4919 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياسٍ، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد الإمام (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، الجمحي السَّكسكي الاسكندراني الفقيه المفتي (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ) اللَّيثيِّ المدني (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ الأنصاري (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ) وأخرج الإسماعيليُّ من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ (( يكشف عن ساق ) ). قال الإسماعيلي هذا أصحُّ لموافقتها لفظ القرآن، ولا يظنُّ أنَّ الله تعالى ذو أعضاءٍ وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى عن ذلك، ليس كمثله شيءٌ.
ولأهل العلم في هذا الباب قولان
أحدهما مذهب معظم السَّلف، أو كلِّهم وهو تفويضُ الأمر فيه إلى الله تعالى والإيمان به، واعتقاد معنى يليقُ بجلال الله عزَّ وجلَّ.
والآخر هو مذهبُ بعض المتكلِّمين وهو أنَّها تتأوَّل على ما يليقُ به تعالى، ولا يسوغُ ذلك إلَّا لمن كان من أهله بأن يكون عارفًا بلسان العرب، وقواعد الأصول والفروع.
فعلى هذا قالوا المراد بالسَّاق هنا الشِّدَّة؛ أي يكشف عن شدَّةٍ وأمرٍ مهول، وكذا فسَّره ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما كما تقدَّم [خ¦4919 قبل] . وقال القاضي عياض المراد بالسَّاق النُّور العظيم.
وروي عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قال عن نورٍ عظيم ) )الحديث كما تقدَّم [خ¦4919 قبل] . وعن قتادة فيما رواه عبد بن حُميد {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} عن أمرٍ فظيعٍ. وعن عبد الله هي ستور ربِّ العزَّة إذا كشفت للمؤمن يوم القيامة. وعن الرَّبيع بن أنسٍ يكشف عن الغطاء فيقعُ من كان
ج 21 ص 286
آمن به في الدُّنيا ساجدًا.
وقال الحكيم التِّرمذي رادًّا لقول من قال المراد بالسَّاق الشِّدَّة في القيامة، وفي هذا قوَّةٌ لأهل التَّعطيل.
وجاء حديثٌ عن ابن مسعود رضي الله عنه يرفعه، وفيه (( بم تعرفون ربَّكم؟ قالوا بيننا وبينه علامةٌ إن رأيناها عرفناهُ، قال وما هي؟ قال يكشفُ عن ساقٍ قال فيكشف عند ذلك عن ساقٍ فيخرُّ المؤمنون سجَّدًا ) ). قال وما ينكر هذا اللَّفظ ويفرُّ منه إلَّا من يفر عن اليد والقدم والوجه ونحوها فعطَّل الصِّفات.
وزعم ابنُ الجوزي أنَّ ذلك بمعنى كشف الشَّدائد عن المؤمنين يسجدون شكرًا. واستدلَّ على ذلك بحديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعًا (( فيكشفُ لهم الحجاب فينظرون إلى الله عزَّ وجلَّ ) ). وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( إذا كان يوم القيامة قام النَّاس لربِّ العالمين أربعين عامًا فيه، فعند ذلك يكشفُ عن ساقٍ ويتجلَّى لهم ) ).
وأوَّله بعضُهم بأنَّ الله تعالى يكشفُ لهم عن ساقٍ لبعض المخلوقين من ملائكته أو غيرهم، ويجعل ذلك سببًا لبيان ما شاء من حكمهِ في أهل الإيمان والنِّفاق. وعن أبي العبَّاس النَّحوي أنَّه قال السَّاق النَّفس، كما قال عليٌّ رضي الله عنه والله لأقاتلنَّ الخوارجَ ولو تلفت ساقي، فيحتمل أن يكون المراد به تجلِّي ذاته لهم وكشف الحجب حتَّى إذا رأوه سجدوا له.
وقراءة الجمهور {يُكْشَفُ} بضم الياء على البناء للمفعول، وكذا قرأ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وقرئ (( نكشف ) )بالنون و (( تَكشف ) )بالمثناة الفوقية على البناء للفاعل والمفعول جميعًا، والفعل للساعة، أو للحال؛ أي يوم تشتدُّ الحال أو السَّاعة. وقرئ (( يُكشِف ) )بالياء المضمومة وكسر الشين، من أكشف إذا دخل في الكشف.
(فَيَسْجُدُ) له (كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ) على سبيل التَّلذُّذ والتَّقرُّب إلى الله تعالى لا على سبيل التَّكليف؛ لأنَّ القيامة دار الجزاء لا دار العمل (وَيَبْقَى مَنْ) وفي رواية أبي ذرٍّ (كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِئَاءً) أي ليراه النَّاس (وَسُمْعَةً) أي ليسمعوه (فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ) وفي رواية أبي ذرٍّ(فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا
ج 21 ص 287
وَاحِدًا)أي لا ينثنَّي للسُّجود ولا ينحني له، وهو بفتح الطاء والموحدة. قال الهرويُّ الطَّبق فقار الظَّهر؛ أي صار فقارُهُ واحدة كالصَّحفة فلا يقدرُ على السُّجود.
وجاء في حديثٍ طويل (( فالمؤمنون يخرُّون سجَّدًا على وجوههم، ويخرُّ كلُّ منافقٍ على قفاه، ويجعل الله تعالى أصلابهم كصياصي البقر ) ). وفي روايةٍ (( ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأنَّ في ظهرهم السَّفافيد فيذهب بهم إلى النَّار ) ).
وقال النَّووي وقد استدلَّ بعض العلماء بهذا مع قول الله تعالى {وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيْعُونَ} [القلم 42] على جوار تكليف ما لا يُطاق.
وهذا استدلالٌ باطلٌ فإنَّ الآخرة ليست دار تكليفٍ بالسُّجود، وإنَّما المراد امتحانهم، وهذا الحديث مختصرٌ من حديث الشَّفاعة الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦7439] .
ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( يكشف ربنا ) ).