فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 11127

431 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام، القَعْنبي (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) القاضي المدني الهلالي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما. ورجال هذا الإسناد كلُّهم مدنيون إلَّا عبد الله بن مَسْلمة، فإنَّه قد سكن البصرة. ثم هذا الإسناد بعينه قد مرَّ في باب كفران العشير [خ¦29] . وقد أخرج متنه المؤلِّف رحمه الله في «الخسوف» [خ¦1052] و «الإيمان» [خ¦29] و «النكاح» [خ¦5197] و «بدء الخلق» [خ¦3202] . وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في «الصلاة» .

(قَالَ) أي أنَّه قال (انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ) أي انكسفت؛ أي تغير لونها، أو ذهب ضوؤها. روى جماعة أنَّ الكسوف يكون في الشمس والقمر، وروى جماعة فيهما بالخاء. وروى جماعة في الشمس بالكاف وفي القمر بالخاء.

والكثير في اللغة وهو اختيار الفَرَّاء أن يكون الكسوف للشَّمس، والخسوف للقمر، يقال كَسَفَت الشمس، وكَسَفها الله فانكَسفت، وخَسَفَ القمر، وخسفه الله فانخسف، لازم ومتعد. وذكر ثعلب في (( الفصيح ) )أنَّ كَسَفَت الشمس وخَسَفَ القمر أجود الكلام. وفي (( التهذيب ) )للأزهري خسف القمر، وخسفت الشمس، إذا ذهب ضوءهما. وقال أبو عُبيدة مَعْمَر بن المثنى خسف القمر وكسف واحد، ذهب ضوءه. وقيل الكسوف أن يُكسف ببعضها، والخسوف أن يخسف بكلِّها، قال الله تعالى {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص 18] . وقال شمر الكسوف في الوجه الصُّفرة والتَّغير، وقال ابن حبيب في (( شرح الموطأ ) )الكسوف تغير اللون، والخسوف انخساف اللون والجرم.

وزعم ابن التين وغيره أن بعض اللُّغويين قال لا يقال في الشمس إلا كسفت، وفي القمر إلا خسف، وذكر هذا عن عروة بن الزبير أيضًا. وحكى عياض عن بعض أهل اللغة عكسه، وهو غير جيد؛ لقوله تعالى {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة 8] .

وعند ابن طريف كسفت الشمس والقمر والنجوم والوجوه كسوفًا.

(فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) صلاة الكسوف (ثُمَّ قَالَ أُرِيتُ) بضم الهمزة،

ج 3 ص 244

وكسر الراء على البناء للمفعول؛ أي أُبْصِرت (النَّارَ فِي الصَّلَاةِ) رؤية عين (فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا) بفتح الظاء المعجمة؛ أي موضع النظر (كَالْيَوْمِ) أي مثل منظر اليوم، فهو صفة «منظرًا» ، أو رؤيةً مثل رؤية اليوم، فيكون صفة لمصدر محذوف، منصوب على المصدريَّة (قَطُّ) بضم المهملة (أَفْظَعَ) بالفاء والظاء المعجمة، من الفظيع، وهو الشنيع الشَّديد، المجاوز المقدار، يقال فظع الأمر فظاعة، فهو فظيع؛ أي شديد شنيع، جاوز المقدار، وكذلك أفظع الأمر، فهو مُفظِع، وأُفِظْعَ الرجل على ما لم يُسمَّ فاعله؛ أي نزل به أمرٌ عظيم، وهو منصوب على أنَّه صفة «منظرًا» أيضًا، وصلة أفعل التَّفضيل محذوفة؛ أي منه، كما في قولنا الله أكبر؛ أي من كلِّ شيءٍ، أو هو بمعنى فظيع.

ومن فوائد هذا الحديث استحباب صلاة الكسوف. ومنها أنَّ النار مخلوقة، وكذا الجنة، إذ لا قائل بالفرق، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة. ومنها من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رؤيته النار رأي عين، حيث كشف الله عنه الحُجُب، فرآها معاينة، كما كشف الله له عن المسجد الأقصى.

ومنها على ما بوَّب له البخاري عدم كراهة الصلاة إذا كان بين يدي المصلي نار، ولم يقصدْ إلَّا وجه الله تعالى، لكن لا يتم استدلاله عليه بهذا من وجوه

الأوَّل ما ذكره الإسماعيلي بقوله ليس ما أراه الله تعالى من النار حين أطلعه عليها بمنزلة نار يتوجَّه المرء إليها، وهي معبودة لقوم، ولا حكم ما أُري ليخبرهم، كحكم ما وضعه بين يديه، أو رآه قائمًا موضوعًا، فجعله أمام مصلَّاه وقبلته.

والثاني ما ذكره السفاقسي بقوله ليس فيه ما بوَّب عليه؛ لأنَّه لم يفعله مختارًا، وإنما عرض ذلك لمعنى أراده الله تعالى من تنبيه العباد، وهو قريبٌ من الأول.

وقال الحافظ العسقلاني وتعقِّب بأن الاختيار وعدمه في ذلك سواء منه؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُقَرِّ على باطل، فدل على أنَّ مثله جائر.

وقال محمود العيني لا نسلِّم التسوية، فإنَّ الكراهة تتأكَّد عند الاختيار، وأمَّا عند عدمه فلا كراهة، لعدم العلَّة الموجبة للكراهة، وهي التَّشبه بعبدةِ النار.

والثالث ما ذكره القاضي السروجي في (( شرح الهداية ) )، حيث قال لا دَلالة في هذا الحديث على عدم الكراهة؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( أُرِيت النار ) )، ولا يلزم أن تكون أمامه، متوجهًا إليها، بل يجوز أن تكون عن يمينه، أو عن يساره، أو غير ذلك.

والرابع ما ذكره هو أيضًا بقوله ويحتملُ أن يكون ذلك وقع له قبلَ شروعهِ في الصلاة.

وقال الحافظُ العسقلاني وكأنَّ البخاري رحمه الله كُوشِفَ بهذا الاعتراض، فعجَّل بالجواب عنه، حيث صدَّر الباب بالمعلق عن أنس رضي الله عنه، ففيه (( عُرِضَتْ عليَّ النار، وأنا أصلي ) ).

وأمَّا كونه رآها أمامه، فسياق حديث

ج 3 ص 245

ابن عباس رضي الله عنهما يقتضيه، ففيه أنَّهم قالوا له بعد أن انصرف يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثمَّ رأيناك تكعكعْتَ؛ أي تأخرت إلى خلف. وفي جوابه أنَّ ذلك كله بسبب كونه أُرِي النار. انتهى.

وتعقبه محمود العيني بقوله فانظر إلى هذا الأمر الغريب العجيب، شخص يكاشف اعتراض شخص آخر، يأتي من بعده بمدَّة مقدار خمسمائة سنة أو أكثر بقليل، ويجيب عنه بتصدير هذا الباب، الذي فيه حديث أنس معلقًا، وحديث ابن عباس موصولًا، ومع هذا لا يتم الجواب بما ذكره، ولا يتم الاستدلال به للبخاري.

وبيان ذلك أنَّ قوله (( وأنا أصلي ) )في حديث أنس، يحتمل أن يكون المعنى وأنا أريد الصَّلاة، ولا مانع من هذا التَّقدير، وأما تناوله الشيء، وتأخره إلى خلف في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا يستلزمُ أن يكون ذلك بسبب رؤيته النَّار أمامه، هذا؛ وفيه تأمل.

وقد أُجيب عنه بجواب آخر، وهو أن يقال أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيها في جهنم، وبينه وبينها ما لا يحصى من بُعْد المسافة، فعدم كراهة صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لذلك.

وبجواب آخر، وهو أن يقال إن ذلك كان منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رؤية علم ووحي بإطلاعه وتعريفه في أمورها تفصيلًا، ما لم يعرفه قبل ذلك.

هذا؛ وقال الحافظ العسقلاني وأحسن من هذا كله أن يقال لم يفصح المؤلف في الترجمة بكراهة ولا بغيرها، فيحتمل أن يكون مراده التفرقة بين من بقي ذلك بينه وبين قبلته، وهو قادر على إزالته أو انحرافه عنه، وبين من لا يقدر على ذلك فلا يكره في حق الثاني، وهو المطابق لحديثي الباب، ويكره في حقِّ الأول، كما سيأتي التَّصريح بذلك عن ابن عبَّاس في التماثيل [خ¦434] . انتهى.

نعم، ولكن مسلك البخاري في هذا الكتاب يأبى ذلك. والله أعلم.

وقال ابن بطال الصلاة جائزة إلى كلِّ شيءٍ، إذا لم يقصد الصلاة إليه، وقصد بها الله تعالى، والسجود لوجهه خالصًا، ولا يضرُّه استقبال شيء من المعبودات وغيرها، كما لم يضر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما رآه في قبلته من النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت