تغربُ وراء البحر. وقال ابنُ كثير والعرش فوق العالم ممَّا يلي رؤوس النَّاس، فالشَّمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظَّهيرة تكون أقربُ إلى العرش، فإن استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف اللَّيل صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذٍ تسجد وتستأذن في الطُّلوع؛ أي من المشرق على عادتها فيؤذن لها.
(فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس 38] ) وفي الحديث ردٌّ على من زعم أنَّ المراد بمستقرِّها غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة من الصَّيف، ثم يأخذُ في النزول حتَّى تنتهي إلى أقصر مشارق الشِّتاء لأقصر يوم منه، وقيل إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدُّنيا. وقال الخطَّابي يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنَّها تستقر تحته استقرارًا لا يحيطُ به علمنا، فإنَّما هو إخبار عن غيبٍ ولا يُنكر ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى إن علم ما سألت عنه من مستقرها تحت العرش في كتاب كُتب فيه مبادئ أمور العالم ونهاياتها وهو اللَّوح المحفوظُ، فينقطع دوران الشَّمس، وتستقر عند ذلك وتبطل حركتها وفعلها، وفي الحديث إخبار عن سجودها تحت العرش، ولا بعد أن يكون ذلك في محاذاتها العرش في مسيرها، وليس في سجودها كلَّ ليلة تحت العرش ما يعوقها
ج 20 ص 541
عن دورانها في سيرانها.