444 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، من أفراد البخاري (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام القرشي المدني، أبو الحارث بالمثلثة، كان عالمًا عابدًا، وقد مرَّ في باب إثم من كذب [خ¦107] (عَنْ عَمْرِو ابْنِ سُلَيْمٍ) بضم المهملة، على صيغة التَّصغير (الزُّرَقِيِّ) بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف، الأنصاري المدني (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارثِ _ بالمثلثة _ ابنِ رِبْعي _ بكسر الراء _ وسكون الموحدة وبالعين المهملة وبالياء المشددة (السَّلَمِيِّ) بفتح السين واللام كليهما، وقال ابن الأثير في (( جامع الأصول ) )وأكثر أصحاب الحديث يكسرون اللام، لأنَّه نسبة إلى سلِمة بكسر اللام، وقال القاضي عياض وأهل العربية يفتحون اللام، كراهة توالي الكسرات، وهو فارس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، روي له مائة وسبعون حديثًا، للبخاري ثلاثة عشر [خ¦2570] [خ¦4322] [خ¦7005] [خ¦5996] [خ¦6996] وغيرها، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين.
ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، ما خلا شيخ البخاري، وقد أخرج متنه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي أيضًا.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ) أي وهو متوضئ (فَلْيَرْكَعْ) أي فليُصلِّ، إطلاقًا للجزء وإرادةً للكلِّ (رَكْعَتَيْنِ) تحيَّة المسجد (قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) وفي (( مصنف ابن أبي شيبة ) )من طريق حسنة (( أعطوا المساجد حقَّها، قيل يا رسول الله، وما حقها؟ قال ركعتين قبل أن تجلس ) )، وزاد أبو أحمد الجُرجاني (( وإذا دخل بيته فلا يجلس حتَّى يركع ركعتين، فإن الله تعالى جاعلٌ له من ركعتيه في بيته خيرًا ) )، وقال إسناده منكر، وقال أبو محمد الإشبيلي قال البخاري هذه الزيادة لا أصل لها.
ج 3 ص 271
وأنكر ذلك ابن قطَّان، وزعم أنَّه لا تصح نسبته إليه، ثمَّ حديث أبي قتادة هذا وردَ عن سبب، وهو أنَّ أبا قتادة دخل المسجد، فوجد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالسًا بين أصحابه، فجلس معهم، فقال له (( ما منعك أن تركعَ؟ ) )قال رأيتُك جالسًا، والنَّاس جلوس، قال (( فإذا دخلَ أحدكم المسجد فلا يجلس حتَّى يصلِّيَ ركعتين ) )أخرجه مسلم.
هذا؛ وهذا العدد لا مفهوم لأكثره بالاتفاق، واختُلِف في أقله، والصَّحيح اعتباره، فلا تتأدى تحية المسجد بأقل من ركعتين.
قال ابن بطَّال اتَّفق أئمة الفتوى على أنه محمولٌ على النَّدب والإرشاد، مع استحبابهم الركوع لكل من دخل المسجد، لما روي أنَّ كبار الصَّحابة رضي الله عنهم يدخلون المسجد، ثمَّ يخرجون، ولا يصلُّون.
وأوجب أهلُ الظَّاهر فرضًا على كل مسلم داخلٍ في وقت تجوز فيه الصَّلاة ركعتين، وقال بعضُهم هي واجبةٌ في كلِّ وقت؛ لأن فعل الخير لا يُمنع منه إلَّا بدليل لا معارض له، ومن أدلة عدم الوجوب ما استدلَّ به الطَّحاوي من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي رآه يتخطى (( اجلس، فقد آذيت ) )ولم يأمره بالصَّلاة، وفيه نظر، فافهم.
وقال السَّفاقسي وفقهاء الأمصار حملوا هذا على النَّدب؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي سأله عن الصَّلوات، (( هل عليَّ غيرها؟ قال لا، إلَّا أن تَطَوَّع ) ) [خ¦46] ، ولو قلنا بوجوبهما لحَرُم على المُحدِث الحدثَ الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء، لزم منه أن لا يجب عليه ذلك عند دخوله.
وقال الطَّحاوي أيضًا الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها، فمن دخل المسجد في الأوقات المكروهة، يكره له أن يصليها في قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك. وحكي ذلك أيضًا عن الشَّافعي، ومذهبه الصَّحيح أن لا كراهة.
والحاصل أنهما عمومان تعارضا، الأمر بالصَّلاة لكلِّ داخل من غير تفصيل، والنَّهي عن الصَّلاة في أوقات مخصوصة، فلا بدَّ من تخصيص أحد العمومين، فذهب جَمْعٌ إلى تخصيص النَّهي وتعميم الأمر، وهو الصَّحيح عند الشافعية، وذهب جمعٌ إلى عكسه، وهو قول الحنفيَّة والمالكية.
وقال القاضي عياض وظاهر مذهب مالك أنَّهما من النوافل، وقيل من السُّنن، فإن دخل مجتازًا، فهل يُؤمر بهما؟ خفَّف في ذلك مالكٌ، وعن بعض أصحاب مالك أنَّ من تكرَّر دخوله المسجد سقطتا عنه.
ج 3 ص 272
وفي (( شرح المهذب ) )وإنْ صلَّى أكثر من ركعتين بتسليمة واحدة جاز، وكانت كلها تحيَّةً، لاشتمالها على الركعتين، وتحصل بفرض أو نفل آخر، سواء نُوِيَت معه أم لا؛ لأنَّ المقصود وجود صلاة قبل الجلوس، وقد وجدت بما ذكر، ولا تحصل بركعة، ولا صلاة جنازة، ولا سجدتي تلاوة وشكر، ولا تسن لداخل المسجد الحرام، لاشتغاله بالطَّواف، واندراجها تحت ركعتيه، ولا إذا اشتغل الإمام بالفرض، لحديث (( الصحيحين ) ) (( إذا أقيمت الصَّلاة، فلا صلاة إلَّا المكتوبة ) ) [1] ، ولا إذا شرع المؤذن في إقامة الصَّلاة، أو قَرُب إقامتها، ولا يوم الجمعة عند صعود الخطيب المنبر.
هذا؛ وقد استدلَّ بعضهم بقوله (( قبل أن يجلس ) )على أنَّه إذا خالف وجلس لا يشرع له التَّدارك، ورُدَّ هذا بما رواه ابن حبَّان في (( صحيحه ) )من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه، أنَّه دخل المسجد، فقال له النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أركعت ركعتين؟ ) )قال لا، قال (( قم فاركعهما ) )، ترجم عليه ابن حبَّان أنَّ تحيَّة المسجد لا تفوت بالجلوس، ومثله قصَّة سُليك الغَطَفاني لمَّا قَعَد قبل أن يصلي، قال (( قم فاركع ركعتين ) )، وسيأتي في الجمعة [خ¦930] .
وقال المحبُّ الطَّبري يحتمل أن يقال وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال وقتها قبله أداء، وبعده قضاء.
ويحتمل أن تحمل مشروعيَّتها بعد الجلوس على ما إذا لم يَطُل الفصل، والله أعلم.
[1] لم أجده صريحًا بهذا اللفظ في البخاري وهناك باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة