4844 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) أي ابن الحصين بن جابر بن جندل، أبو إسحاق (السُّلَمِيُّ) بضم السين وفتح اللام، السَّرْماري نسبة إلى سَرمارة _ بفتح السين _، قريةٌ من قرى بخارى، قال (حَدَّثَنَا يَعْلَى) بفتح التحتية وسكون المهملة وفتح اللام وبالقصر، هو ابنُ عبيد الطَّنافسي، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ) بكسر المهملة وبعد التحتية المخففة ألف فهاء منونة، وهو لفظ معرب معناه بالعربية الأسود، وهو منصرفٌ، وقد تقدَّم في أواخر «الجزية» [خ¦3182] .
(عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) واسمه قيس بن دينار الكوفي، أنَّه (قَالَ أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ) بالهمز بعد الألف، هو شقيقُ بن سلمة (أَسْأَلُهُ) لم يذكر المسؤول عنه، وبيَّنه أحمد في روايته عن يعلى بن عبيد، ولفظه أتيتُ أبا وائل في مسجدِ أهله أسأله عن هؤلاء القوم الَّذين قتلهم عليٌّ رضي الله عنه؛ يعني الخوارج (فَقَالَ) وفي نسخة بدون الفاء (كُنَّا بِصِفِّينَ) بكسر الصاد المهملة والفاء المشددة، موضعٌ بقرب الفرات، وقيل هي مدينةٌ قديمةٌ على شاطئ الفرات بين الرَّقة ومنبج كانت بها الواقعة المشهورة بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما.
(فَقَالَ رَجُلٌ) هو عبدُ الله بن الكواء، ذكره الطَّبري ( {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ} ) بضم الياء وفتح العين، وفي اليونينية بفتح الياء وضم العين، وذكر في «التلويح» الرواية هنا بفتح الياء من يدعون، وضم العين
ج 21 ص 72
وكأن هذا الرَّجل الَّذي هو من أصحاب عليٍّ رضي الله عنه لم يرد التِّلاوة، وساق الكرماني الآية {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ} [1] إلى قوله {مُعْرِضُونَ} [آل عمران 23] ثمَّ قال فقال الرجل مقتبسًا منه ذلك، وغرضه أنَّ الله تعالى قال في كتابه {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [الحجرات 9] فهم يدعون إلى القتال وهم لا يقاتلون.
(فَقَالَ عَلِيٌّ) رضي الله عنه (نَعَمْ) زاد أحمدُ والنسائي أنا أولى بذلك؛ أي بالإجابة إذا دعيت إلى العمل بكتاب الله؛ لأنَّني واثقٌ بأنَّ الحقَّ بيدي وكان سبب ذلك أنَّ الشَّام لما كان أهل العراق يغلبونهم أشار عليهم عَمرو بن العاص رضي الله عنه برفع المصاحف، والدُّعاء إلى العمل بكتاب الله تعالى وما فيه، وأراد بذلك أن يقعَ المطاولة فيستريحوا من الشِّدَّة التي وقعوا فيها، فكان كما ظنَّ فلما رفعوها، وقالوا بيننا وبينكم كتاب الله، وسمع من بعسكر علي رضي الله عنه، وغالبهم ممن يتدين، قال قائلهم ما ذكر فأذعن عليٌّ إلى التَّحكيم موافقة لهم واثقًا بأن الحقَّ بيده.
وقد أخرج النسائيُّ هذا الحديث عن أحمد بن سليمان عن يعلى بن عبيد بالإسناد الَّذي أخرجه به البخاري، وذكر الزيادة نحو ما أخرجها أحمد، وزاد بعد قوله بصفين قال فلمَّا استحرَّ القتلُ بأهل الشَّام قال عَمرو بن العاص لمعاوية رضي الله عنهما أرسل المصحف إلى عليٍّ رضي الله عنه فادعه إلى كتاب الله، فإنَّه لن يأبى عليك، فأتى به رجلٌ فقال بيننا وبينكم كتاب الله. فقال عليٌّ رضي الله عنه أنا أولى بذلك، بيننا كتاب الله، فجاءته الخوارج ونحن نُسمِّيهم يومئذٍ القرَّاء، وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا يا أمير المؤمنين ما ننتظر بهؤلاء القوم ألا نمشي إليهم بسيوفنا.
(فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) بضم الحاء المهملة وفتح النون (اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ) أي في هذا الرأي، ويُروى يريد أنَّ الإنسان قد يرى رأيًا والصَّواب غيره، والمعنى لا تعملوا بآرائكم، وإنما قال ذلك لأنَّه ظهر له من أصحاب علي رضي الله عنه كراهة التَّحكيم، فإنَّ كثيرًا منهم أنكروا التَّحكيم. وقالوا لا حكم إلَّا لله. فقال علي رضي الله عنه كلمة حقٍّ أُريد بها باطل،
ج 21 ص 73
وأشار عليهم كبار الصَّحابة بمطاوعته، وأن لا يُخالفوا ما يشير به؛ لكونه أعلم بالمصلحة، وذكر لهم سهل بن حُنَيف ما وقع لهم بالحديبية، وأنَّهم رأوا أن يستمروا على القتال ويخالفوا ما دُعوا إليه من الصُّلح، ثمَّ ظهر أنَّ الأصلحَ هو الَّذي كان شرع النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه. وقال الكرماني وسهل بن حنيف كان يتَّهم بالتَّقصير في القتال. فقال اتهموا رأيكم، فإنِّي لا أقصر، وما كنت مقصرًا وقت الحاجة، كما في يوم الحديبية، فإنِّي رأيت نفسي يومئذٍ بحيث لو قدرت على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُ قتالًا عظيمًا؛ لكن اليوم لا نرى مصلحة في القتال بل التوقُّف أولى لمصلحة المسلمين، وأمَّا إنكار المنكرين على التَّحكيم إذ ليس ذلك في كتاب الله تعالى، فقال علي رضي الله عنه نعم لكنَّ المنكرين هم الَّذين عدلوا عن كتاب الله؛ لأنَّ المجتهد لما أدَّى ظنُّه إلى جواز التَّحكيم فهو حكم الله تعالى. وقال سهل اتَّهموا أنفسكم في الإنكار؛ لأنَّا أيضًا كنَّا كارهين لترك القتال يوم الحديبية، وقهرنا النَّبي صلى الله عليه وسلم على الصُّلح وقد اعتقب خيرًا عظيمًا، انتهى.
والحاصل أنَّ مراد سهل بما ذكره أن يقتدوا بذلك، ويطيعوا عليًا رضي الله عنه في ما أجاب إليه من التحكيم.
(فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) يريد رأيت أنفسنا (يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُشْرِكِينَ) ويُروى (وَلَوْ نَرَى) بنون المتكلم مع غيره (قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ) رضي الله عنه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ) أي المشركون (عَلَى الْبَاطِلِ، أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (بَلَى. قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (فَفِيمَ أُعْطِي) بضم الهمزة وكسر الطاء، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنون بدل الهمزة (الدَّنِيَّةَ) بكسر النون وتشديد التحتية؛ أي الخصلة الرَّذيلة، وهي المصالحة بهذه الشُّروط التي تدلُّ على العجز والضَّعف (فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا؟ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا، فَرَجَعَ) عمر رضي الله عنه
ج 21 ص 74
(مُتَغَيِّظًا) لأجل إذلال المشركين، كما عُرِف من قوَّته في نصرة الدِّين (فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، قَالَ) أي أبو بكر رضي الله عنه (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وسقطت التَّصلية في رواية أبي ذرٍّ (وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ) قال الداوديُّ هذا ليس بمحفوظٍ إنَّما كلَّم أبا بكر رضي الله عنه أولًا، ثمَّ كلَّم النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول عجيبٌ.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّه في قصَّة الحديبية. وقد مرَّ الحديث في «الجهاد» في باب «الشروط» مطولًا جدًا [خ¦2731] ومختصرًا في «غزوة الحديبية» [خ¦4189] . وذكره المؤلف في «الجزية» [خ¦3181] و «الاعتصام» أيضًا [خ¦7308] وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا.
[1] كذا في العمدة، وفي الكرماني (أوتوا نصيبًا من الكتاب يدعون) وهو الصواب