4921 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح المهملة، الوضَّاح اليشكري (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، هو جعفرُ بن أبي وحشية الواسطيِّ البصري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أنَّه (قَالَ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كان ذلك في ذي القعدة سنة عشر من البعثة كما سيأتي.
اختصره البخاريُّ هنا، وفي «صفة الصلاة» [خ¦773] ، وأخرجه أبو نُعيمٍ في «المستخرج» عن الطَّبراني عن معاذ بن المثنى عن مسدَّد شيخ البخاريِّ فيه فزاد في أوله ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنِّ ولا رآهم انطلق ... إلى آخره.
وهكذا أخرجه مسلمٌ عن شيبان بن فروخ عن أبي عوانة بالسَّند الَّذي أخرجه البخاري، وكأنَّ البخاري حذف هذه اللَّفظة
ج 21 ص 302
عمدًا؛ لأنَّ ابن مسعود رضي الله عنه أثبت أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الجنِّ، فكان ذلك مقدمًا على نفي ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وقد أشار إلى ذلك مسلم فأخرج عقب حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذا حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال أتاني داعي الجنِّ فانطلقت معه، فقرأت عليهم القرآن. ويمكن الجمع بالتَّعدد كما سيأتي.
(فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) قد تقدَّم في «أوائل المبعث» في باب «ذكر الجنِّ» [خ¦3859 قبل] أنَّ ابن إسحاق وابن سعد ذكرا أنَّ ذلك كان في ذي القعدة سنة عشر من المبعث لما خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائف، ثمَّ رجع منها. ويؤيِّده قوله في هذا الحديث إنَّ الجنَّ رأوه يصلِّي بأصحابه صلاة الفجر، والصَّلاة المفروضة إنَّما شُرعت ليلة الإسراء، والإسراء كان على الرَّاجح قبل الهجرة بسنتين، أو ثلاث، فتكون القصَّة بعد الإسراء، لكنَّه مشكلٌ من جهةٍ أخرى سيأتي بيانها قريبًا.
نعم في قوله «في طائفةٍ من أصحابه» نظر من جهةٍ أخرى لأنَّ محصِّل ما في «الصحيح» كما تقدَّم في «بدء الخلق» [خ¦3231] وما ذكره ابن إسحاق أنَّه صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الطَّائف لم يكن معه من أصحابه إلَّا زيد بن حارثة، وهنا أنَّه قال انطلق في طائفةٍ من أصحابه فلعلَّها كانت وجهة أخرى.
ويمكن الجمع بأنَّه لمَّا رجع لاقاه بعض أصحابه في أثناء الطَّريق فرافقوه.
(عَامِدِينَ) أي قاصدين (إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) بضم المهملة وتخفيف الكاف وآخره ظاء معجمة، يصرف ولا يصرف. قال اللِّحياني الصَّرف لأهل الحجاز، وعدمه لغة تميم، وهو موسمٌ معروفٌ للعرب، بل كان من أعظم مواسمهم وهو نخلٌ في وادٍ بين مكَّة والطَّائف، وهو إلى الطَّائف أقرب، وكانوا يقيمون بها جميع شوال يتبايعون ويتفاخرون وينشد الشُّعراء ما تجدَّد لهم. وقد كثر ذلك في أشعارهم، كقول حسَّان رضي الله عنه
~سَأَنْشُرُ إِنْ حَيِيتُ لَكُمْ كَلَامًا يُنْشَرُ فِي الْمَجَامِعِ مِنْ عُكَاظٍ
وكان المكان الَّذي يجتمعون به منه يُقال له الابتداء،
ج 21 ص 303
وكانت هناك صخورٌ يطوفون حولها، ثمَّ يأتون مجنة فيقيمون بها عشرين ليلةً من ذي القعدة، ثمَّ يأتون ذا المجاز وهو خلف عرفة فيقيمون به إلى وقت الحجِّ، وقد تقدَّم في كتاب «الحج» [خ¦1770] شيءٌ من هذا.
قال ابن التِّين سوق عكاظ من إضافة الشَّيء إلى نفسه كذا قال، وعلى ما تقدَّم من أنَّ السُّوق كانت تُقام بمكان من عكاظٍ يُقال له الابتداء، لا يكون كذلك.
(وَقَدْ حِيلَ) بكسر المهملة على البناء للمفعول، من حال إذا حُجز ومُنع (بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ) بضمتين، جمع شهاب، وظاهر هذا أنَّ الحيلولة وإرسال الشُّهب وقعا في هذا الزَّمان المقدَّم ذكره.
والَّذي تظاهرت عليه الأخبار أنَّ ذلك وقع لهم من أول البعثة النَّبويَّة، وهذا ممَّا يؤيِّد تغاير زمان القصَّتين، وأنَّ مجيء الجنِّ لاستماع القرآن كان قبل خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائف بسنتين، ولا يُعكِّر على ذلك إلَّا قوله في هذا الخبر أنَّهم رأوه يُصلِّي بأصحابه صلاة الفجر، لكنَّه يحتمل أن يكون ذلك قبل فرض الصَّلوات ليلة الإسراء فإنَّه صلى الله عليه وسلم كان قبل الإسراء يصلِّي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختُلف هل افتُرض قبل الخمس شيءٌ من الصَّلاة أم لا، فيصحُّ هذا على قول من قال إنَّ الفرض أولًا كان صلاة قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها، والحجَّة فيه قوله تعالى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه 130] ونحوها من الآيات، فيكون إطلاق صلاة الفجر في حديث الباب باعتبار الزَّمان لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء، فتكون قصَّة الجنِّ متقدِّمة من أول البعثة.
وقد أخرج الترمذي والطَّبري من طريق أبي إسحاق السَّبيعي عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كانت الجنُّ تصعد إلى السَّماء الدُّنيا يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها أضعافًا، فالكلمة تكون حقًّا، وأمَّا ما زادوا فيكون باطلًا، فلمَّا بُعِث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهُم، ولم تكن النُّجوم
ج 21 ص 304
يُرْمى بها.
وأخرجه الطَّبري أيضًا وابن مَرْدويه وغيرهما من طريق عطاء بن السَّائب عن سعيد بن جبيرٍ مطولًا وأوله (( كان للجنِّ مقاعدُ في السَّماء يسمعون الوحي ) )الحديث، فبينما هم كذلك إذ بُعِث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فزجرت الشَّياطين من السَّماء ورموا بالكواكب، فجعل لا يصعد أحدٌ منهم إلَّا احترقَ، وفزع أهل الأرض لمَّا رأوا من الكواكب ولم يكن قبل ذلك، فقالوا هلك أهل السَّماء، وكان أهل الطَّائف أول من تفطَّن لذلك فعمدوا إلى أموالهم فسيَّبوها، وإلى عبيدهم فعتقوها، فقال لهم رجلٌ ويلكم لا تُهلكوا أموالكم فإنَّ معالمكم من الكواكب التي تهتدون بها لم يسقط منها شيءٌ فأقلعوا.
وقال إبليسُ حدث في الأرض حدثٌ فأتى من كلِّ أرضٍ بتربةٍ فشمَّها فقال لتربة تهامة هاهنا حدث الحدث، فصرف إليه نفرًا من الجنِّ فهم الَّذين استمعوا القرآن.
وعند أبي داود في كتاب «المبعث» من طريق الشَّعبي أنَّ الَّذي قال لأهل الطَّائف ما قال هو عبد ياليل بن عَمرو، وكان قد عَمِي، فقال لهم لا تعجلوا وانظروا، فإن كانت النُّجوم التي يُرْمى بها هي الَّتي تُعْرف فهي عند فناء النَّاس، وإن كانت لا تُعْرفُ فهو من حدثٍ، فنظروا فإذا هي نجومٌ لا تُعرف، فلم يلبثوا أن سمعوا بمبعث النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه الطَّبري من طريق السُّدي مطولًا. وذكر ابن إسحاق نحوه مطولًا بغير إسنادٍ. وذكر الزُّبير بن بكَّار في «النسب» نحوه بغير سياقه ونسب القولَ المنسوب لعبد ياليل لعتبة بن ربيعة فلعلَّهما تواردا على ذلك، فهذه الأخبار تدلُّ على أنَّ القصَّة وقعت أوَّل البعثة وهو المعتمدُ.
وقد استشكلَ القاضي عياض وتبعَه القرطبيُّ والنَّووي وغيرهما من حديث الباب موضعًا آخر.
فقال القاضي عياض ظاهر هذا الحديث أنَّ الرَّمي بالشُّهب لم يكن قبل مبعث النَّبي صلى الله عليه وسلم لإنكار الشَّياطين له وطلبهم سببه،
ج 21 ص 305
ولهذا كانت الكهانة فاشيةٌ في العرب، ومرجوعًا إليها في حكمهم حتَّى قُطع سببها بأن حيل بين الشَّياطين وبين استراق السَّمع، كما قال تعالى في هذه السُّورة {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا*وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن 8 - 9] وقوله تعالى {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمَعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء 212] .
قال وقد جاءت أشعار العرب باستغراب رميها وإنكاره، إذ لم يعهدوه قبل المبعث وكان ذلك أحد دلائل نبوَّته. ويؤيِّده ما ذُكر في الحديث من إنكار الشَّياطين.
قال وقال بعضهم لم تزل الشُّهب يُرْمى بها مذ كانت الدُّنيا، واحتجُّوا بما جاء في أشعار العرب من ذلك. قال وهذا يروى عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما والزُّهري، ورفع فيه ابن عبَّاس رضي الله عنهما حديثًا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقال الزُّهري لمن اعترض عليه بقوله تعالى {فَمَنْ يَسْتَمِعُ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} غُلِّظ أمرها وشدَّد. انتهى.
وهذا الحديث الَّذي أشار إليه أخرجه مسلمٌ من طريق الزُّهري عن عبيد الله عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن رجالٍ من الأنصار قالوا كنَّا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم إذ رُمي بنجمٍ فاستنار، فقال (( ما كنتم تقولون إذا رُمي به في الجاهلية ) )الحديث.
وأخرج عبد الرَّزَّاق عن معمر قال سُئل الزُّهري عن النُّجوم أكان يُرْمى بها في الجاهليَّة؟ قال نعم، ولكنَّه إذ جاء الإسلام غلظ وشدِّد. وهذا جمعٌ حسنٌ، ويحتمل أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا رُمي بها في الجاهليَّة ) )أي جاهلية المخاطبين. ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث، فإنَّ المخاطب بذلك الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في جاهليَّةٍ، فإنَّهم لم يسلموا إلَّا بعد المبعث بثلاث عشرة سنة.
وقال السهيليُّ لم يزل القذف بالنُّجوم قديمًا، وهو موجودٌ في أشعار قدماء الجاهليَّة كأوس بن حجر، وبشر بن أبي حازم وغيرهما.
وقال القرطبي يُجمع بأنَّها لم تكن يُرْمى بها قبل المبعث رميًا يقطع الشَّياطين من استراق السَّمع، ولكن كانت تُرْمى تارةً، ولا تُرْمى أخرى، وتُرْمى من جانبٍ، ولا تُرْمى من جميع الجوانب،
ج 21 ص 306
ولعلَّ الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ*دُحُورًا} [الصافات 8 - 9] انتهى.
ويؤيِّده ما روى الطَّبري من طريق العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لم تكن السَّماء تُحْرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فلمَّا بُعِث محمَّد صلى الله عليه وسلم حُرِست حَرَسًا شديدًا ورُجمت الشَّياطين، فأنكروا ذلك.
ومن طريق السُّدي قال إنَّ السَّماء لم تكن تُحْرس إلَّا أن يكون في الأرض نبيٌّ، أو دينٌ ظاهرٌ، وكانت الشَّياطين قد اتخذت مقاعد يستمعون فيها ما يحدث، فلمَّا بُعِث محمَّد صلى الله عليه وسلم رجموا.
وقال الزين ابن المنير ظاهر الخبر أنَّ الشُّهب لم تكن يُرْمى بها، وليس كذلك لما دلَّ عليه حديث مسلم، وأمَّا قوله تعالى {فَمَنْ يَسْتَمِع الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن 9] فمعناه أنَّ الشُّهب كانت تُرْمى بها فتصيب تارةً، ولا تُصيبُ أخرى، وبعد البعثة أصابتهم إصابةً مستمرَّةً فوصفوها لذلك بالرَّصد؛ لأنَّ الَّذي يرصد الشَّيء لا يُخطئه، فيكون المتجدِّد دوام الإصابة لا أصلها.
وأمَّا قول السُّهيلي لولا أنَّ الشِّهاب قد يُخطئ الشَّيطان لم يتعرَّضوا مرَّةً أخرى، فجوابه أنَّه يجوز أن يقعَ التَّعرُّض مع تحقق الإصابة لرجاء اختطاف الكلمة وإلقائها قبل إصابة الشِّهاب، ثمَّ لا يُبالي المختطف بالإصابة لما طُبع عليه من الشَّرِّ كما تقدم.
فإن قيل إذا كان الرَّمي بها غُلِّظ وشُدِّد بسببها، فهلا انقطع بانقطاع الوحي بموت النَّبي صلى الله عليه وسلم ونحن نشاهدها الآن يُرْمى بها.
فالجواب يؤخذ من حديث الزُّهري المتقدِّم وفيه عند مسلم قالوا كنَّا نقول ولد الليلة رجلٌ عظيمٌ، أو مات رجلٌ عظيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فإنَّها لا تُرْمى لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّ ربنا إذا قضى أمرًا أخبر أهل السَّموات بعضهم بعضًا حتَّى يبلغ الخبر السَّماء الدُّنيا، فيخطف الجن السمع، فيقذفون به إلى أوليائهم ) )فيؤخذ من ذلك أنَّ سبب التَّغليظ في الحفظ لم ينقطع لما يتجدَّد من الحوادث
ج 21 ص 307
التي تُلقى بأمره إلى الملائكة، وأنَّ الشَّياطين مع شدَّة التَّغليظ عليهم في ذلك بعد المبعث لم ينقطع طمعهم في استراق السَّمع في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بما بعده؟.
وقد قال عمر رضي الله عنه لغيلان بن سلمة لما طلَّق نساءه إنِّي لأحسب أنَّ الشياطين فيما تسترق من السَّمع سمعت بأنَّك ستموت، فألقت إليك ذلك، الحديث أخرجه عبد الرَّزَّاق وغيره.
فهذا ظاهرٌ في أنَّ استراقهم السَّمع استمرَّ بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقصدون استماع الشَّيء مما يحدث، ولا يصلون إلى ذلك إلَّا إن اختطفَ أحدهم بخفَّة حركته خطفة فيتبعه الشِّهاب، فإن أصابه قبل أن يلقيها لأصحابه فاتت، وإلَّا سمعوها وتداولوها، وهذا يرد على قول السُّهيلي المقدَّم ذكره، والله تعالى أعلم.
(فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ) أي إلى قومهم (فَقَالُوا) لهم (مَا لَكُمْ؟ قَالُوا) وفي رواية غير أبي ذرٍّ (حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالَ) أي إبليس بعد أن حدَّثوه بالذي وقع كما في رواية ابن إسحاق، وفي رواية أبي ذرٍّ (مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ مَا حَدَثَ) لأنَّ السَّماء لم تكن تُحْرس إلَّا أن يكون في الأرض نبيٌّ، أو دينٌ لله ظاهرٌ، قاله السُّدي (فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) أي سيروا فيها كلَّها، ومنه قوله تعالى {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ} [المزمل 20] .
(فَانْظُرُوا مَا هَذَا الأَمْرُ الَّذِي حَدَثَ، فَانْطَلَقُوا فَضَرَبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا يَنْظُرُونَ مَا هَذَا الأَمْرُ الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. قَالَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ) بكسر المثناة، اسمٌ لكلِّ مكان غير عالٍ من بلاد الحجاز، سُمِّيت بذلك لشدَّة حرِّها اشتقاقًا من التَّهَم _ بفتحتين _ وهو شدَّة الحر وسكون الرِّيح، وقيل من تهم الشَّيء إذا تغيَّر، قيل لها ذلك لتغيُّر هوائها.
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية ابن إسحاق (( فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (بِنَخْلَةَ) بفتح النون
ج 21 ص 308
وسكون المعجمة، موضعٌ بين مكَّة والطائف، قيل على ليلةٍ من مكَّة، ووقع في رواية مسلم (( بنخل ) )بلا هاء، والصَّواب إثباتها وهو غير منصرفٍ.
(وَهْوَ عَامِدٌ) أي قاصد، كذا هنا، وتقدَّم في «صفة الصلاة» بلفظ [خ¦773] (( عامدين ) )ونصبه على الحال من النَّبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه، أو ذُكر بلفظ الجمع تعظيمًا له، وهو أظهر لمناسبة الرِّواية التي هنا (إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الْفَجْرِ) ووقع في رواية عبد الرَّزَّاق عن ابن عُيينة عن عمرو بن دينار قال قال الزبير، أو ابن الزبير كان ذلك بنخلةٍ والنَّبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء. وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن عَمرو عن عكرمة قال الزُّبير، فذكره وزاد فقرأ {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن 19] . وكذا أخرجه ابن أبي حاتم وهذا منقطعٌ، والأوَّل أصح.
(فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ) أي منه صلى الله عليه وسلم (تَسَمَّعُوا لَهُ) بتشديد الميم؛ أي قصدوا استماع القرآن، وأصغوا إليه، وتكلَّفوا له (فَقَالُوا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَالِكَ) هو ظرف مكان، والعامل فيه قالوا، وفي رواية والعامل فيه رجعوا (رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) يتعجَّب منه من فصاحة لفظه، وكثرة معانيه (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) أي الإيمان والصَّواب (فَآمَنَّا بِهِ) أي بالقرآن (وَلَنْ نُشْرِكَ) أي بعد اليوم (بِرَبِّنَا أَحَدًا) قال الماورديُّ ظاهر هذا أنَّهم آمنوا عند سماع القرآن.
قال والإيمان يقع بأحد أمرين إمَّا بأن يعلمَ حقيقة الإعجاز وشروط المعجزة، فيقع له العلم بصدق الرَّسول، أو يكون عنده علمٌ من الكتب الأوليَّة التي فيها دَلائل على أنَّه النَّبي المبشَّر به، وكلا الأمرين في قصَّة الجن محتملٌ، والله تعالى أعلم.
(وَأَنْزَلَ اللَّهُ) وفي نسخة (عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ} ) لقراءتي ( {نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} ) زاد الترمذي قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما وقول الجنِّ لقومهم لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبدًا، قال لمَّا رأوه يصلِّي وأصحابه يصلون بصلاته ويسجدون بسجوده، قال تعجَّبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم ذلك.
(وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (قَوْلُ الْجِنِّ) لقومهم إنا سمعنا قرآنًا ... إلى آخره، هذا كلام ابن عبَّاس
ج 21 ص 309
رضي الله عنهما كأنَّه يقرر فيه ما ذهب إليه أولًا أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يجتمع بهم، وإنَّما أوحى الله إليه بأنَّهم استمعوا. ومثله قوله تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا} [الأحقاف 29] الآية. ولكن لا يلزم من عدم ذكر اجتماعه بهم حين استمعوا أن لا يكون اجتمع بهم بعد ذلك. قيل كان هؤلاء المذكورون من الجنِّ على دين اليهود، ولهذا قالوا أُنزل من بعد موسى.
وأخرج ابن مردويه من طريق عمر بن قيس عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّهم كانوا تسعةً من أهل نصيبين. وعند ابن أبي حاتم من طريق مجاهدٍ نحوه، لكن قال أربعةٌ من نصيبين وثلاثةٌ من حران وهم حسي ومشي وشاصر وماصر والأرد وأليان والأحقب. ونقل السُّهيلي في «التعريف» أنَّ ابن دريد ذكر منهم شاصر وماصر ومِنْشي وماشي والأحقب.
قال وذكر يحيى بن سلام وغيره قصَّة عمرو بن جابر وقصة سُرَّق وقصة زَوبعة، فإن كانوا سبعةً فالأحقب لقب أحدهم لا اسمه. واستدرك عليهم ابن عسكر ما تقدم عن مجاهد قال فإذا ضُمَّ إليهم عمرو وزوبعة وسُرَّق وكان الأحقب لقبًا كانوا تسعةً. وهو مطابقٌ لرواية عمر بن قيس المذكورة.
وقد روى ابن مردويه أيضًا من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كانوا اثني عشر ألفًا من جزيرة الموصل، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود رضي الله عنه (( أنظرني حتَّى آتيك وخطَّ عليه خطًا ) )الحديث.
والجمع بين الرِّوايتين تعدد القصة، فإنَّ الذين جاؤوا أولًا كان سبب مجيئهم ما ذُكر في الحديث من إرسال الشُّهب، وسبب مجيء الَّذين في قصة ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّهم جاؤوا لقصد الإسلام، وسماع القرآن، والسُّؤال عن أحكام الدِّين.
وقد بيَّن ذلك في «أوائل المبعث» [خ¦3860] في الكلام على حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو من أقوى الأدلَّة على تعدُّد القصة فإنَّ أبا هريرة رضي الله عنه إنَّما أسلم
ج 21 ص 310
بعد الهجرة، والقصَّة الأولى كانت عقب البعث.
وفي الحديث إثبات وجود الشَّياطين والجنِّ، وأنَّهما لمسمَّى واحد، وإنَّما صارا صنفين باعتبار الكفر والإيمان، فلا يُقال لمن آمن منهم شيطانٌ.
وفيه أنَّ الصَّلاة في الجماعة شُرعت قبل الهجرة، ومشروعيَّتها في السَّفر، والجهر بالقراءة في صلاة الصُّبح. وأنَّ الاعتبار بما قضى الله للعبد من حسن الخاتمة لا بما يظهرُ منه من الشَّرِّ ولو بلغ ما بلغ؛ لأنَّ هؤلاء الَّذين بادروا إلى الإيمان بمجرَّد استماع القرآن لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشَّرِّ ما اختارهم للتَّوجُّه إلى الجهة الَّتي ظهر له أنَّ الحدث الحادث من جهتها، ومع ذلك فغلب عليهم ما قُضي لهم من السَّعادة بحسن الخاتمة، ونحو ذلك قصَّة سحرة فرعون.
وسيأتي مزيدٌ لذلك في كتاب «القدر» [خ¦6605] إن شاء الله تعالى. وقد مضى الحديث في كتاب «الصلاة» ، في باب «الجهر بقراءة صلاة الفجر» [خ¦773] .
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.