5018 - (وَقَالَ اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد الإمام، وصله أبو عبيد في «فضائل القرآن» عن يحيى بن بكير، عن اللَّيث بالإسنادين جميعًا (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) بلا ياء، هو ابنُ أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد، سمِّي الهاد؛ لأنَّه كان يوقد ناره للأضيافِ ولمن يسلك الطَّريق ليلًا. وقال أبو عمر اسم شداد أسامة بن عَمرو، وشدَّاد لقب، والهاد هو عَمرو. وقال أبو عمر وكان شدَّاد بن الهاد سَلَفًا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ لأنَّه كان تحته سلمى بنت عُميس أخت أسماء بنت عُميس، وهي أختُ ميمونة بنت الحارث لأمها، وله رواية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، سكن المدينة، ثمَّ تحوَّل إلى الكوفة، وسَلَفُ الرجلِ زوجُ أخت امرأته.
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) هو التَّيمي من صغار التَّابعين، ولم يدرك أُسيد بن حُضير، فروايتُه عنه منقطعةٌ، لكنَّ الاعتمادَ في وَصْلِ الحديث المذكور على الإسناد الثاني وهو قوله قال ابنُ الهاد، على ما يجيءُ عن قريب.
قال الإسماعيليُّ محمد بن إبراهيم، عن أُسيد بن حُضير مرسل، وعبد الله بن خبَّاب، عن أبي سعيد متَّصل، ثمَّ ساقه من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، بالإسنادين جميعًا. وقال هذه الطَّريق على شرط البخاري.
وقال الحافظُ العسقلاني
ج 22 ص 108
وجاء عن اللَّيث فيه إسنادٌ ثالثٌ آخر، أخرجه النَّسائي من طريق شعيب بن اللَّيث وداود بن منصور كلاهما، عن اللَّيث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن الهاد بالإسناد الثاني فقط. وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا من طريق إبراهيم بن سعد، عن يزيد بن الهاد بالإسناد الثاني، لكن وقع في روايته عن أبي سعيد، عن أُسيد بن حُضير.
وفي لفظ عن أبي سعيد أنَّ أُسيد بن حضير قال. لكن في سياقه ما يدلُّ على أنَّ أبا سعيد إنما حَمَلَه عن أسيد، فإنَّه قال في أثنائه قال أسيد فخشيتُ أن تَطَأَ يحيى، فغَدَوْتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فالحديثُ من مسند أُسَيدِ بنِ حضير. وليحيى بن بُكير فيه عن اللَّيث إسناد آخر، أخرجَه أبو عُبيد من هذا الوجه، فقال عن ابن شهابٍ، عن أُبي بن كعب بن سليمان، عن أُسيد بن حضير.
(عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) أسيد، بضم الهمزة، مصغر أسد، وحضير، بالحاء المهملة والضاد المعجمة، مصغَّر أيضًا، أنَّه (قَالَ بَيْنَمَا) بالميم، هي كلمة بين زيدت فيه ما تضافُ إلى الجملة، وتحتاج إلى الجواب، وهنا جوابها قوله (( إذ جالت الفرسُ ) ).
(هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ) أي في اللَّيل (سُورَةَ الْبَقَرَةِ) وفي رواية ابن أبي ليلى عن أُسيد بن حضير (( بينما أنا أقرأ سورة، فلمَّا انتهيت إلى آخرها ) )، أخرجه أبو عُبيد، ويستفاد منه أنَّه خَتَمَ السورةَ التي ابتدأ بها. ووقع في رواية إبراهيم بن سعد (( بينما هو يَقْرأُ في مِرْبَدِه ) )؛ أي في المكان الذي فيه التَّمر. وفي رواية أُبي بن كعب (( أنَّه كان يقرأُ على ظهر بيته ) ). وهذا مغاير للقصَّة التي فيها أنَّه كان في مِرْبَدِه، وفي حديث الباب (( أنَّ ابنه كان إلى جانبهِ، وفرسه مربوطةٌ فخشي أن تطأه ) )، وهذا كله مخالف لكونه كان حينئذٍ على ظهر بيته إلَّا أن يُرَادَ بظهر البيت خارجه لا أعلاه، فتتحد القِصَّتان.
فإن قيل قد تقدَّم في باب فضل سورة الكهف [خ¦5011] (( كان رجلٌ يقرأُ سورة الكهف وإلى جانبه حصان ) )، وقد قيل إنَّ هذا الرجل هو أُسيد بن حضير.
فالجواب أنَّه قال الكِرماني لعلَّه قرأهما؛ يعني سورة البقرة وسورة الكهف، أو كان ذلك الرجلُ غَيْرَ أُسَيد، فيحتمل التَّعدد. قال الكِرماني وهذا هو الظَّاهر، فافهم.
ج 22 ص 109
(وَفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ) بالتَّذكير، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي بالتأنيث يقعُ على الذكر والأنثى، ولهذا قال (إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ) بالتأنيث، من الجولان، وهو الاضطرابُ الشديد (فَسَكَتَ) عن القراءة (فَسَكَنَتْ) أي الفرس عن الاضطراب (فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ) سقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ (فَسَكَتَ وَسَكَنَتِ) ويروى بزيادة لفظ .
(ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ) وفي رواية إبراهيم بن سعد أنَّ ذلك تكرر ثلاث مرَّات، وهو يقرأ، وفي رواية ابن أبي ليلى (( سمعتُ رجَّة من خلفي حتى ظننتُ أنَّ فرسي ينطلقُ ) ) (فَانْصَرَفَ) أي أُسيد (وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى) في ذلك الوقت (قَرِيبًا مِنْهَا) أي من الفرس (فَأَشْفَقَ) أي خاف أُسيد (أَنْ تُصِيبَهُ) أي ابنه يحيى (فَلَمَّا اجْتَرَّهُ) بجيم ومثناة وراء مشدَّدة، من الاجترارِ من الجرِّ، والضَّمير لابنه يحيى؛ أي فلمَّا اجترَّ أُسيد ابنه يحيى من المكان الَّذي هو فيه حتَّى لا يطأهُ الفرس. ووقعَ في رواية القابسي بخاءٍ معجمة ثقيلة وراءٍ خفيفة، من التَّأخير؛ أي أخَّره عن الموضع الذي كان فيه خشيةً عليه.
(رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا) كذا فيه باختصار، وقد أوردهُ أبو عُبيد كاملًا، ولفظه (( رفعَ رأسه إلى السَّماء فإذا هو بمثل الظُّلة فيها أمثال المصابيح عرجتْ إلى السَّماء حتى ما يراها ) ). وفي رواية إبراهيم بن سعد (( فقمتُ إليها، فإذا مثلُ الظُّلة فوق رأسي فيها أمثال السُّرج، فعرجتْ في الجوِّ حتى ما أراها ) ). قيل وفيه دليلٌ على محافظة أُسيد على خشوعهِ في صلاته؛ لأنَّه كان يمكنه أوَّل ما جالت الفرس أن يرفعَ رأسه، وكأنَّه كان بلغه حديث النَّهي عن رَفْعِ المصلَّي رأسَه إلى السَّماء، فلم يرفعْه، حتى اشتدَّ به الخَطْبُ، ويحتملُ أن يكون رَفْعَ رأسَه بعد انقضاء صلاته، فلهذا تمادَى به الحال ثلاث مِرَارٍ.
(فَلَمَّا أَصْبَحَ) أُسيد (حَدَّثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بذلك (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَهُ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ) مرَّتين. ووقع في رواية ابنِ أبي ليلى (( اقرأ أبا عتيك ) )وهي كنيةُ أُسيد، وليس أمرًا بالقراءة حالة التَّحديث، بل المعنى كان ينبغي لك أن تستمرَّ على قراءتك، وتغتنمَ ما حصلَ لك من نزول السَّكينة والملائكة، وتستكثرَ من القراءة التي هي سبب بقائها، قاله النَّووي.
وقال الطِّيبي إنَّ (( اقرأ ) )لفظه أمر طلب القراءة في الحال، ومعناه تحضيضٌ وطلبٌ للاستزادة في الزمان الماضي، وكأنَّه صلى الله عليه وسلم استحضر صورةَ تلك الحالة العجيبةِ الشأن، فصار كأنَّه حاضرٌ عنده فأمره تحريضًا عليه، فكأنَّه يقول له استمرَّ على قراءتك تستمرُّ لك البركةُ بنزولِ الملائكة واستماعها لقراءتكَ، وفَهِمَ أُسيد ذلك فأجابَ بعذرهِ في قطع القراءة.
(قَالَ فَأَشْفَقْتُ) أي خفت (يَا رَسُولَ اللَّهِ) إن دمت على القراءة (أَنْ تَطَأَ) الفرسُ
ج 22 ص 110
ابني (يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا) أي من الفرس (قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ) وفي رواية الأَصيلي (إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ) بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام، مثل الصفة، فأوِّلت بسحابةٍ تظلُّ. وقال ابنُ بطَّال هي سحابةٌ كانت فيها الملائكة ومعها السَّكينة، فإنها تنزلُ أبدًا مع الملائكة.
(فِيهَا) أي في الظُّلَّة (أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ) بالخاء والجيم، بلفظ المتكلَّم، كذا في رواية الجميع، ويروى بلفظ الغائبة، فقال القاضي عياض صوابه فعَرَجَتْ، بالعين.
(حَتَّى لاَ أَرَاهَا) وعند أبي عبيد (( خرجتْ إلى السماء حتى ما يراها ) ) (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ لاَ، قَالَ تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ دَنَتْ) أي قربت (لِصَوْتِكَ) وكان أُسيدٌ حسنَ الصَّوت. وفي رواية يحيى بن أيُّوب، عن يزيد بن الهاد، عند الإسماعيلي (( اقرأْ أُسيد، فقد أُوتيت من مزاميرِ آل داود ) )، وفي هذه الزِّيادة إشارة إلى الباعث على استماعِ الملائكة لقراءته.
(وَلَوْ قَرَأْتَ) أي لو دمتَ على قراءتك، وفي رواية ابن أبي ليلى (لأَصْبَحَتْ) أي الملائكة (يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لاَ تَتَوَارَى مِنْهُمْ) أي لا تستتر من الناس. وفي رواية إبراهيم بن سعد (( ما تستترُ منهم ) ). وفي رواية ابنِ أبي ليلى (( لَرَأَيْتَ الأعاجيبَ ) ).
قال النَّووي في هذا الحديث جوازُ رؤية آحاد بني آدم الملائكة، كذا أطلق وهو صحيحٌ، لكن الذي يظهرُ التَّقييد بالصَّلاح وحُسْنِ الصَّوت. قال وفيه فضيلة القراءة وأنها سبب نزولِ الرَّحمة وحضورِ الملائكة.
وقال الحافظُ العسقلاني الحكم المذكور أعمُّ من الدَّليل، فالذي في الرواية إنما نشأَ عن قراءةٍ خاصَّة من سورةٍ خاصَّة بصفةٍ خاصَّة، ويحتمل من الخصوصيَّة ما لم يُذْكَر، وإلَّا لو كان على الإطلاق؛ لحَصَلَ ذلك لكلِّ قارئ، وقد أشار في آخر الحديث بقوله (( لا تتوارى منهم ) )إلى أنَّ الملائكة؛ لاستغراقهِم في الاستماعِ كانوا يسْتَمِرُّون على عدمِ الاختفاءِ الذي هو من شَأْنِهم.
وفيه منقبةٌ لأُسيد بن حضير، وفضيلة قراءة سورة البقرة في صلاة اللَّيل، وفضيلة الخشوع في الصَّلاة، وأنَّ التَّشاغل بشيءٍ من أمور الدُّنيا ولو كان من المباح
ج 22 ص 111
قد يفوِّتُ الخير الكثير، فكيف لو كان بغير المباح؟
ومطابقة الحديث للترجمة كما تقدَّم من حيث إنَّ البخاري فهمَ من الظُّلَّة السَّكينة، وأمَّا الملائكة ففي قوله (( تلك الملائكة ) ). وقد أخرجَه النَّسائي أيضًا في فضائل القرآن، وفي المناقب.
(قَالَ ابْنُ الْهَادِ) قد مرَّ أنَّ هذا الإسناد هو الذي عليه الاعتماد؛ لأنَّه متَّصل (وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ) على وزن فعَّال، بالتشديد بالخاء المعجمة، مولى بني عدي بن النَّجار الأنصاري (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) رضي الله عنهما.
وهذا التَّعليق وصله أبو نعيم الحافظ قال حدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث بن سعد حدثني يزيد بن الهاد.