445 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الله بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمَلاَئِكَةُ) وفي رواية الكُشميهني بزيادة «أنَّ» ، والمراد بالملائكة الحَفَظة، أو السيَّارة، أو أعم من ذلك، كذا قال الحافظ العسقلاني، وقال محمود العيني تبعًا للكرماني الملائكة جَمْعٌ محلَّى باللام، فيفيد الاستغراق.
(تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ) أي تستغفر له (مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ) بضم الميم؛ أي مكان صلاته (الَّذِي صَلَّى فِيهِ) وهو المسجد، يدلُّ على ذلك رواية المؤلِّف رحمه الله فيما يتعلَّق بالمساجد على ما يأتي، وهي (( فإنَّ أحدكم إذا توضأ، فأحسن الوضوء، وأتى المسجد، لا يريد إلا الصَّلاة، لم يخط خطوة إلَّا رفعه الله بها درجة، أو حطَّ عنه بها خطيئة، حتى يدخلَ المسجد، فإذا دخلَ المسجد كان في صلاة، ما كانت تحبسه، وتصلِّي الملائكة عليه ما دام في مجلسه الذي يصلِّي فيه اللَّهمَّ اغفرْ له، اللَّهمَّ ارحمه، ما لم يؤذ، يحدث فيه ) ) [خ¦2119] ، والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا، فعُلِمَ أنَّ المراد من قوله (( في مصلَّاه ) )هو المكان الذي يصلِّي فيه في المسجد، وإن كان بحسب اللُّغة يطلق على المُصلَّي الذي في غير المسجد أيضًا، وبهذا تحصل المطابقة بينه وبين الترجمة.
(مَا لَمْ يُحْدِثْ) مِنْ «أَحْدَثَ» بمعنى صدر منه حدث؛ أي ما لم يحصل منه ما ينقض الطَّهارة (تَقُولُ) أي الملائكة (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) بستر ذنوبهِ (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) بإفاضة الإحسان إليه، قال السَّفاقسي الحدث في المسجد خطيئة، يُحْرَم به المُحْدِث استغفارَ الملائكة، ولما لم يكن للحدث فيه كفَّارة ترفع أذاه، كما يرفع الدَّفن أذى النُّخامة فيه، عُوقب بحرمان الاستغفار من الملائكة، لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة.
وقال ابنُ بطال من أراد أن يحطَّ عنه الذنوب بغير تعب، فليغتنم ملازمة مصلَّاه بعد الصَّلاة، ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجوٌّ إجابته؛ لقوله تعالى {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء 28] .
وقد روي أنَّ من وافقَ تأمينه تأمينَ الملائكة غُفِر له، وتأمينهم إنما هو مرَّة واحدةً عند تأمين الإمام، ودعاؤهم لمن قعدَ في مصلَّاه إنما هو ما دام قاعدًا فيه، فهو أحرى بالإجابة.
وقد شبَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة بالرباط، وأكَّده بتكرارهِ مرَّتين، بقوله (( فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط ) )، فعلى كلِّ مؤمنٍ سمع هذه الفضائل الشَّريفة، أن يحرصَ على الأخذ بأوفر الحظِّ منها، وأن لا يمر عنها صفحًا.
ففي الحديث بيان
ج 3 ص 274
فضيلة من انتظر الصَّلاة، سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد، أو تحوَّل إلى غيره، وفيه أنَّ الحدث في المسجد يُبطل ذلك، ولو استمرَّ جالسًا، معاقبةً له لإيذائه برائحته الخبيثة، وفيه أنَّ الحدث في المسجد أشد من النُّخامة، هذا وقال المازريُّ أشار البخاري إلى الردِّ على من مَنَعَ المُحْدِثَ أن يدخلَ المسجد، أو يجلس فيه.
وقال محمود العيني قد اختلف السَّلف في جلوس المحدث في المسجد، فروي عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه أنَّه خرج من المسجد، فبال، ثمَّ دخل، فتحدَّث مع أصحابه، ولم يمسَّ ماء، وعن علي رضي الله عنه مثلُه، وروي ذلك عن عطاء والنَّخعي وابن جُبير، وكَرِه ابن المسيِّب والحسن البصري أن يتعمَّد الجلوس في المسجد على غير وضوء، والله أعلم.