5062 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، الهلاليِّ (عَنِ النَّزَّالِ) بفتح النون وتشديد الزاي وباللام (ابْنِ سَبْرَةَ) بفتح المهملة وسكون الموحَّدة بعدها راء مفتوحة، الهلاليِّ التَّابعي الكبير، وقيل إنَّ له صحبةً، وذهل المزِّي فجَزَمَ في «الأطراف» بأنَّ له صحبةً، وجزمَ في «التهذيب» بأنَّ روايتَه عن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه مُرْسَلة.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ آيَةً، سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلاَفَهَا) أي يقرأ خِلَافها. قال الحافظُ العسقلاني هذا الرجل يُحْتَملُ أن يكون هو أُبي بن كعب، فقد أخرج الطَّبري من حديث أُبيِّ بن كعب أنَّه سَمِعَ ابنَ مسعود رضي الله عنه يقرأ خِلافها. وفيه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال (( كلاكُمَا مُحْسِنٌ ) )الحديث، وقد تقدَّم في باب إنزال القرآن على سبعةِ أحرف بيانُ عدِّة ألفاظٍ لهذا الحديث.
(فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي فأخبرتُه بذلك (فَقَالَ كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ) أي في القراءة، وقيل الإحسان راجعٌ إلى ذلك الرجل بقراءتهِ، وإلى ابن مسعود رضي الله عنه بسماعهِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحرِّيه في الاحتياط (فَاقْرَآ) بصيغة الأمر للاثنين، وهو الذي في اليونينية، وفي الفرع بهمزة ساكنة للواحد (أَكْبَرُ عِلْمِي) أي قال شعبة أَكْبَرُ عِلْمِي، وقد أخرجه أبو عُبيد عن حجَّاج بن محمد، عن شعبة قال أكبرُ علمي أنِّي سمعتُه بالموحدة بعد الكاف؛ أي أغلب ظنِّي، وفي رواية (( أكثر عِلْمِي ) )بالمثلثة.
(قَالَ) أي إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال (فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ) أي الله تعالى بسببِ الاختلاف، وفي رواية المُسْتملي بضم الهمزة وكسر اللام. وعند ابن حبَّان والحاكم من طريق زرِّ بن حُبيش، عن ابن مسعود رضي الله عنه في هذه القصَّة (( فإنَّما أهلكَ من كان قبلكُم الاختلاف ) )، وفي رواية أبي ذرٍّ المذكورة من الفائدة أنَّ السُّورةَ التي اختَلَفَ فيها أُبي وابنُ مسعود رضي الله عنهما كانت من آل حم.
ووقعَ عند عبدِ الله بن أحمد في «زيادات المسند» في هذا الحديث أنَّ اختلافهم
ج 22 ص 200
كان في عَدَدِها هل هي خمس وثلاثون آية، أو ست وثلاثون، وهذا الحديثُ قد مرَّ في الإشخاص [خ¦2410] وفي ذكر بني إسرائيل [خ¦3476] .
ومطابقتُه للترجمة في آخر الحديث، ثمَّ إنَّ في هذا الحديث والذي قبلَه الحضَّ على الجماعة والأُلفةِ والتَّحذيرِ من الفُرْقَة والاختلاف، والنَّهي عن المراء في القرآن بغيرِ حقٍّ، ومن شرِّ ذلك أن تظهرَ دَلالة الآية على شيءٍ يخالف الرأي فيتوصَّل بالنَّظر وتدقيقهِ إلى تأويلها وحَمْلها على ذلك الرأي، ويقع اللَّجاج في ذلك والمناضلة عليه.
ثمَّ اعلم أنَّ الاختلافَ المنهيَّ هو الخارجُ عن اللُّغات السبع، أو ما لا يكون متواترًا، فأمَّا غيرُه فهو رحمة لا بأس به، وذلك مثل الاختلاف بزيادةِ الواو ونقصانها في {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ} [يونس 68] . وبالجمع والإفراد كطيِّ السِّجل للكتبِ والكتاب، والتَّأنيث والتَّذكير والنون نحو {ليحصنكم من بأسكم} [الأنبياء 80] ، والاختلاف التَّصريفي كقوله كذَّابًا وكذابًا بالتخفيف والتشديد، ومن يقنِط ويقنَط بالفتح والكسر، والنحوي نحو {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج 15] بالرفع والجرِّ، واختلاف الأدوات مثل {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ} [البقرة 102] بتشديد النون وتخفيفها، واختلاف اللُّغات كالإمالة والتَّفخيم، وقد فسَّر بعضُهم إنزالَ القرآن على سبعة أحرف بهذه الوجوه من الاختلاف كما تقدَّم.
تنبيهٌ قال محيي السُّنة الصَّحابة رضي الله عنهم جَمَعُوا بالاتِّفاق القرآن بين الدَّفتين متواترًا من غير أنْ قَدَّمُوا شيئًا أو أخَّرُوه، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّم أصحابَه التَّرتيبَ الذي هو الآن في مصاحِفِنَا بتوقيفِ جبريل عليه السلام إيَّاه صلى الله عليه وسلم عليه، وإعلامه عند نزول كلِّ آية أن هذه الآية تكتب عقيبَ آية كذا في سورة كذا، والله تعالى أعلم.
خاتمة اشتمل كتاب فضائل القرآن من الأحاديث المرفوعة على سبعة وتسعين حديثًا، المعلَّق منها وما التحقَ به من المتابعات سبعة عشر حديثًا، والباقي موصولٌ، المكرر منها فيه وفيما قبلها ثلاثة وسبعون حديثًا، والباقي خالص، وافقَه مسلم على تخريجها سوى حديث أنس رضي الله عنه فيمن جمع القرآن [خ¦5004] ،
ج 22 ص 201
وحديث قتادة بن النُّعمان في فضل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [خ¦5014] وحديث أبي سعيد في ذلك [خ¦5013] ، وحديثه أيضًا (( أيعجزُ أحدكُم أن يقرأَ ثلث القرآن ) ) [خ¦5015] ، وحديث عائشة في قراءة المعوِّذات عند النوم [خ¦5017] ، وحديث ابن عبَّاس في قراءته المفصَّل [خ¦5036] ، وحديثه (( لم يترك إلَّا ما بين الدَّفتين ) ) [خ¦5019] ، وحديث أبي هريرة (( لا حسدَ إلَّا في اثنتين ) ) [خ¦5026] ، وحديث عثمان (( خيركُم من تعلم القرآن ) ) [خ¦5027] ، وحديث أنس (( كانت قراءتُه مدًا ) ) [خ¦5045] ، وحديث عبد الله بن مسعود أنَّه سَمِعَ رجلًا يقرأُ آية [خ¦5026] ، وفيه من الآثار عن الصَّحابة فمَن بعدَهم ستة آثار.
اللَّهمَّ أطلْ عمري في طاعتكَ لاسيَّما في خدمة كلامك القديم، وسنة حبيبك الكريم، وبلِّغني إلى مرامِيَّ من المجاورةِ بطيبة الطَّيبة والممات فيها في عافيةٍ بلا محنةٍ، وأَعِنِّي على إتمامِ هذا الكتاب وتحريرِهِ ونشرِه، واجْعَلْه خالصًا لوجْهِك الكريم، وانفعنِي به والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.