4826 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزبير، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ) كذا أورده مختصرًا، وقد أخرجه الطَّبري عن أبي كريب عن ابن عُيينة بهذا الإسناد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( كان أهل الجاهليَّة يقولون إنَّما يُهلكنا الليل والنَّهار، هو الذي يميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه {وقالوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الجاثية 24] الآية قال فيسبُّون الدَّهر قال الله تبارك وتعالى يُؤذيني ابن آدم ) )فذكره.
قال القرطبيُّ معناه يخاطبني من القول بما يتأذَّى من يجوز في حقِّه التَّأذي، والله تعالى منزَّه عن أن يصلَ إليه الأذى، وإنَّما هذا من التَّوسع في الكلام، والمراد أنَّ من وقع ذلك منه تعرَّض لسخط الله تعالى. وقال الطِّيبي الإيذاء إيصال المكروه إلى الغير قولًا أو فعلًا أثَّر فيه أو لم يؤثِّر، وإيذاء الله عبارة عن فعل ما يكرهه ولا يرضى به، وكذا إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(يَسُبُّ الدَّهْرَ) يقول إذا أصابه مكروه بؤسًا للدَّهر، وتبًا للدهر، والدَّهر في الأصل اسم لمدَّة العالم، وعليه قوله تعالى {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} [الإنسان 1] ثمَّ يُعبر عن كلِّ مدَّةٍ كثيرة به، وهو خلافُ الزمان فإنَّه يقع على المدَّة القليلة والكثيرة، فإذًا المراد في الحديث بالدَّهر مقلِّب الليل والنَّهار، ومصرِّف الأمور فيهما، فينبغي أن يفسَّر الأول بذلك، كأنَّه قيل يسبُّ مدبِّر الأمر ومقلِّب الليل والنَّهار، وأنا المدبِّر والمقدِّر فجاء الاتحاد.
(وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ) الَّذي ينسبونه إلى الدهر (أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) قال الخطابي معناه أنا صاحب الدَّهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدَّهر، فمن سبَّ الدَّهر من أجل أنَّه فاعل هذه الأمور عاد
ج 21 ص 35
سبُّه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنَّما الدَّهر زمان جُعل ظرفًا لمواقع الأمور، وكانت عادتهم إذا أصابهم مكروهٌ أضافوه إلى الدَّهر فقالوا {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية 24] وسبوه فقالوا بؤسًا للدَّهر، وتبًّا للدَّهر إذ كانوا لا يعرفون أنَّ للدَّهر خالقًا، ويرونه أزليًا أبديًا فلذلك سمُّوا بالدَّهريَّة، فأعلم الله سبحانه وتعالى أنَّ الدَّهر محدث يقلبه بين ليلٍ ونهارٍ، لا فعل له في خيرٍ وشرٍّ، لكنَّه ظرفٌ للحوادث التي الله تعالى يحدثها وينشئها.
وقال النَّووي قوله (( أنا الدَّهر ) )بالرفع [1] في ضبط الأكثرين والمحققين، ويُقال بالنصب على الظرف؛ أي أنا باقٍ أبدًا، والموافق لقوله (( إنَّ الله هو الدهر ) )الرفع وهو مجاز، وذلك أنَّ العرب كانوا يسبُّون الدهر عند الحوادث فقال لا تسبُّوه فإنَّ فاعلها هو الله تعالى، فكأنَّه قال لا تسبُّوا الفاعل، فإنَّكم إن سببتموه سببتموني، أو الدهر هنا بمعنى الدَّاهر، فقد حكى الرَّاغب أنَّ الدَّهر في قوله «إنَّ الله هو الدَّهر» غير الدهر في قوله «يسبُّ الدَّهر» ، قال والدَّهر الأوَّل الزمان، والثاني المدبِّر المصرف لما يحدثُ، ثمَّ استُضعف هذا القول لعدم الدَّليل عليه، ثمَّ قال لو كان كذلك لعُدَّ الدَّهر من أسماء الله تعالى، انتهى.
وكذا قال أبو بكر محمد بن داود الأصفهاني فكان يقول هو بفتح الراء منصوب على الظرف؛ أي أنا طولَ الدهر بيدي الأمر، وكان يقول لو كان مضموم الراء لصار من أسماء الله تعالى. وتُعقِّب بأنَّ ذلك ليس بلازم ولا سيَّما مع رواية (( إنَّ الله هو الدهر ) ). وقال القاضي نصبه بعضهم على التَّخصيص قال والظرف أصحُّ وأصوب. وقال أبو جعفر النَّحَّاس يجوز النصب؛ أي بأنَّ الله باقٍ مقيم أبدًا لا يزول. وقال ابن الجوزي الصَّواب ضم الراء من وجوه أحدها أنَّ المضبوط عند المحدِّثين المحققين الضم، ولم يكن ابن داود من الحفَّاظ ولا من علماء النَّقل.
ثانيها أنَّه ورد بألفاظ صحاح تُبطلُ تأويله وهي (( لا تقولوا يا خيبة الدَّهر، فإنَّ الله هو الدهر ) )أخرجاه. ولمسلم (( لا تسبُّوا الدَّهر فإنَّ الله هو الدَّهر ) ).
ثالثها أنَّه لو كان بالنَّصب يصير التَّقدير فأنا الدَّهر أقلِّبه، فلا تكون علَّة النَّهي عن سبِّه
ج 21 ص 36
مذكورة؛ لأنَّه تعالى يُقلِّب كلَّ شيءٍ من خيرٍ وشرٍّ، وتقليبه للأشياء لا يمنع الذَّم، وإنما يتوجَّه الأذى في قوله (( يؤذيني ابنُ آدم ) )على ما كانت عليه العرب إذا أصابتهم مصيبةٌ يسبُّون الدَّهر، ويقولون عند ذكر موتاهُم أبادهم الدَّهر، ينسبون ذلك إليه، ويرونه الفاعل لهذه الأشياء، ولا يرونها من قضاءِ الله وقدره، انتهى.
ولا يذهبُ علمك أنَّ الوجه الثَّاني لا يعين الرفع؛ لأنَّ للمخالف أن يقولَ التَّقدير فإنَّ الله هو الدَّهر يُقلِّب، وكذا الوجه الثالث لا يعين الرفع؛ لأنَّ علَّة النَّهي تُعْرف من السِّياق؛ أي لا ذنب له فلا تسبُّوه. وقال الطِّيبي في «شرح المشكاة» لا طائلَ على تقدير النَّصب؛ لأنَّ تقديم الظرف إمَّا للاهتمام أو للاختصاص، ولا يقتضي المقام ذلك؛ لأنَّ الكلام في شأن المتكلِّم لا في الظَّرف، ولهذا عرف الخبر بالألف واللام لإفادة الحصر، فكأنَّه قيل أنا أقلِّب اللَّيل والنَّهار لا ما ينسبونه إليه.
هذا، والحاصل أنَّه لا يجوز نسبة الأفعال الممدوحة والمذمومة إلى الدَّهر حقيقةً، فمن اعتقدَ ذلك فلا شك في كفره، وأمَّا من يجري على لسانه من غير اعتقاد صحَّته فليس بكافرٍ، ولكنَّه تشبَّه بأهل الكفر، وارتكب ما نهاهُ عنه الشَّارع فليتبْ وليستغفر، فالواجب الالتجاءُ إلى الله تعالى عند اختلاف الأحوال، وتفويضِ الأمور كلها إليه تعالى، ثمَّ إنَّ ذلك مذهب الدَّهرية من الكفَّار ومن وافقهم من مشركي العرب المنكرين للمعادِ والفلاسفة الدَّهرية الدَّورية المنكرين للصانع المعتقدين أنَّ في كلِّ ستةٍ وثلاثين ألف سنة يعودُ كلُّ شيءٍ إلى ما كان عليه، فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول.
تنبيه قال ابن كثير وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهريَّة في عدهم الدَّهر من أسماء الله الحسنى أخذًا من هذا الحديث.
ومطابقته للترجمة ظاهرة. وقد أخرجه المؤلف في «التوحيد» أيضًا [خ¦7491] ، وأخرجه مسلم وأبو داود في الأدب، والنسائي في التَّفسير.
[1] في هامش الأصل وكان أبو بكر محمد بن داود الأصفهاني يرويه بفتح الراء. منه.