4908 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بن بكيرٍ المخزوميُّ، مولاهم المصري _ بالميم _ قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد الإمام (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، هو ابنُ خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابنُ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) أي ابن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) وفي رواية الكُشميهني وهي آمنة بنت غفار _ بغين معجمة _ كما ضبطه ابن نقطة (وَهْيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه طلَّقها وهي حائضٌ (فَتَغَيَّظَ) أي غضب (فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لأنَّ الطَّلاق في الحيض بدعةٌ (ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ) من حيضها (ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ) بالنَّصب فيهما عطفًا على السَّابق (فَإِنْ بَدَا لَهُ) أي فإن ظهر له (أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا) حال كونها (طَاهِرًا) إنما ذكره بلفظ التَّذكير؛ لأنَّ الطَّهور من الحيض من المختصَّات بالنِّساء، فلا يحتاج إلى التاء كما في حائض.
(قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا) أي يجامعها (فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ ؛ أي فهي التي أمر الله تعالى أن يطلِّق النِّساء حيث قال {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق 1] .
واعلم أنَّ هذا الحديث أخرجه الأئمَّة السِّتَّة عن ابن عمر رضي الله عنهما، فالبخاريُّ أخرجه هنا، وفي «الطلاق» [خ¦5251] و «الأحكام» [خ¦7160] والباقون في الطَّلاق.
وقال التِّرمذيُّ وقد روي هذا الحديث من غير وجهٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقال العينيُّ قال شيخنا رحمه الله رواه عن ابن عمر رضي الله عنهما نافع، وعبد الله بن دينار، وأنس بن سيرين، وطاوس، وأبو الزُّبير، وسعيد بن جبيرٍ، وأبو وائل، فرواية نافعٍ عند السِّتَّة غير الترمذي، ورواية عبد الله بن دينار عند مسلمٍ، ورواية أنس بن سيرين عند الشَّيخين، ورواية طاوس عند مسلمٍ والنَّسائي، ورواية أبي الزُّبير عند مسلمٍ، وأبي داود، والنَّسائي.
ج 21 ص 249
ورواية سعيد بن جبير عند النَّسائي، ورواية أبي وائل عند ابن أبي شيبة في «مصنفه» ، وقد استنبط منه أحكام
الأول أنَّ طلاق السُّنَّة أن يكون في طهر، وقد اختلفوا فيه، فقال مالكٌ طلاق السُّنَّة أن يُطلِّق الرجل امرأتَه في طهرٍ لم يمسها فيه تطليقة واحدة، ثمَّ يتركها حتَّى تنقضي العدَّة برؤية أوَّل الدم من الحيضة الثَّالثة، وهو قول اللَّيث والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة رحمه الله هذا أحسن من الطَّلاق [1] ، وله في قولٍ آخر قال إذا أراد أن يطلِّقها ثلاثًا، طلقها عند كلِّ طهرٍ واحدة من غير جماع، وهو قول الثَّوري وأشهب.
وزعم المرغينانيُّ أنَّ الطَّلاق على ثلاثة أوجهٍ عند أصحاب أبي حنيفة حسن، وأحسن، وبدعي.
فالحسن هو طلاق السُّنَّة وهو أن يطلِّق المدخول بها ثلاثًا في ثلاثة أطهارٍ.
والأحسن أن يطلِّقها تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ويتركها حتَّى تنقضي عدتها.
والبدعي أن يطلِّقها ثلاثًا بكلمة واحدة، أو ثلاثًا في طهرٍ واحدٍ، فإذا فعل ذلك وقع الطَّلاق وكان عاصيًا.
وقال القاضي عياض اختلف العلماء في صفة الطَّلاق السني، فقال مالكٌ وعامة أصحابه هو أن يطلِّق الرَّجل امرأته تطليقةً واحدةً في طهرٍ لم يمسها فيه، ثمَّ يتركها حتَّى تكمل عدَّتها، وبه قال اللَّيث والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه هذا أحسن الطَّلاق، وله قولٌ آخرٌ وهو أنَّه إن شاء أن يطلِّقها ثلاثًا طلقها في كلِّ طهرٍ مرَّةً، وكلاهما عند الكوفيين طلاق سنَّةٍ، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه.
واختلف فيه قول أشهب فقال مثله مرَّةً، وأجاز أيضًا ارتجاعها ثمَّ يطلِّق، ثمَّ يرتجع، ثمَّ يطلق فيتمُّ الثلاث.
وقال الشَّافعي وأحمد وأبو ثور ليس في عدد الطَّلاق سنَّةٌ ولا بدعةٌ، وإنَّما ذلك في الوقت.
الثاني أنَّ في قوله «ليراجعها» دليلًا على أنَّ الطَّلاق غير البائن، فلا يحتاج إلى رضا المرأة.
الثالث أنَّ فيه دليلًا على أنَّ الرجعة تصحُّ بالقول ولا خلاف في ذلك، وأمَّا الرجعة بالفعل فقد
ج 21 ص 250
اختلفوا فيه، فقال القاضي عياض وتصحُّ عندنا أيضًا بالفعل الحال محلَّ القول الدال في العبارة على الارتجاع كالوطء والتَّقبيل واللَّمس بشرط القصد إلى الارتجاع به، وأنكر الشَّافعي صحَّة الارتجاع بالفعل أصلًا، وأثبته أبو حنيفة وإن وقع من غير قصدٍ، وهو قولُ ابن وهبٍ من أصحابنا في الواطئ من غير قصد.
الرابع استدلَّ به أبو حنيفة أنَّ من طلَّق امرأته وهي حائضٌ فقد أثم، وينبغي له أن يراجعها، فإن تركها تمضي في العدَّة بانت منه بطلاقٍ.
الخامس أنَّ فيه الأمر بالمراجعة، فقال مالك هذا الأمر محمولٌ على الوجوب، ومن طلَّق زوجته حائضًا أو نفساء فإنَّه يجبر على رجعتها، فسوَّى دم النِّفاس بدم الحيض.
وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى والشَّافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يؤمر بالرَّجعة ولا يجبر، وحملوا الأمر في ذلك على النَّدب ليقع الطَّلاق على السُّنَّة، ولم يختلفوا أنَّها إذا انقضت عدَّتها لا يجبر على رجعتها، وأجمعوا على أنَّه إذا طلَّقها في طهرٍ قد مسَّها فيه أنَّه لا يجبر على رجعتها ولا يؤمر بذلك، وإن كان قد أوقع الطَّلاق على غير سنَّةٍ.
السادس أنَّ الطَّلاق في الحيض محرمٌ، ولكنَّه إن وقع لزم.
وقال القاضي عياض ذهب بعضُ النَّاس ممن شذَّ أنَّه لا يقع الطَّلاق فإن قيل ما الحكمة في منع الطَّلاق في الحيض؟ فالجواب أنَّها عبادةٌ غير معقولة المعنى، وقيل المعنى فيه تضرُّر المطلَّقة بتطويل العدَّة؛ لأنَّ زمن الحيض لا يحسب من العدَّة ومثله النفاس.
وإنَّما أمر بعد المراجعة بالإمساك إلى أن تطهر ثمَّ تحيضُ فتطهر لئلَّا يؤدِّي إلى النَّدم عند ظهور الحمل، فإنَّ الإنسان قد يُطلِّق الحائل دون الحامل، وعند النَّدم قد لا يمكنه التَّدارك فيتضرَّر هو والولد، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.
[1] كذا في العمدة، ولعل الصواب (أحسن الطلاق)