فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 11127

432 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيد القطان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي ابن عمر العدوي المذكور آنفًا [خ¦430] .

ج 3 ص 246

(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر رضي الله عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه (قَالَ اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ) قال القاضي عياض قيل هذا في الفريضة، ومعناه اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم؛ ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وعبيد ومريض ونحوهم، قال وقال الجمهور بل هو في النافلة لإخفائها، ولما في (( الصحيحين ) ) [خ¦731] (( صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) ). انتهى.

فعلى التقدير الأول تكون (( من ) )للتبعيض، وعلى الثاني تكون زائدة، وقال القرطبي (( من ) )للتبعيض، والمراد النوافل، بدليل ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعًا (( إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته ) ).

وقال محمود العيني والأحسن عندي أن تكون للتَّبعيض، ويكون المراد من الصلاة مطلق الصَّلاة، ويكون المعنى اجعلوا بعض صلاتكم، وهو النفل من الصلاة المطلقة في بيوتكم، والصلاة المطلقة تشمل النَّفل والفرض، على أنَّ الأصحَّ منع مجيء «مِنْ» زائدةً في الكلام المُثبت.

ولا يجوز حمل الكلام على الفريضة لا كلها ولا بعضها؛ لأنَّ الغرض من الحديث هو الحث على الفعل في البيت، وذلك لكونه أبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليحصل به البركة في البيت، وينزل فيه الرَّحمة والملائكة، وينفر الشَّيطان منه، على ما دلَّ عليه الحديث الذي أخرجه الطبراني من حديث عبد الرَّحمن بن سابط، عن أبيه يرفعه (( نوروا بيوتكم بذكر الله تعالى، وأكثروا فيها تلاوة القرآن، ولا تتخذوها قبورًا، كما اتخذها اليهود والنَّصارى، فإنَّ البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتَّسع على أهله، ويَكْثُر خيره، وتحضره الملائكة، وتُدْحض عنه الشَّياطين، وإنَّ البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يضيقُ على أهله، ويقلُّ خيره، وتنفر منه الملائكة، وتحضرُ فيه الشياطين ) ).

(وَلاَ تَتَّخِذُوهَا) أي البيوت (قُبُورًا) أي خالية من الصَّلاة كالقبور، حيث لا يصلى فيها، فهو من التشبيه البليغ البديع بحذف حرف التشبيه، للمبالغة في تشبيه البيت الذي لا يصلى فيه بالقبر الذي لا يمكَّن الميت من العبادة فيه.

وقال الخطابي يحتمل أن يكون معناه لا تجعلوا بيوتكم أوطانًا للنوم، لا تصلون فيها، فإنَّ النوم أخو الموت.

وقال وأمَّا من أوَّله على النَّهي عن دفن الموتى في البيوت، فلم يُصِب، إذ قد دُفِنَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 3 ص 247

في بيته، الذي كان يسكن أيام حياته.

هذا؛ وقال الكرماني لعله من خصائصه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سيما وقد روي (( الأنبياء يدفنون حيث يموتون ) ). انتهى.

وقال محمود العيني هذه الرواية رواها ابن ماجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن أبي بكر رضي الله عنه مرفوعًا (( ما قُبِض نبيٌّ إلَّا دفن حيث يقبض ) )، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف.

نعم، روى الترمذي في (( الشمائل ) )، والنسائي في (( الكبرى ) )، من طريق سالم بن عبيد الأشجعي الصحابي، عن أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه، أنه قيل له وأين يدفن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال في المكان الذي قبض الله فيه روحه، فإنه لم يقبضْ روحه إلَّا في مكان طيِّب، وهذا الإسناد صحيحٌ، ولكنَّه موقوف، وحديث ابن ماجه أكثر تصريحًا في المقصود.

وقال الحافظ العسقلاني وإذا حُمِل دفنه في بيته على الاختصاص، لم يَبْعُدْ نهيُ غيرهِ عن ذلك، بل هو متَّجه، لأن استمرار الدَّفن في البيوت ربما يصيِّرها مقابر، فتصير الصَّلاة فيها مكروهة، ولفظ أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله (( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) )، فإنَّ ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقًا.

وتعقَّبه محمود العيني بأنَّا لا نسلم هذا الاقتضاء، بل المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ لا تجعلوا بيوتكم خالية عن الصلاة كالمقابر، ولهذا احتجَّت به طائفة على كراهة الصلاة في المقابر. هذا؛ وفيه تأمل.

وقال التُّوْرِبِشْتي ويحتمل أن يكون المراد أن من لم يُصلِّ في بيته، جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر.

قال الحافظ العسقلاني ويؤيده ما رواه مسلم (( مَثَلُ البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه، كمَثَلِ الحي والميت ) )أقول وهذا قريب من المعنى الأول جدًا، بل هو عينه مآلًا.

ثم إنَّ المؤلِّف رحمه الله قد حمل هذا الحديث على منع الصَّلاة في المقابر، ولهذا ترجم به.

وقال محمود العيني والمراد من الحديث أن لا تكونوا في بيوتكم كالأموات في قبورهم، حيث انقطعت عنهم الأعمال، وارتفعت التكاليف، وهو غير متعرض لصلاة الأحياء في ظواهر المقابر، ولهذا قال (( ولا تتخذوها قبورًا ) )، ولم يقل مقابر.

وقد قال الإسماعيلي هذا الحديث يدلُّ على النهي عن الصلاة في القبر لا في المقابر، وإن رده الحافظ العسقلاني بأنه قد ورد بلفظ المقابر، كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ (( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) )، فإنَّ ردَّه هذا عجيب، كيف يقال حديث يرويه

ج 3 ص 248

غيره أنه مطابق لما ترجم به. انتهى.

أقول يزيل هذا العجب ما اشتهر بين المحدِّثين، أنَّ بعض الأحاديث يفسِّر بعضًا.

وقال ابن التِّين تأوَّله البخاري على كراهة الصَّلاة في المقابر، وتأوَّله جماعة على أنَّه إنما فيه النَّدب إلى الصَّلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلُّون، كأنَّه قال لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلُّون في بيوتهم، وهي القبور، قال فأمَّا جواز الصَّلاة في المقابر، أو المنع منه، فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك.

وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّه إن أراد أنَّه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق فمسلَّم، وإن أراد نفي ذلك مطلقًا فلا، فإنه قد استنبط البخاري رحمه الله من قوله في الحديث (( ولا تتخذوها قبورًا ) )أنَّ القبور ليس بمحلٍّ للعبادة، فتكون الصَّلاة فيها مكروهة.

وكأنَّه أشار إلى ما رواه أبو داود والتِّرمذي في ذلك، وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (( الأرض كلها مسجد، إلَّا المقبرة والحمَّام ) )، ورجاله ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وحَكَم مع ذلك بصحَّته الحاكمُ وابنُ حبان، ولكن ليس على شرط البخاري رحمه الله. انتهى.

واعترض عليه محمود العيني بأنَّه أعجب وأغرب من ردِّه الأول، فإنَّ معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ولا تتخذوها قبورًا ) )على التَّشبيه البليغ كما عرفت، ولا دَلالة لهذا أصلًا على أنَّها _ أي ظواهرها _ ليس بمحل للعبادة، بنوع من أنواع الدَّلالات اللَّفظية.

نعم؛ قد وردت أحاديث عن جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم، تدل على كراهة الصَّلاة في المقبرة، بل استدلَّت بها جماعة على عدم الجواز.

وقد مرَّ أنَّ في معنى حديث الباب للعلماء قولان

أحدهما أنَّه ورد في النافلة؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد سنَّ الصَّلوات المفروضة في جماعة.

والثاني أنه ورد في الفريضة؛ ليقتدي به من لا يستطيع الخروج إلى المسجد، وقد ذُكر مفصلًا [خ¦432] .

ومن صلَّى في بيته جماعة فقد أصاب سنة الجماعة وفضلها، وقال إبراهيم إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة، ولهما التَّضعيف خمسًا وعشرين درجة.

وروي أنَّ أحمد وإسحاق وعلي بن المَدِيني اجتمعوا في دار أحمد، فسمعوا النِّداء، فقال أحدهم اخرج بنا إلى المسجد، فقال أحمد خروجنا إنما هو للجماعة، ونحن جماعة، فأقاموا الصَّلاة، وصلوا في البيت، وقد روي عن جماعة أنَّهم كانوا لا يتطوَّعون في المسجد،

ج 3 ص 249

منهم حذيفة والسَّائب بن يزيد والربيع بن خُثَيْم وسَوَيد بن غَفَلة، ومن هذا أخذ علماؤنا رحمهم الله أنَّ الأفضل في غير الفرائض المنزلُ.

وقد روى ابن أبي شيبة من حديث جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين [1] ، حدثني علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه يرفعه (( لا تتَّخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا ) ).

وقال الطَّحاوي حدَّثنا أبو بكرة، قال حدثنا أبو المطرِّف بن أبي الوزير، قال حدثنا محمد بن موسى، عن سعد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده (( أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلمَّا فرغ، رأى الناس يُسبِّحون، فقال يا أيُّها الناس، إنَّما هذه الصَّلاة في البيوت ) ).

وأخرجه أبو داود وابن ماجه أيضًا، وروى الطَّحاوي أيضًا عن بحر بن نصر، بإسناده عن عبد الله بن سعد، قال (( سألتُ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصَّلاة في بيتي، والصَّلاةِ في المسجد، فقال قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلِّي في بيتي، أحب إليَّ من أن أصلِّي في المسجد، إلَّا أن تكون صلاة مكتوبة ) )، وأخرجه الطبراني أيضًا، ثمَّ قال الطَّحاوي باب القيام في شهر رمضان، هل هو في المنازل أفضل، أم مع الإمام؟ ثمَّ روى حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال (( صمت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... ) )الحديثَ، وفيه (( إنَّ القومَ إذا صلُّوا مع الإمام حتى ينصرف، كتب لهم قيام تلك اللَّيلة ) ). ثمَّ قال فذهب قوم إلى أنَّ القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل، واحتجوا في ذلك بما ذكرنا.

وأراد بهؤلاء اللَّيث بن سعد وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق، فإنَّهم قالوا القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل، وقال أبو عمر قال أحمد بنُ حنبل القيام في المسجد مع الإمام أحب إليَّ، وأفضل من صلاة المرء في بيتهِ. وقال به قومٌ من المتأخِّرين من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشَّافعي، فمن أصحاب أبي حنيفة عيسى بن أبان وبكَّار بن قتيبة وأحمد بن أبي عمران، ومن أصحاب الشافعي إسماعيل بن يحيى المزني ومحمد بن عبد الله بن الحكم، وقال أحمد كان جابر وعلي وعبد الله يصلُّونها في جماعة.

هذا؛ ويحكى ذلك أيضًا عن عمر بن الخطَّاب ومحمد بن سيرين وطاوس، وهو مذهب أصحابنا الحنفيَّة، وقال صاحب (( الهداية ) )يستحبُّ أن يجتمعَ الناس في شهر رمضان بعد العشاء،

ج 3 ص 250

فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات، ثمَّ قال والسنَّة فيها الجماعة على وجه الكفاية، حتَّى لو امتنع أهل مسجد عن إقامتها كانوا مسيئين، ولو أقامها البعض، فالمتخلِّف عن الجماعة تارك للفضيلة؛ لأنَّ أفراد الصحابة يروى عنهم التخلف، ثمَّ قال الطَّحاوي وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا بل صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام، وأراد بهؤلاء مالكًا والشافعي وربيعة وإبراهيم والحسن البصري والأسود وعلقمة، فإنهم قالوا بل صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام.

وقال أبو عمر اختلفوا في الأفضل من القيام مع الناس، أو الانفراد في شهر رمضان، فقال مالك والشافعي صلاة المنفرد في بيته أفضل، فقال مالك وأنا أفعل ذلك، وما أقامه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا في بيته، وروي ذلك عن ابن عمر وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع، وقال الترمذي واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده، إذا كان قارئًا.

ثمَّ احتج الطَّحاوي لهؤلاء بما رواه زيد بن ثابت، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( خيرُ صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة ) )، ثمَّ روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان لا يصلي خلف الإمام في شهر رمضان، ورُوي أيضًا عن إبراهيم النَّخعي، وذهب إليه الطحاوي أيضًا، حتى قال في آخر الباب وذلك هو الصَّواب، لكن المقرَّر عند علمائنا الحنفيَّة هو أنَّ الأفضل القيام مع الإمام لوجوه قويَّة ذكرت في موضعه. والله أعلم.

[1] في هامش الأصل جعفر الطيار. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت