فهرس الكتاب

الصفحة 741 من 11127

447 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد، وقد تكرر ذكره [خ¦262] [خ¦214] [خ¦57] [خ¦13] وغيرها (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) من الاختيار، هو أبو إسحاق الدَّباغ البصري الأنصاري (قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة، وقد تقدم [خ¦75] (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّه قال (قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ) بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبي الحسن، ويقال أبي محمد، وكان مولده ليلة قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فسمِّي باسمه، وكنِّي بكنيته، وكان غاية في العبادة والزَّهادة والعلم والعمل وحُسْن الشَّكل والثقة، وكان فيما قيل أجمل قريش في الدنيا، وكان يصلِّي كل يوم ألف ركعة، وكان يُدعى السَّجاد لكثرة سجوده، وكان له خمسمئة أصل زيتون، يصلِّي كلَّ يوم عند أصل كلِّ شجرة ركعتين، مات بعد عشرين ومائة، عن ثمان أو تسع وسبعين سنة، وهو جدُّ السَّفَّاح والمنصور الخليفتين.

(انْطَلِقَا) بكسر اللام على صيغة الأمر للاثنين (إِلَى أَبِي سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (فَاسْمَعَا) وفي رواية بالواو (مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا، فَإِذَا هُوَ) أي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه (فِي حَائِطٍ) أي بستان، وسُمِّي به لأنه لا سقف له (يُصْلِحُهُ) إمَّا في محلِّ الرفع على أنَّه خبر

ج 3 ص 281

لقوله هو، وإما في محل النَّصب على أنَّه حال، والخبر قوله (( في حائط ) )، ولفظ البخاري في الجهاد (( فأتيناه وهو وأخوه في حائط، فهما يسقيانه ) ) [خ¦2812] ، قيل أخوه هذا لأمِّه، وهو قتادةُ ابن النعمان، ورُدَّ بأن هذا لا يصح؛ لأن علي بن عبد الله بن عباس ولد في آخر خلافة علي بن أبي طالب، ومات قتادة بن النعمان قبل ذلك، في أواخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وليس لأبي سعيد رضي الله عنه أخ شقيق، ولا أخ من أبيه، ولا من أمِّه إلا قتادة، فيحتمل أن يكون المذكور أخاه من الرَّضاعة، قال الحافظ العسقلاني ولم أقف إلى الآن على اسمه.

(فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى) بالحاء المهملة، وبالباء الموحدة من الاحتباء، وهو أن يجمع ظهره وساقيه بنحو عمامته أو بيديه (ثُمَّ أَنْشَأَ) أي طفق وشرع (يُحَدِّثُنَا، حَتَّى أَتَى ذِكْرُ) وفي رواية (بِنَاءِ المَسْجِدِ) النَّبوي (فَقَالَ) وفي رواية ؛ أي أبو سعيد رضي الله عنه (كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً) بفتح اللام وكسر الموحدة بعدها النون، وهي الطُّوب النَّيء (وَعَمَّارٌ) أي ويحمل عمَّار بن ياسر وأمه سميَّة رضي الله عنه (لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ) وزاد معمر في روايته (( لَبِنَة عنه، ولبنة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ) (فَرَآهُ) أي عمارًا رضي الله عنه (النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَنْفُضُ) بصيغة المضارع في موضع الماضي، لاستحضار ذلك في نفس السامع، كأنَّه شاهده، وفي رواية وهو على الأصل، وكذا ما في رواية أخرى (التُّرَابَ عَنْهُ) وفي لفظ البخاري في الجهاد (( عن رأسه ) ) [خ¦2812] ، وكذا في رواية مسلم (وَيَقُولُ) في تلك الحالة (وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ [1] ) كلمة «وَيْح» ، كلمة رَحْمَة لمن وقع في هَلَكَة لا يستحقها، كما أنَّ كلمة «ويل» كلمة عذابٍ، لمن يستحق العذاب، تقول ويح له، وويل له، برفعهما على الابتداء، ولك أن تقول ويحًا لزيد، وويلًا له، فتنصبهما بإضمار فعل، وأن تقول ويحك وويح زيد، وويلك وويل زيد، بالإضافة، فتنصب أيضًا بإضمار الفعل، كما هاهنا.

(يَدْعُوهُمْ) أي يدعو عمارٌ الفئةَ الباغية، وهم الذين خالفوا الإمام، وخرجوا عن طاعته، بتأويل باطل ظنًا، وبمتبوع مطاع، يمكنهم مقاومته، والمراد بهم هاهنا هم الذين قتلوه في وقعة صفين، وأعيد الضَّمير إليهم، وهم غير مذكورين صريحًا.

(إِلَى) سبب (الْجَنَّةِ) وهو طاعة علي بن أبي طالب، الإمام الواجب الطَّاعة إذ ذاك رضي الله عنه (وَيَدْعُونَهُ) أي يدعو هؤلاء الفئة عمارًا رضي الله عنه (إِلَى) سبب

ج 3 ص 282

(النَّارِ) وهو مخالفة الإمام الواجب الطاعة، فإن قيل كان قتل عمَّار بصفِّين، وكان مع عليٍّ رضي الله عنه، وكان الذين قتلوه مع معاوية رضي الله عنه، وكان معه جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم، فكيف يجوز أن يكونوا يدعونه إلى النار؟

فالجواب أنهم كانوا مجتهدين، ظانِّين أنهم يدعونه إلى الجنَّة، وإن كان في نفسِ الأمر خلاف ذلك، فلا لوم عليهم في اتباع ظنونهم، فإنَّ المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر.

وهذا الجواب وإن كان إقناعيًّا، لا يليق أن يذكر في حقِّ الصَّحابة رضي الله عنهم خلاف ذلك، لأنَّ الله أثنى عليهم، وشهد لهم بالفضل، بقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران 110] ، قال المفسرون هم أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال ابن بطال تبعًا للمهلَّب إنما يصحُّ هذا في الخوارج، الذين بعث إليهم علي رضي الله عنه عمَّارًا يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصحُّ في أحد من الصَّحابة؛ لأنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يتأوَّل عليهم إلا أفضل التَّأويل، وتابعهما على ذلك جماعة من الشُّراح، وفيه نظر من أوجه

أحدها أنَّ الخوارج إنما خرجوا على علي رضي الله عنه بعد قتل عمَّار رضي الله عنه بلا خلاف بين أهل العلم بذلك، فإن ابتداء أمر الخوارج كان عقيب التَّحكيم بين علي ومعاوية، وكان التَّحكيم عقيب انتهاء القتال بصفين، وكان قَتْلُ عمَّار قبل ذلك قطعًا.

ثانيها أن الذين بعث إليهم علي عمارًا رضي الله عنهما إنما هم أهل الكوفة، بعثه ليُنَفرهم على قتال عائشة رضي الله عنها ومن معها قبل وقعة الجمل، وكان فيهم من الصَّحابة كمن كان مع معاوية وأفضل، وسيأتي التَّصريح بذلك عند المؤلّف رحمه الله في كتاب «الفتن» [خ¦7100] ، فما فرَّ منه المهلب ومن تبعه وقعوا في مثله، مع زيادة إطلاقهم عليهم تسمية الخوارج، وحاشاهم من ذلك.

ثالثها أنه شرح على ظاهر ما وقع في هذه الرواية الناقصة، وقد وقع في رواية ابن السَّكن وكريمة وغيرهما، وكذا ثبت في نسخة الصَّغاني، التي ذكر أنه قابلها بنسخة الفربري التي بخطه، زيادة توضح المراد، وتفصحُ بأن الضمير يعود إلى قتلته، وهم أهل الشَّام، ولفظه الحديثَ.

وقال الحُميدي في (( الجمع بين الصحيحين ) )إنَّ البخاري رحمه الله لم يذكر هذه الزيادة أصلًا، ولعلَّها لم تقع له، أو وقعت فحذفها عمدًا، قال وقد أخرجها الإسماعيلي والبرقاني في هذا الحديث.

وقال الحافظ العسقلاني ويظهر لي أنَّ

ج 3 ص 283

البخاري رحمه الله حذفها عمدًا، وذلك لنكتة خفيَّة، هي أنَّ أبا سعيد الخدري رضي الله عنه اعترف بأنه لم يسمع هذه الزِّيادة من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فدلَّ على أنَّها في هذه الرواية مُدْرجة، والرِّواية التي ثبت فيها ذلك ليست على شرط البخاري.

وقد أخرجها البزَّار من طريق داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد رضي الله عنه فذكر الحديث في بناء المسجد، وحَمْلِهم لَبِنة لبنةِ، وفيه قال أبو سعيد رضي الله عنه فحدَّثني أصحابي، ولم أسمعه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال يا ابن سُميَّة، تقتلك الفئة الباغية )) . انتهى.

وابن سميَّة هو عمار، وسمية اسم أمه، وهذا الإسناد على شرط مسلم، وقد عين أبو سعيد رضي الله عنه من حدَّثه بذلك، ففي مسلم والنسائي من طريق أبي سلمة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، قال حدثني من هو خير مني أبو قتادة ... فذكره. فاقتصر البخاري على القَدْرِ الذي سمعه أبو سعيد من النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون غيره، وهذا دالٌّ على دقَّة فهمه، وتبحره في الاطلاع على عللِ الأحاديث.

وفي هذا الحديث أيضًا زيادة لم تقع في رواية البخاري، وهي عند الإسماعيلي وأبي نُعيم في (( المستخرج ) )من طريق خالد الواسطي، عن خالد الحذَّاء، وهي فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يا عمَّار ألا تحمل كما يحمل أصحابك؟ قال إنِّي أريد من الله الأجر ) )، وقد تقدمت زيادة معمر فيه أيضًا.

(قَالَ) أبو سعيد رضي الله عنه (يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ) وهو دليلٌ على استحباب الاستعاذة من الفتن، ولو علم المرء أنَّه متمسِّك فيها بالحقِّ؛ لأنَّها قد تفضي إلى وقوع ما لا يرى وقوعه.

وقال ابنُ بطال وفيه ردٌّ للحديث الشائع (( لا تستعيذوا بالله من الفتن، فإنَّ فيها حصاد المنافقين ) )، ويروى (( لا تكرهوا الفتن ) ).

وقد سئل ابنُ وهب عنه، فقال إنَّه باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر كثير من أحكام الفتن في كتاب الفتن وما ينبغي من العمل عند وقوعها، أعاذنا الله تعالى، ممَّا ظهر منها، وما بطن [خ¦7048] .

ومن فوائد الحديث أيضًا أنَّ التَّعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال؛ لأنَّه ممَّا يجري للإنسان أجره بعد مماته، ومثل ذلك حفر الآبار، وكَري الأنهار، وتحبيس الأموال التي يَعُمُّ العامَّة نفعها، ومنها أنَّ العلم لا يحوي جميعه أحد، فينبغي أن يأخذَ الإنسان العلم من كل أحد، وإن كان الآخذ أفضل من

ج 3 ص 284

المأخوذ منه، ألا ترى أنَّ ابن عباس رضي الله عنه مع سعة علمه أمر ابنه عليًّا بالأخذ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فيؤخذ منه أيضًا أنَّ الرجل العالم يبعث ابنه إلى عالم آخر، ليتعلم منه، فيحتمل أن يكون عَلِمَ أنَّ عنده ما ليس عند نفسه، ويحتمل أن يكون إرساله إليه يطلب علو الإسناد؛ لأنَّ أبا سعيد رضي الله عنه أقدم صحبة، وأكثر سماعًا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومنها أنَّ العالم له أن يتهيَّأ للتَّحديث، ويجلس له جلسة.

ومنها ترك التَّحديث في حال المهنة، إعظامًا للحديث، وتوقيرًا لصاحبه، وهكذا كان السَّلف رحمهم الله، ومنها أنَّ للإنسان أن يأخذ من أفعال البر ما يشق عليه إن شاء، كما أخذ عمَّار رضي الله عنه لبنتين، ومنها إكرام العامل في سبيل الله، والإحسان إليه بالفعل والقول، ومنها إصلاح المرء ما يتعلق بأمر دنياه، وتعاهد أحوال المعاش، كإصلاح بستانه وكَرْمه بنفسه، وكان السلف على ذلك؛ لأنَّ فيه إظهار التواضع، ودفع الكبر، وهما من أفضل الأعمال الصالحة، ومنها الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، وإكرام طلبة العلم، وتقديم حوائجهم على حوائج النفس.

وهذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النُّبوة؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر بما يكون، فكان كما قال، وفيه فضيلة ظاهرة لعليٍّ وعمَّار رضي الله عنهما، ورد على النَّواصب الزاعمين أن عليًا رضي الله عنه لم يكن مصيبًا في حروبه.

فائدة قد روى حديث قتل الفئة الباغية عمارًا رضي الله عنه جماعة من الصَّحابة، منهم قتادة بن النُّعمان كما تقدَّم، وأم سلمة عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عَمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعَمرو بن العاص وأبو اليسر وعمار نفسه، وكلها عند الطَّبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة آخرين يطول عدَّهم، والله أعلم.

[1] هذه العبارة ساقطة من المخطوط والصواب ذكرها كما في رواية الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت