فهرس الكتاب

الصفحة 7359 من 11127

4970 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي أبو سلمة البصري، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكري (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة، جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري البصري، ويُقال الواسطي (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ كَانَ عُمَرُ) رضي الله عنه (يُدْخِلُنِي) بضم الياء من الإدخال (عَلَيْهِ) في مجلسه (مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ) أي مع من شهد بدرًا من المهاجرين والأنصار، وكانت عادة عمر رضي الله عنه إذا جلس للنَّاس أن يدخلوا عليه على قدر منازلهم في السَّابقة، وكان ربَّما أدخل مع أهل المرتبة من ليس منها إذا كانت فيه مزيةٌ؛ ليجبر ما فاته من ذلك.

(فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ) كأنَّ _ بتشديد النون _ للتَّشبيه،

ج 21 ص 457

وبعضُهم بالنصب، ويُروى على أنَّه من الأفعال الناقصة، وبعضُهم بالرفع (وَجَدَ فِي نَفْسِهِ) أي غضب، وهو عبد الرَّحمن بن عوف أحد العشرة المبشَّرة رضي الله عنهم، كما وقع مصرَّحًا به عند المصنف في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3627] بهذا الإسناد كان عمر رضي الله عنه يُدْني ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إنَّ لنا أبناء مثله.

ولفظ «وَجَد» ، يستعملُ بالاشتراك بمعنى الغضب والحبِّ والغنى واللِّقاء، سواءٌ كان الَّذي يُلْقى [1] ضالة أو مطلوبًا ما أو إنسانًا، أو غير ذلك.

(فَقَالَ لِمَ تُدْخِلُ) من الإدخال (هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟) وفي رواية ابن سعدٍ من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير كان أناسٌ من المهاجرين وجدوا على عمر رضي الله عنه في إدنائه ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وفي «تاريخ» محمد بن عثمان بن أبي شيبة من طريق عاصم بن كليب عن أبيه نحوه، وزاد وكان عمر رضي الله عنه أمره أن لا يتكلَّم حتَّى يتكلَّموا، فسألهم عن شيءٍ فلم يجيبوا، وأجابه ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فقال عمر رضي الله عنه أعجزتُم أن تكونوا مثل هذا الغلام، ثمَّ قال إنِّي كنت نهيتك أن تتكلَّم فتكلَّم الآن معهم.

وأراد بقوله «مثله» ؛ أي في مثل سنِّه، لا في مثل فضله وقرابته من النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يُعْرف لعبد الرحمن بن عوف ولدًا كان في مثل سنِّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فإنَّ أكبر أولاده محمد، وبه كان يُكنى، لكنَّه مات صغيرًا، وأدرك عمر رضي الله عنه من أولاده إبراهيم بن عبد الرَّحمن.

ويُقال إنَّه ولد في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، لكنَّه إن كان كذلك لم يُدْرك من الحياة النَّبويَّة إلَّا سنة أو سنتين؛ لأنَّ أباه تزوَّج أمَّه بعد فتح مكَّة فهو أصغرُ من ابن عبَّاس رضي الله عنهما بأكثر من عشر سنين، فلعلَّه أراد بالمثليَّة غير السنِّ، أو أراد بقوله «لنا» من كان له ولد في مثل سن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من البدريين إذ ذاك غيرُ المتكلِّم، والله تعالى أعلم.

(فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (إِنَّهُ) أي ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما (مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي ، ويُروى . وفي «غزوة الفتح» [خ¦4294] من هذا الوجه بلفظ (( إنَّه ممن علمتُم ) )، وأشار بذلك إلى قرابته من النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو من جهة ذكائهِ وزيادة فطنتهِ ومعرفتهِ.

وروى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن الزُّهري قال قال المهاجرون لعمر ألا تدعوا أبناءنا، كما تدعو ابن عباس؟ قال ذاكُم فتى الكهول، إنَّ له لسانًا

ج 21 ص 458

سؤلًا، وقلبًا عقولًا.

وأخرج الخرائطيُّ في «مكارم الأخلاق» من طريق الشَّعبي، والزُّبير بن بكَّار من طريق عطاء بن يسار قالا قال العبَّاس لابنه إنَّ هذا الرجل _ يعني عمر رضي الله عنه _ يُدنيك فلا تفشينَّ له سرًّا، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا، ولا يسمعُ منك كذبًا. وفي رواية عطاء بدل الثَّالثة ولا تبتدَئه بشيءٍ حتَّى يسألكَ عنه.

(فَدَعَا) بحذف ضمير المفعول؛ أي دعا عمرُ ابنَ عباس رضي الله عنهم، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني ، ويُروى ، وفي «غزوه الفتح» [خ¦4294] (( فدعاهم ذات يومٍ ودعاني معهم ) ).

(ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ) أي مع الأشياخ (فَمَا رُئِيتُ) بضم الراء وكسر الهمزة؛ أي ما ظننتُ، وفي «غزوة الفتح» من رواية المستملي بتقديم الهمزة، والمعنى واحدٌ، وفي نسخة (أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ) بضم الياء، من الإراءة، وزاد في «غزوة الفتح» [خ¦4294] (( مني ) )أي مثل ما رآه هو منِّي من العلم. وفي رواية ابن سعدٍ فقال (( أمَّا إني سأريكُم اليوم منه ما تعرفونَ به فضله ) ).

(قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قول اللَّهِ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذرٍّ بدل قوله ( {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1] ) وفي «غزوة الفتح» [خ¦4294] (( حتى ختم السُّورة ) ) (فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نُصِرْنَا) بضم النون على البناء للمفعول؛ أي على عدوِّنا.

(وَفُتِحَ عَلَيْنَا) وفي رواية الباب الَّذي قبله (( قالوا فتح المدائن والقصور ) ) (وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ َقُلْ شَيْئًا) وفي «غزوة الفتح» [خ¦4294] (( وقال بعضُهم لا ندري، أو لم يقل بعضُهم شيئًا ) ). (فَقَالَ) أي عمر رضي الله عنه (لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ لاَ، قَالَ فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ بتشديد اللام وإسقاط الهمزة. وفي رواية ابن سعد رضي الله عنه (( فقال عمر يا ابن عبَّاسٍ! ألا تتكلم؟ قال أعلَمه متى يموت ) ).

(قَالَ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ) وفي «غزوة الفتح» [خ¦4294] (( فتح مكة ) ) (وَذَلِكَ عَلاَمَةُ أَجَلِكَ) وفي رواية ابن سعدٍ (( فهو آيتك في الموت ) ). وفي الباب الَّذي قبله (( أجل أو مثل ضُرِب لمحمد نُعيت إليه نفسه ) ). ووهم عطاء بن السَّائب فروى هذا الحديث عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لمَّا نزلت {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} قال النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 21 ص 459

(( نُعيت إليَّ نفسي ) )أخرجه ابن مردويه من طريقه.

والصَّواب رواية حبيب بن أبي ثابت الَّتي في الباب الَّذي قبله بلفظ (( نُعيت إليه نفسه ) ). وللطَّبراني من رواية عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لما نزلت {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} نعيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه فأخذ بأشدِّ ما كان قطُّ اجتهادًا في أمر الآخرة.

ولأحمد من طريق أبي رزين عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما لمَّا نزلت علم أن قد نُعيت إليه نفسه. ولأبي يعلى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما نزلت هذه السُّورة في أوسط أيام التَّشريق في حجَّة الوداع، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه الوداع.

( {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} ) وذلك لأنَّ الأمر بالاستغفار يدلُّ على دنوِّ الأجل، وكان صلى الله عليه وسلم بعد نزولها يُكثر من قول (( سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه ) ). (فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه لابن عبَّاس رضي الله عنهما (مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَقُولُ) وفي «غزوة الفتح» [خ¦4294] (( إلا ما تعلم ) ). وزاد أحمد وسعيد بن منصور في روايتهما عن هُشيم عن أبي بشر في هذا الحديث في آخره (( فقال عمر كيف تلومونني على حبِّ ما ترون؟ ) ). ووقع في رواية ابن سعدٍ أنَّه سألهم حينئذٍ عن ليلة القدر، وذكر جواب ابن عبَّاس رضي الله عنهما واستنباطه وتصويب عمر رضي الله عنه قوله.

وقد تقدَّمت لابن عبَّاس رضي الله عنهما مع عمر رضي الله عنه قصَّةٌ أخرى في أواخر «سورة البقرة» [خ¦4538] ، لكن أجابوا فيها بقولهم الله أعلم، فقال عمر رضي الله عنه قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في نفسي منها شيء، الحديث.

وفيه فضيلةٌ ظاهرةٌ لابن عبَّاس رضي الله عنهما، وتأثيرٌ لإجابة دعوى النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله التَّأويل ويفقِّهه في الدِّين، كما تقدَّم في كتاب «العلم» [خ¦143] .

وفيه جواز تحدُّث المرء عن نفسه بمثل هذا لإظهار نعمة الله عليه، وإعلام من لا يعرف قدره؛ لينزله منزلته، وغير ذلك من المقاصد الصَّالحة لا للمفاخرة والمباهاة، وفيه جواز تأويل

ج 21 ص 460

القرآن بما يُفهم من الإشارات، وإنَّما يتمكَّن من ذلك من رسخت قدمه في العلم؛ ولهذا قال عليٌّ رضي الله عنه [خ¦3047] أو فهمًا يؤتيه الله رجلًا في القرآن.

[1] في هامش الأصل والإلفاء سواء كان الذي يلفي. نسخة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت