فهرس الكتاب
4996 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان المروزي (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمد بن ميمون السُّكري المروزي (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائل بن سلمة، أنَّه (قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (قَدْ عَلِمْتُ) وفي رواية الأَصيلي وابن عساكر (النَّظَائِرَ) أي السُّور المتماثلة في المعاني كالموعظة، أو الحكم، أو القصص، أو السور المتقاربة في الطُّول والقصر.
(الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني إسقاط لفظ ، وفي نسخة .
وقال الداودي يريد في صلاة الصبح. قال وكان يقرأُ الجاثية في الأولى، وعمَّ يتساءلون في الثانية، والأحقاف في الأولى من اليوم الثاني، والمرسلات في الثانية، ثمَّ كذلك إلى عشرين صلاة، ثمَّ يرجع إلى ذلك في أكثر أحواله.
(فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ) يعني ابن مسعود رضي الله عنه من مجلسه ودخل بيته (وَدَخَلَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ) أي ابن قيس النَّخعي (وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ، فَسَأَلْنَاهُ) أي عنها (فَقَالَ عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ) قال الخطَّابي سُمِّي مفصلًا؛ لكثرة ما يقع فيه من فصول التَّسمية بين السور. وقال النَّووي سمِّي به لقصر سوره، وقربِ انفصالهنَّ بعضهنَّ من بَعْضٍ، وقد اختلفوا في أوَّله؛ فقال بعضُهم هو سورة ق، وبعضهم سورة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل غير ذلك.
(عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ) أي على تأليف مصحفِهِ (آخِرُهُنَّ الْحَوَامِيمُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (حم الدُّخَانُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي خالد الأحمر، عن الأعمش مثل هذا الحديث، وزاد قال الأعمش أوَّلهنَّ الرحمن، وآخرهنَّ الدُّخان.
وجاء في «سنن أبي داود» بيان هذه العشرين الرحمن والنَّجم في ركعة، واقتربت والحاقة في أخرى، والطُّور والذَّاريات، ثمَّ الواقعة ون، ثمَّ سأل سائل والنَّازعات، ثمَّ ويل للمطففين وعبس، ثمَّ المدَّثر والمزَّمِّل، ثمَّ هل أتى، ولا أُقْسِمُ، ثمَّ عمَّ والمرسلات، ثمَّ الدُّخان والكوثر.
وظاهر الحديث أنَّ حم الدُّخان من المفصل.
وفي «التلويح» والمذكور عن ابنِ مسعود رضي الله عنه
ج 22 ص 60
أنَّ أوَّل المفصَّل الجاثية، ذكره الدَّاودي.
وعند العامة أنَّه السبع الآخر. وعن ابنِ مسعود رضي الله عنه أنَّه السُّدس الأخير، وهذا يدلُّ على أنَّ أوَّله الأحقاف. وقيل ذكر الدُّخان في المفصل تجوُّز؛ لأنَّها ليست منه على ما قِيل.
وفي الحديث دَلالةٌ على أنَّ تأليف مصحف ابنِ مسعود رضي الله عنه على غيرِ التَّأليف العثماني المشهور؛ لأنَّه على التَّأليف المشهور خمس وثلاثون سورة من الدُّخان إلى عمَّ يتساءلون، وليس شيءٌ من الحواميم في المفصَّل على المشهور.
وقال الحافظُ العسقلاني وكان أوَّله؛ يعني أوَّل تأليف ابنِ مسعود رضي الله عنه الفاتحة، ثمَّ البقرة، ثمَّ النساء، ثمَّ آل عمران، ولم يكن على ترتيب النُّزول. ويقال إنَّ مصحف علي رضي الله عنه كان على ترتيبِ النُّزول أوَّله اقرأ، ثمَّ المدثر، ثمَّ ن والقلم، ثمَّ المزَّمل، ثمَّ تبَّت، ثم التكوير، ثم سبح، وهكذا إلى آخر المكي، ثم المدني، والله تعالى أعلم.
وأمَّا ترتيب المصحف العثماني على ما هو الآن؛ فقال القاضي أبو بكر الباقلاني يحتمل أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرَ بترتيبه هكذا، ويحتملُ أن يكون باجتهادٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم، ثمَّ رجَّح الأول بما سيأتي في الباب الذي بعد هذا أنَّه كان صلى الله عليه وسلم يعارض به جبريل عليه السلام في كلِّ سنة، والذي يظهرُ أنَّه عارضه به هكذا على هذا الترتيب. وبهذا جزمَ ابن الأنباري، وفيه نظرٌ، بل الذي يظهر أنَّه كان يعارضه به على ترتيب النُّزول.
وذهب الجمهورُ ومنهم القاضي أبو بكر بن الطَّيب فيما استقرَّ عليه رأيه من قوليه إلى الثاني، والخلاف لفظي؛ لأنَّ القائلَ بالأول يقول إنَّه رَمَزَ إليهم ذلك؛ لعلمهم بأسباب نزولهِ ومواقع كلماته، ولذلك قال الإمام مالك وإنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهنا قولٌ ثالث، وهو أن بعضَ السور بل معظَمَها قد كان عُلِمَ ترتيبُهُ في حياتهِ صلى الله عليه وسلم كالسبع الطِّوال والحواميم والمُفَصَّل، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( اقرءوا الزَّهراوين البقرة وآل عمران ) ). وإلى هذا مال ابنُ عطيَّة. قيل [1] وممَّا يدلُّ على أنَّ ترتيب السور كان في حياة رسولِ الله
ج 22 ص 61
صلى الله عليه وسلم، ما أخرجه أحمدُ وأبو داود وغيرهما عن أوس بن أبي أَوْسٍ [2] حذيفة الثَّقفي قال كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف، فذكر الحديث.
وفيه فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (( طَرَأَ عَلَيَّ حزبي من القرآن، فأردتُ أن لا أخرجَ حتى أقضيهُ ) )قال فسألنا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا كيف تحزبون القرآن؟ قالوا نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من ق حتى نختم.
وفيه أنَّه يحتمل أنَّ الذي كان مرتبًا حينئذٍ حزب المفصَّل خاصة، بخلافِ ما عداه، فيحتملُ أن يكون كان فيه تقديم وتأخيرٌ.
ويعضدُه حديث حذيفة أنَّه صلى الله عليه وسلم قرأَ النساء بعد البقرة، ثمَّ آل عمران.
هذا، وأنت خبيرٌ بأنَّ هذا إنما يدلُّ صراحةً على تعدُّد السور لا على ترتيبها.
نعم، قال بعضهم لترتيب بعضِ السُّور في المصحف أشياء تطلعك على أنَّه توقيفِي صادر عن حكيم
أحدها بحسب الحروف كما في الحواميم. وثانيها لموافقة أوَّل السورة لآخرها كآخر الحمد في المعنى، وأوَّل البقرة. وثالثها للوزنِ في اللَّفظ كآخر تبَّت، وأوَّل الإخلاص. ورابعها لمشابهة جملة السُّورة بجملة الأخرى مثل الضحى، و {ألم نشرح لك} .
وقال بعضهم سورة الفاتحة تضمَّنت الإقرار بالرُّبوبية، والالتجاءِ إليه في دين الإسلام، والصِّيانة عن دين اليهوديَّة والنَّصرانية، وسورة البقرة تضمَّنت قواعد الدين، وآل عمران تكملة لمقصودها، فالبقرة بمنزلةِ إقامة الدَّليل على الحكم، وآل عمران بمنزلةِ الجواب عن شبهات الخصومِ، وسورة النساء تتضمَّن أحكام الأنساب التي بين الناس، والمائدة سورة العقود، وبها تمَّ الدِّين.
وأمَّا ترتيب الآيات فلا شكَّ أنَّه توقيفي وهو أمرٌ واجبٌ وحكمٌ لازمٌ؛ فقد أخرج أحمد وأصحاب «السنن» وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( قلت لعثمان رضي الله عنه
ج 22 ص 62
ما حملكم إلى أن عمدتُم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتُم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السَّبع الطِّوال، فقال عثمان رضي الله عنه كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما تنزلُ عليه السور ذات العدد، فإذا نزل عليه الشيء؛ يعني منها، دعا بعضَ من كان يكتبُ فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا، وكانت الأنفالُ من أوائل ما نزلَ بالمدينة، وبراءة من آخر القرآن، وكان وضعها شبيهًا بها، فظننتُ أنها منها، فقُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبيِّن لنا أنَّها منها )) . انتهى.
قال الحافظ العسقلاني فهذا يدلُّ على أنَّ ترتيب الآيات في كلِّ سورةٍ كان توقيفيًا، ولما لم يفصح النَّبي صلى الله عليه وسلم بأمرِ براءة أضافها عثمان رضي الله عنه إلى الأنفال اجتهادًا منه.
ونقل صاحب «الإقناع» أنَّ البسملة لبراءة ثابتةٌ في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه، قال ولا يؤخذ بهذا، وكان من علامةِ ابتداء السُّورة نزول بسم الله الرحمن الرحيم أوَّل ما ينزلُ شيءٌ منها، كما أخرجه أبو داود وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم من طريق عَمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم السُّورة حتى ينزلَ بسم الله الرحمن الرحيم ) ). وفي رواية (( فإذا نزلت بسمِ الله الرحمن الرحيم علموا أنَّ السُّورة قد انقضت ) ).
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ فيه دَلالة على أنَّ تأليف مصحف ابنِ مسعود رضي الله عنه على غيرِ التَّأليف العثماني.
وقد مضى الحديث في باب (( الجمع بين السورتين في الصَّلاة ) )من أبواب (( صفة الصَّلاة ) ) [خ¦775] .
[1] في هامش الأصل عسقلاني.
[2] بياض في الأصل.