433 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن أبي أويس، ابن أخت مالك الإمام، وقد مر في باب تفاضل أهل الإيمان [خ¦22] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) ابن أنس الإمام الأصبحي المدني.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) القرشي مولى عبد الله بن عَمرو، وقد مرَّ في باب «أمور الإيمان» [خ¦9] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وقد أخرج متنه المؤلِّف في المغازي [خ¦4419] والتفسير أيضًا [خ¦4702] .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) لأصحابه حين مَرُّوا بالحِجْرِ معه، في حال توجههم إلى تبوك، والحِجْر بكسر الحاء وسكون الجيم، بلد بين الشام والحجاز، وعن قتادة فيما ذكره الطَّبري الحِجْر اسم الوادي الذي كان ثمود به، وقال الزهري هو اسم مدينتهم.
(لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُعَذَّبِينَ) بفتح الذال المعجمة، وهم ثمود قوم صالح؛ أي لا تدخلوا ديارهم، وللبخاري
ج 3 ص 254
في أحاديث الأنبياء عليهم السلام (( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) ) [خ¦3380] .
وقال المهلب إنما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا تدخلوا من جهة الشأم ) )بتلك البقعة التي نزل بها السخط، كما يدلُّ عليه قوله تعالى {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [إبراهيم 45] في مقام التوبيخ على السكون فيها.
وقد تشاءم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة، فرحل عنها، ثم صلى، فكراهية الصَّلاة في موضع الخسف أولى، ثمَّ استثنى من ذلك قوله
(إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) شفقةً عليهم، وخوفًا من حلول ذلك بهم، فأباح الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار، وهذا يدلُّ على أنَّ من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأنَّ الصلاة موضع بكاء واعتبار، قاله ابن بطال، وكأنه يشير إلى عدم مطابقة الحديث للترجمة، لكنه ليس بذلك على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.
وزعمت الظاهرية أن من صلى في ديار ثمود، وهو غير باكٍ، فعليه سجود السهو، إن كان ساهيًا، وإن تعمَّد بطلت صلاته، وهذا خلف؛ إذ ليس في الحديث ما يدلُّ على فساد صلاة من لم يبكِ، وإنما فيه خوف نزول العذاب به.
(فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لاَ يُصِيبُكُمْ) بالرفع على الاستئناف، وعند المؤلف في أحاديث الأنبياء [خ¦3380] (( أن يصيبكم ) )، قال محمود العيني وفيه إضمار تقديره حذَر أن يصيبكم، أو خشية أن يصيبكم.
(مَا أَصَابَهُمْ) من العذاب، فإن قيل ما معنى خوف إصابة العذاب مع قوله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء 15] ؟.
فالجواب أنَّ الآية محمولة على عذاب يوم القيامة، ووجه هذه الخشية أن البكاء يبعثه على التَّفكر والاعتبار، فكأنَّه أمرهم بالتَّفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وبالتفكر أيضًا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر، وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به، والطاعة له، وهو سبحانه وتعالى يقلِّب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، فمن مرَّ عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال، ودلَّ ذلك على قساوة قلبه، وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه ما أصابهم.
وذلك تفصيل ما قاله الخطابي إنَّ معنى هذا الحديث أنَّ الدَّاخل في ديار القوم الذين هلكوا بخسفٍ وعذاب، إذا دخلها فلم يَجْلب عليه ما يرى من آثار ما نَزَلَ بهم بُكاءً، ولم يَبْعث عليه حُزنًا، إما شفقةً عليهم، وإما خوفًا من حلول مثلها به، فهو قاسي القلب، قليل الخشوع، غير مستشعر للخوف والوجل، فلا يأمن إذا كان حاله ذلك، أن يصيبه
ج 3 ص 255
ما أصابهم.
والحاصل أنَّ الذي يدخل ديارهم، ولا يتضرَّع، ولا يبكي، فهو ظالمٌ؛ لأنَّ ترك التضرع فيما يجب فيه التَّضرع ظلم، فيستحق ما يستحقه الظَّالم، فيصير ما أصابه جزاء فعله، لا فِعْل غيره حتَّى ينافي قوله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء 15] ، على أنا لا نُسلِّم عدم الإصابة في الدنيا، وقد قال تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال 25] .
ويستفاد من الحديث أنَّ ديار هؤلاء لا تُسْكَن بعدهم، ولا تُتَخذ وطنًا؛ لأنَّ المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكيًا أبدًا، وقد نُهيَ أن تُدخَلَ دورهم إلَّا بهذه الصِّفة، وليس المراد الاقتصار على ابتداء الدخول، بل دائمًا عند كلِّ جزء من الدخول، وأمَّا الاستقرار فالكيفيَّة المذكورة مطلوبة فيه بالأولويَّة.
ومن فوائد الحديث أيضًا الإسراع عند المرور بديار المعذَّبين [1] ، وقد وقع عند المؤلف في المغازي في آخر الحديث (( ثم قَنَّعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسه، وأسرع السَّير، حتى أجاز الوادي ) ) [خ¦4419] ، فدلَّ على أنه لم ينزل، ولم يُصلِّ هناك، كما صنع عليٌّ في خسف بابل، وبذلك حصل المطابقة بين الحديث وأثر علي رضي الله عنه، وهو مطابق للترجمة، والمطابق للمطابق للشيء مطابق لذلك الشيء، فحصل المطابقة بين الحديث والترجمة.
وروى الحاكم في (( الإكليل ) )عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رأيت رجلًا جاء بخاتم وجده بالحِجْر في بيوت المعذَّبين، فأعرض عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستتر بيده أن ينظر إليه، وقال (( ألقه ) ). فألقاه، ولكن إسناده ضعيف.
وسيأتي نهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يستقى من مياههم في كتاب أحاديث [خ¦3378] الأنبياء، إن شاء الله تعالى.
ومن فوائده أيضًا أَمْرُهم بالبكاء؛ لأنه ينشأ عن التَّفكر في مثل ذلك، قال ابنُ الجوزي التَّفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل هذا المقام ثلاثة أقسام
أحدها التَّفكر الذي يتعلَّق بالله عزَّ وجلَّ، إذ قضى على أولئك بالكفر.
الثاني الذي يتعلق بأولئك القوم؛ إذ بارزوا ربهم بالكفر والعناد.
الثالث الذي يتعلَّق بالمارِّ عليهم؛ لأنه وفِّق للإيمان، وتمكن من تدارك ما فات.
ومنها أيضًا كراهية الصلاة في مواضع العذاب، والباب معقود عليه. والله أعلم.
[1] في هامش الأصل حاشية ختمها بـ (صح) لكنه لم يشر لمكانها من النص، ولعل هذا أولى مكان لها وذلك كما فعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وادي محسر لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك.