فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 11127

428 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) أي ابن سعيد التميمي، وقد مر في باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( اللهم علمه الكتاب ) ) [خ¦75] .

(عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية وفي آخره حاء مهملة، هو يزيد بن حميد الضبعي، وقد سبق ذكره في باب «ما كان النبي يتخولهم» [خ¦69] .

(عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية رضي الله عنه. ورواة هذا الإسناد كلُّهم بصريون. وقد أخرج متنه المؤلف في «الصلاة» [خ¦429] ، و «الوصايا» [خ¦2771] ، و «الهجرة» [خ¦3932] ، و «الحج» [خ¦1868] ، و «البيوع» [خ¦2106] . وأخرجه مسلم في «الصلاة» . وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه.

(قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ) قال الحاكم تواترت الأخبار بورود النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قباء يوم الاثنين، لثمان خلون من ربيع الأول.

وقال محمد بن موسى الخوارزمي وكان ذلك يوم الخميس، الرابع من تيره ماه، والعاشر من أيلول، من شهور الروم، سنة سبعمائة وثلاثة وثلاثين لذي القرنين.

وقال الخوارزمي من حين وُلد إلى حين أُسري به أحد وخمسون سنة وسبعة أشهر وثمانية وعشرون يومًا،

ج 3 ص 227

ومنه إلى اليوم الذي هاجر سنة وشهران ويوم، فذلك ثلاث وخمسون سنة، وكان ذلك يوم الخميس.

وفي (( طبقات ابن سعد ) )أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الغار ليلة الاثنين، لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فقال؛ أي نام، من القيلولة يوم الثلاثاء بقديد، وقدم على بني عمرو بن عوف لليلتين خلتا من ربيع الأول، ويقال لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فنزل على كلثوم بن هدم، وهو الثبت عندنا.

وذكر البرقي أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم المدينة ليلًا. وعن جابر لما قدم المدينة نحر جزورًا [خ¦3089] .

(فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ) ويروى . وفي رواية أبي داود (( فنزل في علو المدينة ) )بالضم، وهي العالية.

(فِي حَيٍّ) بتشديد الياء؛ أي قبيلة، وجمعها أحياء (يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين فيهما (فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) وهذه رواية الأكثرين، وكذا في رواية أبي داود، عن شيخه مسدد. وفي رواية المستملي والحمويي . وعن الزهري «أقام فيهم بضع عشرة ليلة» . وعن عويمر بن ساعدة (( لبث فيهم ثماني عشرة ليلة، ثم خرج ) ).

(ثُمَّ أَرْسَلَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَى بَنِي النَّجَّارِ) وهم بنو تيم اللَّات بن ثعلبة بن عمرو بن الجموح؛ وهم قبيل كثير من الأنصار، وتيم اللات هو النَّجَّار _ بفتح النون وتشديد الجيم _، سمِّيَ بذلك لأنَّه اختتن بقدوم، وقيل بل ضرب رجلًا بقدوم، فجرحه، ذكره الكلبي وأبو عبيدة.

وإنما أرسل إلى بني النجار؛ لأنَّهم كانوا أخواله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّ هاشمًا جد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد بن عدي بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب، فأراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النزول عندهم، لما تحول من قباء.

(فَجَاءُوا) حال كونهم (مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) هكذا في رواية بالإضافة، وسقوط النون للإضافة، وفي رواية الأكثرين ، بثبوت النون، ونصب السيوف.

والتقلُّد هو جعل نجاد السيف على المنكب، وإنَّما جاءوا كذلك خوفًا من اليهود، وليروه ما أعدوه لنصرته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) الراحلة المركب من الإبل، ذكر أكان أو أنثى، وكانت راحلته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسمى القصواء.

(وَأَبُو بَكْرٍ) الصديق رضي الله عنه (رِدْفُهُ) بكسر الراء وسكون الدال، بمعنى المرتدف، وهو الذي يركب خلف الراكب،

ج 3 ص 228

وأردفته أنا إذا أركبتَه معك، وذاك الموضع الذي يركبه رِداف، وكل شيء تبع شيئًا فهو ردفه، وإنَّما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أردفه تشريفًا له، وتنويهًا بقدره، وإشارة إلى أنَّه الخليفة بعده، وإلا فقد كان لأبي بكر رضي الله عنه ناقة، هاجر عليها، كما سيأتي بيانه في الهجرة [خ¦3905] .

(وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ) أي أشرافهم ورؤساؤهم، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم ملأى بالرأي، ويقال ملأته على الأمر؛ أي شاورته، وما كان هذا الأمر عن ملأ منَّا؛ أي تشاور واجتماع، أو جماعتهم.

(حَوْلَهُ) أي يمشون حوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى أَلْقَى) أي طرح رحله، فالمفعول محذوف (بِفِنَاءِ) بكسر الفاء والمد، وهي سعة أمام الدار، والجمع أفنية، وفي (( المجمل ) )فناء الدار ما امتد من جوانبها (أَبِي أَيُّوبَ) خالد ابن زيد الأنصاري رضي الله عنه.

وحكي أنَّه لما بركت الناقة عند دار أبي أيوب رضي الله عنه، جعل جبار ابن صخر ينخسها برجله، فقال أبو أيوب يا جبار، أَعَن منزلي تنخسها؟ أمَّا والذي بعثه بالحق، لولا الإسلام لضربتك بالسيف.

هذا؛ وذكر محمد بن إسحاق في كتاب (( المبتدأ وقصص الأنبياء عليهم السلام ) )تأليفه، أنَّ تبَّعًا وهو ابن حسان لما قدم مكة _ شرَّفها الله تعالى _ قبل مولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بألف عام، وخرج منها إلى يثرب، وكان معه أربعمائة رجل من الحكماء، فاجتمعوا، وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها، فسألهم تبَّع عن سرِّ ذلك، فقالوا إنَّا نجد في كتبنا أنَّ نبيًا اسمه محمد هذه دار مهاجره، فنحن نقيم، لعلنا نلقاه، فأراد تبَّع الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارًا، واشترى له جارية، وزوجها منه، وأعطاهم مالًا جزيلًا، وكتب كتابًا فيه إسلام، وقوله شهدت على أحمد أنَّه رسول من الله، بارئ النَّسم، في أبيات، وختمه بالذهب، ورفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن أدركه، وإلا فمن أدركه من ولده، وبنى للنبي دارًا ينزلها، إذا قدم المدينة، فتداول الدار الملاك، إلى أن صارت لأبي أيوب رضي الله عنه، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، قيل وأهل المدينة من ولد أولئك العلماء الأربعمائة، ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخزرج، ولما خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أرسلوا إليه كتاب تبَّع مع رجل، يسمى أبا ليلى، فلما رآه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تبَّع فبقي أبو ليلى متفكرًا، ولم يعرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

ج 3 ص 229

فقال من أنت؟ فإنِّي لم أر في وجهك أثر السحر. وتوهم أنه ساحر، فقال أنا محمد، هات الكتاب. فلمَّا قرأه، قال مرحبًا بتبَّع الأخ الصالح، ثلاث مرات.

وفي (( سير ابن إسحاق ) )اسمه تبان أسعد أبو كرب، وهو الذي كسا البيت الحرام.

وفي (( مغائص الجوهر في أنساب حمير ) )كان يتدين بالزبور.

وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( لا تسبوا تبَّعًا، فإنه كان قد أسلم ) ). وأخرجه أحمد في (( مسنده ) ).

وتُبَّع _ بضم المثناة الفوقية وفتح الباء المشددة وفي آخره عين مهملة _، لقب لكل من ملك اليمن، ككسرى لقب لكل من ملك الفرس، وقيصر لكل من ملك الروم.

وقال عكرمة إنَّما سُمِّي تبَّعًا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار، فأسلم، قال وهذا تبَّع الأوسط، وأقام مَلِكًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وقيل ثمانين سنة.

وقال ابن سيرين هو أول من كسا البيت، وملك الدنيا والأقاليم بأسرها.

وحكى القاسم بن عساكر، عن سعيد بن عبد العزيز، أنَّه قال كان إذا عرض الخيل، قاموا صفًا من دمشق إلى صنعاء.

وهذا بعيد، إن أراد به صنعاء اليمن؛ لأنَّ بينها وبين دمشق أكثر من شهرين، والظاهر أنَّه أراد بها صنعاء دمشق؛ وهي قرية على باب دمشق، من ناحية باب الفراديس، واتصلت حيطانها بالعقيبة، وهي محلة عظيمة بظاهر دمشق.

وذكر ابن عساكر في كتابه أنَّ تبَّعًا هذا لما قدم المدينة، وكسا الكعبة، خرج إلى يثرب في مائة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان، ومائة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة. وذكر أيضًا أن تبَّعًا لما خرج من يثرب، مات في بلاد الهند.

وذكر السهيلي أنَّ دار أبي أيوب هذه صارت بعده إلى أفلح، مولى أبي أيوب، فاشتراه منه بعد ما خرب المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار، بعد حيلة احتالها عليه المغيرة، فأصلحه المغيرة، وتصدق به على أهل بيت فقراء بالمدينة.

(وَكَانَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، وَيُصَلِّي) عطف على قوله (( يحب ) ) (فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) جمع مربض؛ أي مأوى الغنم، وربوض الغنم مثل بروك الإبل، والمراد أنَّه يصلي حيث أدركته الصلاة، وإن كان في مرابض الغنم.

(وَإِنَّه) بكسر الهمزة؛ لأنَّه كلام مستقل بذاته؛

ج 3 ص 230

أي النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَرَ) على صيغة المعلوم، ويروى على صيغة المجهول (بِبِنَاءِ الْمَسْجدِ) بكسر الجيم وفتحها، وهو الموضع الذي يسجد فيه.

وفي (( الصحاح ) )المسجَد _ بفتح الجيم _ موضع السجود، و _ بكسرها _ البيت الذي يصلى فيه، ومن العرب من يفتح في كلا الوجهين.

وعن الفراء سمعنا المسجِد _ بالكسر والفتح _ جائز، وإن لم نسمعه.

وفي (( المعاني ) )للزجاج كل موضع يُتعبَّد فيه مسجد.

(فَأَرْسَلَ إِلَى ملأٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ) وفي رواية ، بإسقاط كلمة (( من ) ) (فَقَالَ يَا بَنِي النَّجَّارِ؛ ثَامِنُونِي) أي بيعونيه بالثمن، أو اذكروا لي ثمنه، أو قدِّروا ثمنه، لأشتريه منكم، وبايعوني فيه، وأصل هذه اللفظة من ثامنتُ الرجل في البيع أثامنه، إذا قاولتهَ في ثمن، وساومتهَ على بيعه وشرائه.

(بِحَائِطِكُمْ) أي ببستانكم، كما يدل عليه قوله الآتي (( وفيه نخلٌّ بِالنَّخلِ، فقطع ) )، وفي لفظ (( كان مربدًا ) )، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر، لينشف (هَذَا) صفة الحائط، أو عطف بيان له، أو بدل منه.

(قَالُوا لاَ) نثامنكم فيه، أو زائدةٌ (وَاللَّهِ، لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ) عز وجل؛ أي من الله، كما وقع عند الإسماعيلي (( لا نطلب ثمنه إلا من الله ) ).

وقد جاء (( إليَّ ) )في كلام العرب للابتداء، كقوله فلا يروي إليَّ ابن أحمرا؛ أي مني.

ويجوز أن تكون (( إليَّ ) )هاهنا على معناها لانتهاء الغاية، ويكون التقدير ننهي طلب الثمن إلى الله، كما في قولهم أحمد إليك الله، والمعنى أنهي حمده إليك.

وما قاله الكرماني من أنَّ معناه لا نطلب الثمن من أحد، لكنه مصروف إلى الله، فتعسف مع تطويل، والمقصود أنَّا لا نطلب منك الثمن، بل نتبرع به، ونطلب الثمن؛ أي الأجر من الله، فإطلاق الثمن على الأجر من باب المشاكلة، ثم إنَّ هذا هو المشهور في الصحيحين.

وذكر محمد بن سعد في (( الطبقات ) )عن الواقدي أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشترى منهم بعشرة دنانير، دفعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

ويقال كان ذلك مربد اليتيمين، فدعاهما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فساومهما، ليتخذه مسجدًا، فقالا بل نهبه لك، يا رسول الله. فأبى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر رضي الله عنه أن يعطيهما ذلك.

وفي (( المغازي ) )لأبي معشر (( فاشتراه أبو أيوب منهما، وأعطاه الثمن، فبناه مسجدًا ) ). واليتيمان هما سهل وسهيل، ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمر، من بني النجار،

ج 3 ص 231

كانا في حجر أسعد بن زرارة، وقيل معاذ بن عفراء، وقيل قال معاذ يا رسول الله، أنا أرضيهما، فاتخذه مسجدًا، ويقال إن بني النجار جعلوا حائطهم وقفًا، وأجازه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

واستدل ابن بطال بهذا على صحة وقف المشاع، وقال وقف المشاع جائز عند مالك، وهو قول أبي يوسف والشافعي، خلافًا لمحمد بن الحسن.

والصحيح أنَّ بني النجار لم يقفوا شيئًا، بل باعوه، ووقفه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فليس وقف مشاع.

(فَقَالَ) وفي رواية (أَنَسٌ) رضي الله عنه (فَكَانَ فِيهِ) أي في ذلك الحائط (مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ) بالرفع بدل، أو بيان لقوله (( ما أقول لكم ) ).

(وَفِيهِ خَرِبٌ) قال أبو الفرج الرواية المعروفة _ بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء _، جمع خربة، ككلم وكلمة.

وقال أبو سليمان حُدِّثناه _ بكسر الخاء وفتح الراء _، جمع خِرَبة، كعنب وعنبة، وهما لغتان صحيحتان، رُوِيَتا، والمراد أنَّ فيه ما يخرب من البناء.

وقال الخطابي لعل صوابه خُرب _ بضم الخاء _ جمع خربة، وهي الخروق في الأرض، إلا أنَّهم يقولونها في ثقبة مستديرة في أرض أو جدار، قال ولعل الرواية (( جِرَف ) )، جمع الجِرفة _ بكسر الجيم وفتح الراء _، وهي جمع الجُرُف _ بضم الجيم والراء _، كما يقال خُرج وخِرَجَة، وتُرس وتِرسة.

وأَبْيَنُ من ذلك إن ساعدته الرواية أن يكون حُدُبًا، جمع حَدَبة، وهو الذي يليق بقوله (( فسويت ) )، فإنَّما يسوى المكان المحدودب، أو موضع من الأرض فيه خروق وهدوم، وأما الخرب فإنَّها تعمَّر، ولا تسوَّى.

وقال القاضي عياض هذا التكلف لا حاجة إليه، فإنَّ الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى؛ فإنَّه كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض، أمر بالخرب فرفعت رسومها، وسويت مواضعها، ليصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فعل بالقبور.

وفي (( مصنف ) )ابن أبي شيبة بسند صحيح (( وأمر بالحرث فحرث ) )، وهو الذي زعم ابن الأثير أنَّه روي _ بالحاء المهملة والثاء المثلثة _، يريد الموضع المحروث للزراعة. وكذا في رواية الكشميهني، ولكن قيل إنَّه وهم.

(وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ) أي بنبشها (فَنُبِشَتْ) أي وبالعظام أن تغيب، فغيبت، كما في رواية (ثُمَّ) أمر (بِالْخَرِبِ) أي بتسويتها (فَسُوِّيَتْ) بإزالة ما كان في تلك الخرب (وَ) أمر (بِالنَّخْلِ) أي بقطعه (فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ) من صففت الشيء صفًا.

ج 3 ص 232

(قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ) أي في جهتها، لا القبلة المعهودة اليوم؛ فإنَّ ذلك لم يكن ذلك الوقت (وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ) تثنية عِضادة _ بكسر العين _.

قال ابن التياني في (( الموعب ) )قال أبو عمرو هي جانب الحوض.

وعن صاحب (( العين ) )أعضاد كل شيء ما يشده من حواليه من البناء وغيره، مثل عضاد الحوض، وهي صفائح من حجارة على شفيره، وعضادتا الباب ما كان عليهما يطبق الباب إذا أصفق.

وفي (( التهذيب ) )للأزهري عضادتا الباب الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله، وزاد القزاز فوقهما العارضة.

(الْحِجَارَةَ) وفي (( مغازي ابن بكير ) )، عن ابن إسحاق جعلت قبلة المسجد من اللَّبِن، ويقال بل من حجارة منضوضة بعضها على بعض، وورد أيضًا أنَّه كان في موضع المسجد الغرقد، فأمر أن يقطع، وكان في المربد قبور جاهلية، فأمر بها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنبشت، وأمر بالعظام أن تغيب، وكان في المربد ماء مستنجل؛ أي قليل الجري، من النجل، وهو الماء القليل، فسيره حتى ذهب، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك، فهو مربع، ويقال كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن، وجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينقل معهم اللَّبِن والحجارة بنفسه، ويقول

~هَذَا الجَمالُ لَا جمال خَيْبَر هَذَا أبرُّ رَبنَا وأَطْهَر

وجعلوا قبلته إلى القدس، وجعل له ثلاثة أبواب بابًا في مؤخره، وبابًا يقال له باب الرحمة، والثالث الذي يدخل منه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وجعل طول الجدار قامة وسطة، وعمده الجذوع، وسقفه جريدًا، فقيل له ألا تسقفه؟ فقال (( الأمر أعجل من ذلك ) ).

وسيجيء في الكتاب عن قريب _ إن شاء الله تعالى _ عن ابن عمر رضي الله عنهما [خ¦446] أنَّ المسجد كان على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبنيًا باللَّبِن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر رضي الله عنه شيئًا، وزاد فيه عمر رضي الله عنه، وبناه على بنائه في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باللَّبِن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غيَّره عثمان رضي الله عنه، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة، وجعل عمده حجارة منقوشة، وسقفه بالساج.

وفي (( الإكليل ) )ثم بناه الوليد بن عبد الملك، في إمرة عمر

ج 3 ص 233

بن عبد العزيز.

وفي (( الروض ) )ثم بناه المهدي، ثم زاد فيه المأمون، ثم لم يبلغنا تغيره إلى الآن.

(وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ) أي يتعاطون الرجز، تنشيطًا لنفوسهم، ليسهل عليهم العمل (وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يرتجز (مَعَهُمْ) جملة حالية، كقوله (وَهُوَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُولُ اللَّهُمَّ) معناه يا الله.

وقال البصريون (( اللَّهم ) )دعاء لله بجميع أسمائه؛ إذ الميم تشعر بالجمع، كما في «عليهم» .

وقال الكوفيون أصله اللَّهم أُمَّنا بخير؛ أي اقصدنا، فخفف، فصار اللَّهم.

(لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَهْ) وفي رواية أبي داود (( اللَّهم إنَّ الخير خير الآخرة ) ) (فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ) كذا رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحمويي بحذف اللام، ووجهه أن يضمن (( اغفر ) )معنى استر.

وفي رواية أبي داود، عن مسدد شيخ البخاري، وشيخه أيضًا، بلفظ (( فانصر الأنصار ) ).

والأنصار جمع نصير، كالأشراف جمع شريف، والنصير الناصر، من نصره الله على عدوه، ينصره نصرًا، والاسم النصرة، وسموا بذلك لأنهم أعانوه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أعدائه، وهم الأوس والخزرج.

(وَالْمُهَاجِرَهْ) أي والجماعة المهاجرة، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية، محبة فيه، وطلبًا للآخرة.

والهجرة في الأصل من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرًا وهجرانًا، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، يقال منه هاجر مهاجرة.

واستشكل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا مع قوله تعالى {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [يس 69] ، فقيل إنَّ الرجز ليس بشعر.

قال ابن التين لا يطلق على الرجز شعرًا، إنَّما هو كلام مسجع، بدليل أنَّه يقال لصانعه راجز، ولا يقال شاعر، ويقال أنشد رجزًا، ولا يقال أنشد شعرًا.

وقال القرطبي الصحيح في الرجز أنَّه شعر، وإنَّما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إياه، فقال لو كان شعرًا لما علمه، قال وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ من أنشد القليل من الشعر، أو قاله، أو تمثل به على وجه الندور، لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه إنَّه يعلم الشعر، ولا ينسب إليه.

على أنَّ الممتنع عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو إنشاء الشعر لا إنشاده.

على أنَّه قد قيل إنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ الآخرة والمهاجرة بحركة التاء، خروجًا عن وزن الشعر؛ لأنَّه إنما يتَّزن إذا وقف عليها، وهذا كما روي (( أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما ذكر قول طرفة

~ستُبْدي لكَ الأيَّام مَا كنتَ جَاهلًا ويَأتِيكَ مَن لم تزوِّد بالأخبَارِ

ج 3 ص 234

قال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله، لم يقل هكذا، وإنما قال

~وَيَأتِيكَ بِالأَخبَارِ مَن لم تُزَوِّدِ

فقال كلاهما سواء. فقال أشهد أنَّك لست بشاعر، ولا تحسنه )) .

ومن فوائد هذا الحديث جواز الإرداف، ومنها جواز الصلاة في مرابض الغنم. ومنها جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، ومنها أن القبر إذا لم يبق فيه بقية من الميت، ومن ترابه المختلط بالصديد، جازت الصلاة فيه.

ومنها جواز قطع الأشجار المثمرة للضرورة والمصلحة، إما لاستعمال خشبها، أو ليغرس موضعها غيرها، أو لخوف سقوطها على شيء تتلفه، أو لاتخاذ موضعها مسجدًا، وكذا قطعها في بلاد الكفار، إذا لم يرج فتحها، لأن فيه نكاية وغيظًا لهم وإرغامًا.

ومنها جواز الارتجاز، وقول الأشعار ونحوها لتنشيط النفوس، وتسهيل الأعمال، والمشي عليها. ومنها ما عقد عليه الباب، وهو جواز نبش قبور المشركين، لأنه لا حرمة لهم.

فإن قيل كيف يجوز إخراجهم من قبورهم؟ والقبر مختص بمن دفن فيه، لا يجوز بيعه، ولا نقله عنه.

فالجواب أنه إذا كان ملكًا له، وتلك القبور التي أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنبشها لم تكن أملاكًا لمن دفن فيها، بل لعلها غصبت، فلذلك باعها ملاكها.

وقد قالت الفقهاء إذا دفن المسلم في أرض مغصوبة يجوز إخراجه، فضلًا عن المشرك.

وقد يجاب بأنه دعت الضرورة والمصلحة إلى نبشها، فنبشت.

فإن قيل هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار، ليتخذ مكانها مساجد؟.

فالجواب أنه أجاز ذلك قوم محتجين بهذا الحديث.

وبما رواه أبو داود (( أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما خرج إلى الطائف، قال هذا قبر أبي رِغال ) )_ بكسر الراء وتخفيف المعجمة _، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بالحرم يُدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة بهذا المكان، فدفن فيه، وآية ذلك أنَّه دفن معه غصن من ذهب، فابتدر الناس، فنبشوه، واستخرجوا الغصن، قالوا فإذا جاز نبشها لطالب المال، فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى، وليست حرمتهم موتىً بأعظم من حرمتهم وهم أحياء، بل هو مأجور في ذلك، وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الكوفيون والشافعي وأشهب، بهذا الحديث.

وقال الأوزاعي لا يفعل؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما مرَّ بالحجر، قال

ج 3 ص 235

(( لا تدخلوا بيوتَ الذين ظلموا، إلَّا أن تكونوا باكين، مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ) ). [خ¦433] فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم [1] فكيف قبورهم؟.

وقال الطحاوي رحمه الله قد أباح دخولها على وجه البكاء.

فإن قيل هل يجوز أن تبنى المساجد على قبور المسلمين؟.

فالجواب أنَّه قال ابن القاسم لو أنَّ مقبرة من مقابر المسلمين عفت، فبنى قوم عليها مسجدًا، لم أرَ بذلك بأسًا؛ وذلك لأنَّ المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم، لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا درست، واستغني عن الدفن فيها، جاز صرفها إلى المسجد؛ لأنَّ المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين، لا يجوز تمليكه لأحد، فمعناهما على هذا واحد، وذكر أصحابنا أنَّ المسجد إذا خرب ودثر، ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا عفت ودثرت، تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكًا، يجوز أن يبنى موضعَ المسجد دارٌ، وموضع المقبرة مسجدٌ أو غيرُ ذلك، فإذا لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال.

[1] قوله (( فنهى أن يدخل بيوتهم ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت