4854 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (قَالَ حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ) اعترض الإسماعيليُّ بما أخرجه من طريق عبد الجبَّار بن العلاء، وابن أبي عمر كلاهما عن ابن عُيينة سمعت الزُّهري قال، فصرحا عنه بالسَّماع، وهما ثقتان. قال الحافظ العسقلانيُّ وهو اعتراضٌ ساقطٌ فإنَّهما ما أوردا من الحديث إلَّا القدر الذي ذكر الحميديُّ عن سفيان أنَّه سمعه من الزهريِّ بخلاف الزيادة التي صرَّح الحميديُّ عنه بأنَّه لم يسمعها من الزهريِّ، وإنَّما بلغته عنه بواسطة.
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ) بصيغة التَّصغير (ابْنِ مُطْعِمٍ) بلفظ اسم الفاعل أبو سعيد القرشي النَّوفلي (عَنْ أَبِيهِ) جبير رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ*أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ*أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} [الطور 35 - 37] . كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ) قال الخطابيُّ كأنَّه انزعجَ عند سماع هذه الآية لفهمهِ معناها، ومعرفته بما تضمَّنته، ففهم الحجة واستدركها بلطيف طبعهِ، وذلك في قوله تعالى {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} [الطور 35] أنَّه قيل معناه ليسوا أشدَّ خلقًا من خلق السَّموات والأرض لأنَّهما خلقتا من غير شيءٍ، وهم خلقوا من آدم، وآدم خُلق من تراب، وقيل المعنى أخلقوا لغير شيءٍ؛ أي هل خلقوا باطلًا لا يؤمرون ولا ينهون، وقيل المعنى أخلقوا من غير خالقٍ،
ج 21 ص 113
وذلك لا يجوز فلا بدَّ لهم من خالقٍ، وإذا أنكروا الخالق أفهم الخالقون لأنفسهم [1] ، وذلك في الفساد والبطلان أشد؛ لأنَّ ما لا وجودَ له كيف يخلق، وإذا بطل الوجهان قامتِ الحجَّة عليهم بأن لهم خالقًا، ثمَّ قال (( أم خلقوا السموات والأرض ) )؛ أي إن جاز لهم أن يدَّعوا خلق أنفسهم فليدَّعوا خلقَ السَّموات والأرض، وذلك لا يمكنهم فقامتِ الحجَّة عليهم، ثمَّ أضرب عن ذلك، بقوله (( بل لا يوقنون ) )إشارة إلى أنَّ العلَّة التي عاقتهم عن الإيمان هي عدمُ اليقين الذي هو موهبة من الله تعالى وفضل، ولا يحصل إلَّا بتوفيقه فلهذا انزعجَ جبير حتَّى كادَ قلبه يطيرُ، ومال إلى الإسلام.
وقوله تعالى {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ} [الطور 37] . قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما المطر والرِّزق. وعن عكرمة النُّبوة، وقيل علم ما يكون، وقوله تعالى {أَمْ هُمْ المُسَيْطِرُونَ} [الطور 37] أي أم هم المتسلِّطون على الأشياء الجبَّارون يديرونها كيف شاؤوا، قاله أكثر المفسرين. وعن عطاء أم هم أرباب قاهرون. وعن أبي عبيدة تسيطرت علي؛ أي اتَّخذتني خولًا لك.
هذا، وقد ذكرت كلمة (( أم ) )في هذه السورة في خمسة عشر موضعًا متواليةً متتابعة، وفي قوله «كاد قلبي أن يطيرَ» وقوع خبر «كاد» مقرونًا بأن في غير الضَّرورة، وقال ابن مالك وقد خفي ذلك على بعض النَّحويين، والصَّحيح جوازه إلَّا أن وقوعه غير مقرونٍ بأن أكثر وأشهر من وقوعه بها، وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاط كلمة أن وزيادة .
(قَالَ سُفْيَانُ) أي ابن عيينة (فَأَمَّا أَنَا، فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أنَّه قال (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. وَلَمْ أَسْمَعْهُ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره بدون الواو؛ أي لم أسمع الزُّهري (زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي) يعني قوله فلمَّا بلغَ ... إلى آخره، وقد كان جُبير بن مطعم قدم
ج 21 ص 114
على النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدرٍ في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركًا، وكان سماعه هذه الآية من هذه السُّورة من جملة ما حملَه على الدُّخول في الإسلام، ثمَّ إنَّه يستفادُ من قوله «فلمَّا بلغ هذه الآية» أنَّه استفتحَ من أول السُّورة، وظاهر السِّياق أنَّه قرأ إلى آخرها، والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل قال ابن عباس رضي الله عنهما {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} [الطور 35] من غير تراب، وقيل من غير أب، وأم كالجماد لا يعقلون، ولا يقوم لله عليهم حجَّة أليسوا خلقوا من نطفةٍ، ثم علقةِ، ثم من مضغةٍ، قاله عطاء، وقال ابنُ كيسان معناه أم خلقوا عبثًا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون أم هم الخالقون لأنفسهم. منه.