فهرس الكتاب

الصفحة 7089 من 11127

4830 - (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة، الكوفي، قال (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) أي ابنُ بلال، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء المشددة وبالدال المهملة، والذي في اليونينية بفتح الراء، واسمه عبد الرَّحمن بن يسار _ بالتحتية والمهملة المخففة _ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) هو عمُّ معاوية الراوي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أي قضاه وأتمَّه أو نحو ذلك مما يشهدُ

ج 21 ص 50

بأنَّه مجازٌ من القول، فإنَّه سبحانه وتعالى لن يشغله شأنٌ عن شأنٍ (قَامَتِ الرَّحِمُ) حقيقة بأن تجسَّمت، فإنَّ الرحم القرابة مشتقَّةٌ من الرَّحمة، وهي عرض جعلت في جسم فلذلك قامت وتكلَّمت. وقال القاضي يجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة، وتعلَّق بالعرش، وتكلَّم على لسانها بهذا بأمر الله تعالى.

وقال الطِّيبي الرَّحم التي توصل وتُقطع إنما هي معنى من المعاني، والمعاني لا يتأتَّى منها القيام ولا الكلام، فيكون المرادُ تعظيم شأنها، وفضيلة واصليها، وعظم إثم قاطعيها.

(فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ) بفتح الحاء المهملة وسكون القاف وبالواو، وفي اليونينية بكسر الحاء، وكذا في الفرع مصلحة وكشط فوقها، وهي رواية ابن السَّكن وفي رواية الطَّبري (( بحقوي الرَّحمن ) )بالتَّثنية. وقال الطِّيبي التثنيه فيه للتَّأكيد؛ لأنَّ الأخذَ باليدين آكد في الاستجارةِ من الأخذ بيدٍ واحدة، وفي رواية الأكثرين بحذف مفعول «أخذت» ، ومشى بعض الشُّراح على الحذف، فقال أخذت بقائمة من قوائم العرش.

وقال القابسي أبى أبو زيد المروزي أن يقرأ لنا هذا الحرف لإشكاله، وقال وهو ثابتٌ لكن مع تنزيهِ الله تعالى، والحقو الإزار ومشدُّ الإزار. وقال القاضي عياض الحقو معقدُ الإزار، وهو الموضعُ الذي يُستجار به ويتحرَّم [1] به على عادة العرب؛ لأنَّه من أحقِّ ما يحامَى عنه، ويُدفع كما قالوا نمنعه ممَّا نمنعُ منه أُزرنا، فاستعيرَ له ذلك مجازًا للرَّحم في استعاذتها بالله تعالى من القطيعة، انتهى. وقد يُطلقُ الحقو على الإزار نفسه كما في حديث أمِّ عطيَّة فأعطانا حقوه، فقال أشعرنها إيَّاه؛ يعني إزاره، وهو المراد هنا، وهو الذي جرت العادة بالتمسُّك به عند الإلحاحِ في الاستجارة والطَّلب. والمعنى على هذا صحيحٌ مع اعتقاد تنزيهِ الله تعالى من الجارحة، كما قال القابسي.

قال البيضاويُّ لما كان من عادة المستجير أن يأخذَ بذيل المستجار به، أو بطرف ردائهِ وإزاره، وربما أخذَ بحقو إزارهِ مبالغة في الاستجارة، فكأنَّه يشيرُ به إلى أنَّ المطلوب أن يحرسَه ويذبَّ عنه ما يؤذيه كما يحرسُ ما تحت إزاره ويذبُّ عنه، فإنَّه لاصقٌ به ولا ينفكّ عنه، استعير ذلك للرَّحم. وقال الطِّيبي وهذا مبنيٌّ على الاستعارة التَّمثيلية التي الوجه فيها منتزعٌ من أمور متوهمة للمشبه المعقول، وذلك أنَّه شبه

ج 21 ص 51

حالة الرَّحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصِّلة والذَّب عنها من القطيعةِ بحال مستجيرٍ يأخذُ بذيل المستجار به، وحقو إزاره، ثمَّ أدخل صورة حال المشبه في جنسِ المشبه به، واستعمل في حال المشبه ما كان مستعملًا في المشبَّه به من الألفاظ بدَلائل قرائن الأحوال.

ويجوز أن تكون مكنيَّة بأن يشبِّه الرَّحم بإنسانٍ مستجيرٍ بمن يحميهِ ويحرسه ويذبَّ عنه ما يُؤذيه، ثمَّ أسند على سبيل الاستعارة التَّخييلية ما هو لازم المشبَّه به من القيام ليكون قرينةً مانعةً عن إرادة الحقيقة، ثمَّ رشحت الاستعارة بأخذِ الحقو والقول، وقوله «بحقو الرَّحمن» استعارة أخرى مثلها، والله تعالى أعلم.

(فَقَالَ لَهُ مَهْ) أي فقال الرَّحمن للرَّحم مَهْ _ بفتح الميم وسكون الهاء _ هو اسمُ فعل معناه الزَّجر؛ أي اكففْ وانزجر. وقال ابنُ مالك هي هنا ما الاستفهامية حذفت ألفها، ووقف عليها بهاء الوقف، والشَّائع أن لا يفعلَ بها ذلك إلَّا وهي مجرورة، ولكن قد سمع مثل ذلك فجاء عن أبي ذؤيب الهذلي، قال قدمتُ المدينة ولأهلها ضجيجٌ كضجيج الحجيجِ فقلت مه، قالوا قُبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، انتهى. فإن كان المراد الزَّجر فواضحٌ، وإن كان الاستفهام فالمرادُ منه الأمر بإظهار الحاجة دون الاستعلام، فإنَّه تعالى يعلمُ السرَّ وأخفى.

(قَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ) بالذال المعجمة؛ أي المعتصم المستجير بك، والمعنى قيام هذا قيام العائذِ بك. وفي رواية الطَّبري (( هذا مقامٌ عائذ ) ) (مِنَ الْقَطِيعَةِ) وفي حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما عند أحمد أنَّها تكلَّم بلسانٍ طلق ذَلْقٍ، وهذا أيضًا مجاز تمثيلٍ للمعنى المعقول بالمثال المحسوس المعتاد؛ ليكون أقربَ إلى فهمهم وأمكنَ في نفوسهم (قَالَ) تعالى، ويُروى (أَلاَ) بالتخفيف (تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) بأن أتعطَّف عليه بالرَّحمة لطفًا وفضلًا، وحقيقة الصِّلة العطف والرحمة، وهي فضلُ الله على عباده لطفًا بهم ورحمة عليهم (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ) فلا أرحمه

ج 21 ص 52

(قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ) أي رضيت.

(قَالَ فَذَاكِ) بكسر الكاف إشارةً إلى قوله (( ألا ترضين ... إلى آخره ) )وزاد الإسماعيليُّ (( لك ) )؛ أي قال فذاك لك (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} ) أي فهل يتوقع منكم ( {إِنْ تَوَلَّيْتُمْ} ) أي الحكم وأمر النَّاس وهو الأشهرُ، ويشهدُ له ما أخرج الطبري في تهذيبه من حديث عبد الله بن مغفل قال أخذَ الله عليهم إن وُلُّوا الناسَ أن لا يُفسدوا في الأرض، ولا يقطِّعوا أرحامهم، أو المعنى أعرضتُم عن القرآن وفارقتُم أحكامه.

( {أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} ) بالمعصية والبغي وسفك الدِّماء ( {وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد 22] ) ظاهره أنَّ الاستشهادَ موقوفٌ، وسيأتي بيان من رفعهى [خ¦4831] . وكذا في رواية الطَّبري من طريق سعيد بن أبي مريم عن سليمان بن بلال ومحمد بن جعفر بن أبي كثير.

قال الإمام النَّووي لا خلاف أنَّ صلة الرَّحم واجبةٌ في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرةٌ، وأحاديث الباب تشهدُ بذلك، والصِّلة درجات بعضُها أرفعُ من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسَّلام، ويختلف ذلك باختلافِ القدرة والحاجة، منها واجبٌ، ومنها مستحبٌّ، ولو قصر عمَّا قدر عليه فينبغي أن لا يُسمَّى واصلًا، وفي حديث أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعًا (( ما من ذنبٍ أحرى أن يعجِّل الله عقوبته في الدُّنيا مع ما يدَّخر لصاحبهِ في الآخرة من البغي وقطيعةِ الرَّحم ) )رواه أحمد. وعنده من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا (( من سرَّه النَّساء في الأجلِ، والزِّيادة في الرِّزق فليصلْ رحمه ) ).

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. وقد أخرجهُ البخاري في «التوحيد» [خ¦7502] و «الأدب» أيضًا [خ¦5987] ، وأخرجه مسلم في الأدب، والنَّسائي في التَّفسير.

4831 - (حَدَّثَنَا) ويُروى بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) أي ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزُّبير بن العوام أبو إسحاق الأسدي الزُّبيري المدني، قال (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هو ابنُ إسماعيل الكوفي نزيل المدينة، ويُروى (عَنْ مُعَاوِيَةَ) أي ابن أبي مُزَرِّد السابق [خ¦4830] ، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ) بضم الحاء المهملة وبالموحدتين بينهما ألف (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) المذكور سابقًا [خ¦4830] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (بِهَذَا) أي بالحديث المذكور قبله(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

ج 21 ص 53

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)أي قال أبو هريرة ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} ) هذا طريقٌ آخر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومراد البخاري رحمه الله تعالى بإيراد هذا الطَّريق، والطَّريق الآتي الإيذان بأنَّ الذي وقفه سليمان بن بلال على أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} رفعه حاتم بن إسماعيل وابن المبارك.

وكذا وقع في رواية الإسماعيلي حيث أخرجه من طريق حاتم بن إسماعيل بلفظ فلمَّا فرغ منه قامت الرحم فقالت هذا مقامُ العائذ. ولم يذكر الزيادة، وزاد بعد قوله قالت بلى يا رب قال فذلك لك، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اقرؤوا إن شئتُم فهل عسيتُم ) ).

4832 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ويُروى (بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) السَّجستاني المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية غير أبي ذرٍّ (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي الْمُزَرِّدِ) باللام وكسر الراء، وفي اليونينية بفتحها (بِهَذَا) أي بهذا الحديث إسنادًا ومتنًا (قَالَ) ويُروى (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} [محمد 22] ) وهذا طريقٌ آخر من الحديث المذكور أيضًا.

وقد وقع في رواية أبي ذرٍّ هنا وصله ابنُ أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وقال أبو عبيدة مثله. وقال عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قتادة غير منتن.

وأخرج ابنُ أبي حاتم من طريق مرسل من رواية أبي معاذ البصري أنَّ عليًا رضي الله عنه كان عند النَّبي فذكر حديثًا مرفوعًا طويلًا فيه ذكر الجنَّة قال (( {أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ} قال صاف لا كدرَ فيه ) )والله تعالى أعلم.

[1] كذا في العمدة، وفي الفتح (يتحزم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت