فهرس الكتاب

الصفحة 7265 من 11127

4929 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البغلاني، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد بن قُرْط _ بضم القاف وإسكان الراء وآخره طاء مهملة _ الكوفيُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى) وفي بعض النُّسخ لم يثبت لفظ .

( {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة 16] قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ) عليه السلام (بِالْوَحْيِ) وفي رواية أبي عوانة عن موسى بن أبي عائشة كما تقدم في «بدء الوحي» [خ¦5] (( كان يعالج من التنزيل شدة ) ). وهذه الجملة توطئةٌ لبيان السَّبب في النُّزول، وكانت الشِّدَّة تحصل له عند نزولِ الوحي لثقلِ القول كما تقدَّم في «بدء الوحي» أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها [خ¦2] .

وتقدَّم من حديثها في قصَّة الإفك [خ¦4141] فأخذه ما كان يأخذُه من البرحاء. وفي حديثها في «بدء الوحي» أيضًا [خ¦2] (( وهو أشده عليَّ ) )؛ لأنَّه يقتضي الشِّدَّة في الحالتين المذكورتين، لكن إحداهما أشدُّ من الأخرى.

(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ) بالتثنية، واقتصرَ أبو عَوانة عن موسى بن أبي عائشة في «بدء الوحي» [خ¦5] على ذكر الشَّفتين، وكذلك إسرائيل عن ابن أبي عائشة في الباب السَّابق [خ¦4928] . واقتصر سفيان [خ¦4927] على ذكر اللِّسان، والجميع مراد إمَّا لأنَّ التَّحريكين متلازمان غالبًا، أو المراد تحرُّك فمِه المشتمل على الشَّفتين واللِّسان، لكن لما كان اللِّسان هو الأصل في النُّطق اقتصرَ في الآية عليه.

(فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ) ظاهر هذا السِّياق أنَّ السَّبب في المبادرة حصول المشقَّة الَّتي يجدها عند النُّزول، وكان يتعجَّل بأخذه لتزول المشقَّة سريعًا. وبيَّن في رواية إسرائيل [خ¦4928] أنَّ ذلك كان خشية أن ينساهُ حيث قال فقيل له لا تحرِّك به لسانك يخشى أن يتفلَّت. وأخرج ابنُ أبي حاتم من طريق أبي رجاءٍ عن الحسن كان يحرِّك به لسانه يستذكرهُ، فقيل له إنَّا سنحفظه عليك.

وروى الطَّبري من طريق الشَّعبي كان إذا نزلَ عليه عَجَّلَ يتكلَّم به من حبِّه إيَّاه، وظاهره أنَّه كان يتكلَّم بما يُلقى إليه منه أوَّلًا فأولًا من شدَّة حبِّه إيَّاه، فأُمر أن يتأنَّى إلى أن ينقضيَ النُّزول، ولا بُعْد في تعدُّد السَّبب. ووقع في رواية أبي عَوَانة قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما فأنا أُحرِّكهما كما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُحرِّكهما.

ج 21 ص 325

وقال سعيدٌ أنا أحرِّكهما كما رأيت ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما يحرِّكهما.

فأطلق في خبر ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وقيَّد بالرُّؤية في خبر سعيدٍ؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما لم ير النَّبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ ذلك كان في مبدأ البعث النَّبوي، ولم يكن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ولد حينئذٍ. ولكن لا مانعَ أن يُخبرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك بعدُ فيراه ابن عبَّاس رضي الله عنهما حينئذٍ.

وقد وردَ ذلك صريحًا عند أبي داود الطَّيالسي في «مسنده» عن أبي عَوانة بسنده بلفظ قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما فأنا أُحرِّك لك شفتيَّ كما رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

وأفادت هذه الرِّواية إبراز الضَّمير في رواية البخاري حيث قال فيها فأنا أحرِّكهما، ولم يتقدَّم للشَّفتين ذكر، فعرفنا أنَّ ذلك من تصرُّف الرُّواة.

(وَكَانَ) أي الاشتداد حالة النُّزول عليه (يُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ) تعالى؛ أي بسبب ذلك الاشتداد (الآيَةَ الَّتِي فِي) سورة ( {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} ) وهي قوله عزَّ وجلَّ ( {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ*إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة 16 - 17] ) واحتج بهذا من جوَّز اجتهاد النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وجوَّز الإمام الرَّازي أُن يكون أُذن له في الاستعجال إلى وقت ورودِ النَّهي عن ذلك، فلا يلزم وقوع الاجتهاد في ذلك. والضَّمير في {بِهِ} للقرآن وإن لم يجر له ذكرٌ، لكنَّ القرائن ترشد إليه، بل دلَّ عليه سياق الآية.

(قَالَ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ) كذا فسَّره ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وعند عبد الرَّزَّاق عن معمر عن قتادة تفسيره بالحفظ. ووقع في رواية أبي عوانة جمعه لك في صدرك، ورواية جرير أوضح، وأخرج الطَّبري عن قتادة أنَّ معنى جمعه تأليفه.

( {وَقُرْآنَهُ} ) زاد في رواية إسرائيل أن تقرأهُ؛ أي أنت، وفي رواية الطَّبري وتقرأه بعدُ ( {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} ) أي عليك بلسان جبريل عليه السلام ( {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ) هذا تأويلٌ آخر لابن عبَّاس رضي الله عنهما

ج 21 ص 326

غير المنقول عنه في التَّرجمة. وقد وقع في رواية ابن عيينة مثل رواية جرير. وفي رواية إسرائيل نحو ذلك. وفي رواية أبي عوانة (( فاستمع وأنصت ) ).

ولا شكَّ أنَّ الاستماعَ أخصُّ من الإنصات؛ لأنَّ الاستماع الإصغاءُ، والإنصات السُّكوت، ولا يلزم من السُّكوت الإصغاء، وهو مثل قوله تعالى {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف 204] .

والحاصل أنَّ لابن عبَّاس رضي الله عنهما في تأويل قوله تعالى {أَنْزَلْنَاهُ} وفي قوله {فَاسْتَمِعْ} قولين [1] .

وعند الطَّبري من طريق قتادة في قوله {اتَّبِعْ} أي اتَّبع حلاله واجتنب حرامه. ويؤيِّده ما وقع في حديث الباب من قوله في آخر الحديث (( فكان إذا أتاه جبريل عليه السَّلام أطرقَ، فإذا ذهب قرأه ) ). والضَّمير في قوله {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} لجبريل عليه السَّلام، والتَّقدير فإذا استتمت قراءة جبريل فاقرأ أنت.

( {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ) وفي رواية إسرائيل (( على لسانك ) )، وفي رواية أبي عوانة (( أن تقرأه ) )وهي بمثناة فوقية. واستُدلَّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو مذهب الجمهور من أهل السُّنَّة. ونصَّ عليه الشَّافعيُّ لما تقتضيه «ثُمَّ» من التَّراخي.

فأوَّل من استدلَّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن أبي الطَّيِّب وتبعوه، وهذا لا يتمُّ إلَّا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلَّا فإذا حُمِل على أنَّ المراد استمرار حفظهِ له، وظهوره على لسانه فلا.

قال الآمديُّ يجوز أن يُرادَ بالبيان الإظهار لا بيان المجمل، يُقال بان الكوكب إذا ظهر. قال ويؤيِّد ذلك أنَّ المراد جميع القرآن، والحكم إنَّما هو بعضه، ولا اختصاص لبعضه بالأمر المذكور دون بعض.

وقال أبو الحسين البصري يجوز أن يراد بالبيان التَّفصيل، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجمالي فلا يتمُّ الاستدلال.

وتُعقِّب باحتمال إرادة المعنيين الإظهار والتَّفصيل وغير ذلك؛ لأنَّ قوله {بَيَانَهُ} جنس مضاف فيعمُّ جميع أصنافه من إظهاره وتبيين أحكامه، وما يتعلَّق بها من تخصيصٍ وتقييدٍ ونسخٍ وغير ذلك، والله تعالى أعلم.

(قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (فَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ) عليه السَّلام (أَطْرَقَ)

ج 21 ص 327

يقال أطرق الرَّجل إذا سكت، وأطرق؛ أي أرخى عينيه ينظر إلى الأرض.

(فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ) زاد أبو ذرٍّ على الوجه الَّذي ألقاه إليه، وهذا طريقٌ آخر أيضًا في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

( {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} تَوَعُّدٌ) أي هذا وعيدٌ من الله تعالى وتهديدٌ لأبي جهلٍ، وهي كلمةٌ موضوعةٌ للتَّهديد والوعيد، وقيل {أَوْلَى} من المقلوب مجازه ويل [2] من الويل، كما يُقال ما أطيبه وأيطبه. ومعنى الآية والله أعلم الويل لك يوم تحيى، والويل لك يوم تموت، والويل لك يوم تبعث، والويل لك يوم تدخل النَّار، والخطاب لأبي جهلٍ. وقيل {أَوْلَى} اسم فعل، واللام للتَّبيين؛ أي وليك ما تكره يا أبا جهل.

وثبت قوله < {أَوْلَى لَكَ} إلى آخره> في رواية أبي ذرٍّ.

[1] في هامش الأصل الظاهر في تأويل قوله تعالى {قَرَأْنَاهُ} وفي قوله {فَاتَّبِعْ} .

[2] في هامش الأصل في نسخة ويلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت