4811 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إياس عبد الرَّحمن، قال (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هو ابنُ عبد الرَّحمن (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعي (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة، السَّلماني (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ)
ج 20 ص 568
هو ابنُ مسعود رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ جَاءَ حَبْرٌ) بفتح المهملة وكسرها، وهو العالمُ، وما يُكتب به بالكسر فقط (مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ) أي في التَّوراة (أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ) وفي رواية مسدَّد عن يحيى، عن سفيان، عن منصور في «التَّوحيد» [خ¦7414] (( إنَّ الله يمسك ) )بدل (( يجعل ) ).
(وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، والشجر على إصبع وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ) وفي بعض النُّسخ ، وسقط في بعضها (وَسَائِرَ الْخَلاَئِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ) أي المتفرِّد بالملك (فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذال المعجمة، وهي الضَّواحُك التي تبدو عند الضَّحك، كذا قال ابنُ الأثير، والأكثر الأشهرُ أنها أقصى الأسنان، وقال الأصمعيُّ هي الأضراسُ كلها لا أقصى الأسنان، والمراد الأوَّل لأنَّه صلى الله عليه وسلم ما كان يبلغُ به الضَّحك حتى يبدوَ آخر أضراسهِ، كيف وقد جاءَ في صفة ضحكهِ جلُّ ضحكه التبسُّم. وإن أُريدَ به الأواخر فالوجه فيه أن يُرادَ [مبالغة مثله في الضحك من غير ان يُراد] ظهور نواجذِهِ في الضَّحك، وهو الأقيس لاشتهار النَّواجذ بأواخر الأسنان.
(تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) ) [الرمز 67] ) قال النُّووي وظاهر السِّياق يدلُّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم ضحكَ تصديقًا له بدليل قراءته الآية التي تدلُّ على صحَّة قول الحَبْر، وفي «التَّوحيد» [خ¦7414] قال يحيى بن سعيد وزاد فيه فُضَيل بن عِيَاض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد الله رضي الله عنه فضحكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجُّبًا وتصديقًا له، ورواه التِّرمذي وقال حسن صحيحٌ، وعند مسلم تعجُّبًا ممَّا قال الحَبْر
ج 20 ص 569
تصديقًا له.
وعند ابن خُزيمة من رواية إسرائيل عن منصور (( حتَّى بدت نواجذه ) )تصديقًا له، وعند التِّرمذي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( مرَّ يهودي بالنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السَّموات على ذِه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه ) )، وأشار محمَّد بن الصَّلت أبو جعفر بخنصره أولًا، ثمَّ تابع حتى بلغ الإبهام. وكان هذا من شديد الاشتباه، وقد حمله بعضُهم على أنَّ اليهود مشبهة، ويزعمون فيما أنزلَ إليهم ألفاظًا تدخلُ في التشبيه، وليس القول به من مذهب المسلمين، وقال الخطَّابي الأصل في الإصبع ونحوها أنَّه لا يُطلق على الله تعالى إلا أن يكون بكتاب أو خبر مقطوعٍ بصحَّته، فإن لم يكونا فالتوقُّف عن الإطلاق واجبٌ، وذكر الأصابع لم يوجد في الكتاب ولا في السنَّة القطعية، وليس معنى اليد في الصِّفات الجارحة حتى يتوهَّم بثبوتها ثبوت الإصبع.
وقد روى هذا الحديث كثير من أصحابِ عبد الله رضي الله عنه من طريق عَبيدة فلم يذكروا فيه تصديقًا لقول الحَبْر، وقد ثبتَ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( ما حدَّثكم به أهل الكتاب فلا تُصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم ) )والدَّليل على أنَّه لم ينطق فيه بحرف تصديقًا له أو تكذيبًا، إنَّما ظهر منه الضَّحك المخيل للرِّضاء مرَّة، وللتعجُّب والإنكار أُخرى فقول من قال إنَّما ظهر منه الضَّحك تصديقًا للحَبْر ظنٌّ منه وحسبان، والاستدلال بالضَّحك في هذا الأمر الجليل غير جائزٍ، بل ضحكُه صلى الله عليه وسلم من كذب اليهودي، فظنَّ الرَّاوي أن ذلك التعجُّب تصديق وليس كذلك، ولو صحَّ الخبرُ لا بدَّ من التَّأويل بنوعٍ من المجاز، وقد يقول الإنسان في الأمر الشَّاق إذا أضيف إلى الرَّجل القوي المستظهر أنَّه يعمله بإصبع أو بخنصر ونحوه، يريدُ الاستظهار في القدرة عليه والاستهانة به، فعلم أنَّ ذلك من تحريف اليهودي، وأنَّ ضحكَه صلى الله عليه وسلم إنَّما كان
ج 20 ص 570
على معنى التعجُّب والنَّكير له، انتهى.
وقال أبو العبَّاس القُرطبي في «المفهم» هذه الزِّيادة من قول الرَّاوي باطلة؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يُصدِّق المحال؛ لأنَّ نسبة الأصابع إلى الله تعالى محال، وقوله {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر 67] أي ما عرفوهُ حقَّ معرفته. وقال التميمي تكلَّف الخطَّابي فيه، وأتى في معناه بما لم يأت به السَّلف، ولا ريبَ أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا أعلم بما رووه، وقالوا إنَّه ضحك تصديقًا، وقد ثبت في السنَّة الصَّحيحة (( ما من قلبٍ إلَّا وهو بين إصبعين من أصابع الرَّحمن ) )رواه مسلم، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أتاني اللَّيلة ربِّي في أحسنِ صورة ) )، وفيه (( فوضعَ يدَه بين كتفي ) ). وفي رواية معاذ (( فرأيتُه وضع كفَّه بين كتفي فوجدتُ برد أناملهِ بين ثديي ) )فهذه روايات مُتظاهرة على صحَّة ذكر الأصابع، وكيف يطعنُ في حديث اتَّفق على إخراجه الشَّيخان وغيرهما من أئمَّة النَّقد والإتقان، لا سيَّما وقد قال ابنُ الصَّلاح ما اتَّفق عليه الشَّيخان هو بمنزلةِ المتواتر، وكيف يسمعُ صلى الله عليه وسلم وصف ربِّه تعالى بما لا يرضاهُ فيضحكُ ولم يُنكرهُ أشدَّ الإنكارِ حاشاه الله من ذلك، وإذا تقرَّر صحَّة ذلك فهو من المتشابه كغيرهِ كالوجه واليدين والقدم والجنب في قوله تعالى {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر 56] واختلف أئمَّتنا في ذلك مأوَّلة ومفوضة مع اتِّفاقهم على أنَّ جهلنا بتفصيله لا يقدح في اعتقادنا المراد منه، والتَّفويض مذهب السَّلف وهو أسلمُ، والتَّأويل مذهبُ الخلف وهو أعلم؛ أي أحوج إلى مزيدِ علم وأحكم، فتؤوَّل الإصبع هنا بالقدرة أو الملك إذ إرادة الجارحة مستحيلة. وقال ابنُ فورك المراد به هنا أصابع بعض مخلوقاته وهو غير ممتنع، وقال محمَّد بن شجاع الثَّلجي يحتمل أن يكون خلق خلقه الله تعالى يوافق اسمه اسم الإصبع.
وقال الحافظُ العسقلاني والأولى في هذه الأشياء الكف عن التَّأويل مع اعتقاد التَّنزيه، فإنَّ كل ما يستلزم النقص من ظاهرها غير مراد، وما ورد في بعض طرقه من أصابع الرَّحمن يدلُّ على القدرة أو الملك، وقال الزَّمخشري في «الكشاف» بعد ذكر نحو حديث الباب
ج 20 ص 571
إنَّما ضحك أفصح العرب وتعجَّب؛ لأنَّه لم يفهم منه إلَّا ما يفهمه علماء البيان من غير تصوُّر إمساكٍ ولا إصبع ولا هز ولا شيءٍ من ذلك، ولكن فهمه وقع أوَّل شيءٍ وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدَّلالة على القدرةِ الباهرة، وأنَّ الأفعالَ العظام التي تتحير فيها الأذهان ولا تكتنفها الأوهام هيِّنة عليه هوانًا لا يوصل السَّامع إلى الوقوف عليه إلَّا إجراء العبارة في مثل هذه الطَّريقة من التَّخييل، ولا ترى بابًا في علم البيان أرق ولا ألطفَ من هذا الباب، ولا أنفعَ وأعونَ على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله في القرآن وسائر الكتب السَّماوية وكلام الأنبياء، فإنَّ أكثره وأغلبَه تخييلات قد زلت فيها الأقدام، وما أتى الزَّالون إلَّا من قلَّة عنايتهم بالبحثِ والتَّنقير حتَّى يعلموا أنَّ في عداد العلوم الدَّقيقة علمًا لو قدروه حقَّ قدرهِ لما خفيَ عليهم أنَّ العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه إذ لا يحلُّ عقدها الموربة، ولا يفكُّ قيودها المكربة إلَّا هو، وكم آية من آيات التَّنزيل، وحديث من أحاديث الرَّسول صلى الله عليه وسلم قد ضيم وسيم الخسفُ بالتَّأويلات الغثَّة، والوجوه الرثَّة؛ لأنَّ من تأوَّل ليس من هذا العلم في عيرٍ ولا نفيرٍ ولا يعرف قبيلًا من دبير.