فهرس الكتاب

الصفحة 7065 من 11127

4819 - (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ السلمي مولاهم البصري، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلالي الكوفي ثمَّ المكي، الإمام الحجَّة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح

ج 21 ص 16

(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يعلى بن أمية التَّميمي، حليف قريش، واسم أمه مُنْيَة _ بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية _، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف 77] ) كذا في رواية الجميع بإثبات الكاف وهي قراءة الجمهور، وقرأ الأعمش (( ونادوا يا مالِ ) )بكسر اللام على الترخيم، ورويت عن عليٍّ رضي الله عنه، وتقدَّم في «بدء الخلق» [خ¦3230] أنَّها قراءة ابن مسعود رضي الله عنه.

وقال عبد الرَّزاق قال الثَّوري في حرف ابن مسعود رضي الله عنه (( ونادوا يا مال ) )يعني بالترخيم، وبه جزم ابن عُيينة، ويُذكر عن بعض السَّلف أنَّه لما سمعها قال ما أشغل أهل النَّار عن الترخيم، وأُجيب باحتمال أنَّهم لضعفهم وشدَّة ما هم فيه لا يستطيعون تأدية اللَّفظ بالتمام، ويقتطعون بعض الاسم. فإن قيل كيف قيل {وَنَادُوا يَا مَالِكُ} بعد ما وصفَهم بالإبلاس؟ فالجواب أنَّها أزمان متطاولة، وأحقاب ممتدَّة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتًا لغلبةِ اليأس عليهم، ويستغيثون أوقاتًا لشدَّة ما بهم، فليتأمل.

والحديث قد مضى في «بدء الخلق» ، في باب «صفة النار» [خ¦3266] .

(وَقَالَ قَتَادَةُ {مَثَلًا لِلآخِرِينَ} ) أي قال قتادة في قوله تعالى {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ} (عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ) والعظةُ الموعظة، والأصل وعظة، حذفت الواو تبعًا للحذف في فعلها، قال عبد الرزاق عن مَعمر عن قتادة في قوله تعالى {فَلَمَّا آسَفُونَا} قال أغضبونا (( فجعلناهُم سلفًا ) )قال إلى النار، {وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ} قال عظة للآخرين.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير قتادة ( {مُقْرِنِينَ} ضَابِطِينَ، يُقَالُ فُلاَنٌ مُقْرِنٌ لِفُلاَنٍ ضَابِطٌ لَهُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف 13] وفسَّره بقوله «ضابطين» ، وهو قول أبي عبيدة، واستشهد بقول الكميت

~وَلَسْتُمْ لِلصَّعَائِبِ مُقْرِنِيْنَا

وقد مرَّ الكلام فيه آنفًا.

(وَالأَكْوَابُ الأَبَارِيقُ الَّتِي لاَ خَرَاطِيمَ لَهَا) أشار به إلى قوله تعالى {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} [الزخرف 71] وهي جمع كوب،

ج 21 ص 17

قال الزَّمخشري الكوب الكوزُ بلا عروة، وقيل لا عراوي لها ولا خراطيم معًا، وقال الجواليقي ليتمكن الشَّارب من أين شاء، فإنَّ العروة تمنع من ذلك.

(وقال قَتادَةُ {فِي أُمِّ الكِتَابِ} جُمْلَةِ الكِتابِ، أصْلِ الكِتابِ) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف 4] وفسَّر قتادة {أُمِّ الكِتَابِ} بقوله «جملة الكتاب وأصله» ، قال عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قتادة في قوله {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ} قال في أصل الكتاب وجملتهِ.

وقال المفسِّرون {أُمِّ الكِتَابِ} اللَّوح المحفوظ الذي عند الله تعالى منه نسخ، وهو أصلُ الكتب السَّماوية، وأمُّ كلِّ شيء أصله. وقد سقط قوله في رواية غير أبي ذرٍّ من هنا ثابت بعد.

( {أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} أَيْ مَا كَانَ، فَأَنَا أَوَّلُ الآنِفِينَ) أشار به إلى قوله تعالى {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف 81] ومضى الكلام فيه، وإنَّه بمعنى أول المؤمنين، وأعاد هنا لأجل معنى آخر، ولو ذكر كله في موضع واحد لكان أولى. وأشار بقوله «أي ما كان» ، إلى أن كلمة «إن» نافية؛ أي ما كان له ولد. وأخرج الطَّبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لم يكن للرحمن ولدٌ. ومن طريق سعيد عن قتادة قال هذه كلمة في كلام العرب إن كان للرَّحمن ولد؛ أي ذلك لم يكن. ومن طريق زيد بن أسلم قال هذا معروفٌ من قول العرب يقولون «إن» كان هذا الأمر قط؛ يعني ما كان. ومن طريق السُّدي قال إن بمعنى لو؛ أي لو كان للرَّحمن ولد كنت أول من عبده بذلك لكن لا ولد له. ورجَّحه الطَّبري.

وتوضيحه إن صحَّ ذلك فأنا أوَّل من يعبده لكنه لم يصحَّ البتة بالدَّليل القاطع، وذلك أنَّه علق العبادة بكينونة الولد وهي محالٌ في نفسها، فكان المعلَّق بها محالًا مثلها فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها، كذا في «الكشاف» . وقال أبو عُبيدة

ج 21 ص 18

{إِنْ} بمعنى ما، والفاء بمعنى الواو؛ أي ما كان للرحمن ولدٌ، وأنا أوَّل العابدين، والظَّاهر أن الفاء سببية. وقد منعَ مكِّي أن تكون نافية، قال لأنَّه يُوهم أنَّك إنما نفيتَ عن الله الولد فيما مَضى دون ما هو آتٍ، وهذا محالٌ، ورُدَّ عليه بأن كان قد تدلُّ على الدَّوام كقوله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفتح 14] .

ثمَّ إنَّه فسَّر قوله {أَوَّلَ العَابِدِينَ} بقوله «فأنا أول الآنفين» ؛ أي المستنكفين؛ يعني أنَّه مشتق من عبِد _ بكسر الباء الموحدة _ إذا أنِف واشتدَّت أنفتُه؛ أي فأنا أوَّل المستنكفين من أن يكون له ولد.

(وَهُمَا) أي عابد وعبد (لُغَتَانِ) يُقال (رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ) بكسر الموحدة في ضبط الدِّمياطي والفرع وغيرهما، وقال ابنُ التِّين ضُبط بفتحها، وقال وكذا ضُبط في كتاب ابنِ فارس. وقال الجوهريُّ العبد _ بالتحريك _ الغضب، وعبِد _ بالكسر _ إذا أنف، وقال ابن عرفة يُقال عبِد _ بالكسر _ يعبَد _ بالفتح _ فهو عبد، وقلَّما يُقال عابد، والقرآن لا يجيءُ على القليل ولا الشَّاذ، ومراده أنَّ تخريجَ من قال إنَّ العابدين بمعنى الآنفين، لا يصح. وقال الإمام فخر الدِّين وهذا التَّعليق فاسدٌ؛ لأنَّ هذه الأنفة حاصلةٌ سواء حصل ذلك الزَّعم والاعتقاد أو لم يحصل.

(وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ مسعود رضي الله عنه (((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ ) )) يعني أنَّه قرأ هكذا مكان قوله {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ} [الزخرف 88] وهي قراءةٌ شاذَّةٌ مخالفةٌ لخط المصحفِ، نعم أخرج الطَّبري من وجهين عن قتادة في قوله تعالى {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ} قال هو قول الرَّسول صلى الله عليه وسلم.

(وَيُقَالُ {أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} الْجَاحِدِينَ، مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ) بكسر الموحدة في الماضي، وبفتحها في المستقبل، يُقال عبدني حقِّي؛ أي جحدنيهِ، هكذا في أكثر النُّسخ. وقال ابن التِّين السَّفاقسي ضبطوه هنا بفتح الباء في الماضي، وضمها في المستقبل، ولم يذكر

ج 21 ص 19

أهل اللُّغة عبد بمعنى جحد.

ورُدَّ عليه بما ذكره محمد بن عزيز [1] السَّجستاني صاحب «غريب القرآن» من أنَّ معنى العابدين الآنفين الجاحدين، وفسَّر على هذا إن كان له ولد فأنا أول الجاحدين [2] .

[1] كذا في العمدة والقسطلاني، وفي كتاب غريب القرآن المطبوع وهدية العارفين (بن عزيز) بالزاي والراء.

[2] في هامش الأصل أي مجاوزين حد الشرع وأمر الله تعالى. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت