فهرس الكتاب

الصفحة 7497 من 11127

5065 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران

ج 22 ص 214

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) أي النَّخعي (عَنْ عَلْقَمَةَ) أي ابن قيس، أنَّه (قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ) أي ابن عفان رضي الله عنه (بِمِنًى) كذا في أكثر الرِّوايات، ووقع في رواية زيدِ بن أبي أُنَيسة، عن الأعمش عند ابن حبَّان وهي شاذَّة (فَقَالَ) أي عثمان رضي الله عنه له (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وهي كنيةُ ابن مسعود رضي الله عنه (إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً) وظنَّ ابن المنيِّر أنَّ المخاطَب بذلك ابنُ عمر رضي الله عنه؛ لأنَّها كنيتُه المشهورة، وأكَّد ذلك عنده أنَّه وَقَعَ في نسختهِ من شرح ابن بطَّال عَقِبَ الترجمة فيه ابن عمر لقيه عثمان بمِنى، وقصَّ الحديث. فكتب ابنُ المنيِّر في «حاشيته» هذا يدلُّ على أنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما شدَّد على نفسه في زمن الشباب؛ لأنَّه كان في زمن عثمان رضي الله عنه شابًا، كذا قال، ولا مدخل لابنِ عمر رضي الله عنهما في هذه القصَّة أصلًا بل القصَّة والحديثُ لابن مسعود رضي الله عنه، مع أنَّ دعوى ابن عمر رضي الله عنهما كان إذ ذاك شابًا غيرُ صحيحة، فإنَّه كان إذ ذاك جاوزَ الثلاثين.

(فَخَلَيَا) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الأَصيلي بالواو بدل الياء. قال ابن التين وهو الصَّواب؛ لأنَّه واوي من الخلوة، مثل دعَوَا قال الله تعالى {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} [الأعراف 189] . انتهى.

ومعناه دخلا في موضعٍ خال، ووقع في رواية جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة عند مسلم قال؛ أي علقمة (( إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بمنى إذ لقيهُ عثمان فقال هلمَّ يا عبد الرَّحمن فاستخلاهُ ) ).

(فَقَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه له (هَلْ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا تُذَكِّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ) يعني من نشاطكَ وقوَّة شبابك. قال الحافظُ العسقلاني لعلَّ عثمان رضي الله عنه رأى به قشفًا ورثاثةَ هيئة، فحَمَلَ ذلك على فَقْدِه الزَّوجةَ التي ترفِّهه، ووَقَعَ في رواية أبي معاوية عند مسلم وأحمد (( لعلَّها أن تذكِّرك ما مَضى من زمانك ) )، وفي رواية جرير، عن الأعمش عند مسلم (( لعلَّك يرجعُ إليك من نفسِك ما كنتَ تعهدُ ) )، وفي رواية زيد بن أبي أُنيسة عند ابن حبَّان (( لعلّها أن تذكِّرك ما فاتك ) )ويؤخذ منه أنَّ معاشرةَ الزَّوجة الشَّابة تزيد في القوَّة والنَّشاط بخلاف عَكْسِها فبالعكس.

(فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه، برفع عبد الله (أَنْ لَيْسَ لَهُ) لنفسه (حَاجَةٌ إِلَى هَذَا)

ج 22 ص 215

أي الذي ذكره عثمان رضي الله عنه من الزَّواج، ويروى بنصب ؛ أي فلما رأى عثمانُ عبدَ الله رضي الله عنهما أن ليس له حاجة إلى هذا، وفي رواية أبي الوقت وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتَملي بكلمة الاستثناء بدل إلى، الجارة؛ أي ليس لعثمان رضي الله عنه عنه حاجة من الاستخلاء إلَّا الترغيب في النِّكاح.

(أَشَارَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (فَقَالَ يَا عَلْقَمَةُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهْوَ يَقُولُ) أي والحال أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه يقول (أَمَا) بالتخفيف (لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ) إشارة إلى قوله (( نزوجك. .. إلى آخره ) ) (لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هكذا عند الأكثر أنَّ مراجعةَ عثمان رضي الله عنه لابن مسعود في أمر التَّزويج كانت قبل استدعائهِ لعلقمة، ووَقَعَ في رواية جرير عند مسلم وزيد بن أبي أنيسة عند ابن حبَّان بالعكس، ولفظ جرير بعد قوله فاستخلاه (( فلمَّا رأى عبدُ الله أنْ ليسَ له حاجةٌ، قال لي تعالَ يا علقمةُ قال فجئتُ، فقال له عثمان رضي الله عنه ألا نزوِّجك يا أبا عبد الرَّحمن جاريةً بِكْرًا لعلَّه يرجعُ إليك من نفسك ما كنتَ تعهدُ، فقال عبد الله رضي الله عنه لئن قلتَ ذلك لقد قال لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ) ).

وفي رواية زيد (( فلقي عثمان رضي الله عنه فأخذ بيدهِ فقاما وتنحَّيت عنهما، فلمَّا رأى عبدَ الله أن ليس له حاجة يَسُرُّها قال ادنُ يا علقمة، فانتهيتُ إليه وهو يقول ألا نزوِّجك. .. ) )إلى آخره.

ويُحْتَمَلُ في الجَمْعِ بين الرِّوايتين أن يكون عثمان رضي الله عنه أعادَ على ابن مسعود رضي الله عنه ما كان قال له بعد أن استدعى علقمةَ لكونه فَهِمَ عنه إرادة إعلام علقمةَ بما كانا فيه، ثمَّ في رواية زيد (( لقد كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شبابًا فقال لنا ) ). وفي رواية عبدِ الرَّحمن بن يزيد في الباب الذي يليه (( دخلتُ مع علقمة والأسود على عبدِ الله رضي الله عنه، فقال عبدُ الله كنَّا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم شبابًا لا نجدُ شيئًا، فقال لنا. .. إلى آخره ) ). وفي رواية جرير عن الأعمش عند مسلم في هذه الطَّريق (( قال عبدُ الله وأنا يومئذٍ شابٌّ، فحدَّث بحديث رأيت [1] أنَّه حدَّث به من أجلي ) ). وفي رواية وكيعٍ، عن الأعمش (( وأنا أَحْدَثُ القوم ) ).

(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ) المعشرُ هم الطَّائفة

ج 22 ص 216

الذين يشملهم وصف، والشَّبابُ جَمْعُ شابٍّ، ويُجْمَعُ أيضًا على شَبَبَةٍ وشُبَّان، بضم أوله وتشديد الموحدة، وذَكَرَ الأزهريُّ أنَّه لم يُجْمَعْ فاعل على فَعال، بفتح الفاء وتخفيف العين، غيرُه، وفي نسخة على فعلان، غيره، وأصله الحَرَكَةُ والنَّشاط، وهو اسمٌ لمن بلغ إلى أن يكملَ ثلاثين، هكذا أطلق الشافعية. قال النَّووي والشَّاب عند أصحابنا من بلغَ ولم يجاوز ثلاثين سنة. وقال القرطبي في «المفهم» يقال له حَدَث إلى ست عَشْرة سنة، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين ثمَّ كَهْل، وكذا ذكره الزَّمخشري. وقال ابنُ شاس المالكي في «الجواهر» إلى أربعين.

وخص الشَّباب بالخطاب؛ لأنَّ الغالبَ وجودُ قوَّة الدَّاعي فيهم إلى النِّكاح بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى مُعْتَبَرًا إذا وُجِدَ السَّببُ في الكهول والشيوخ أيضًا.

(مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ) أي الجِمَاع لقدرتهِ على مؤن النِّكاح، قد مرَّ ضبطُه في أول الباب، وقال النَّووي اختَلَفَ العلماءُ في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحدٍ أصحُّهما أنَّ المرادَ معناها اللُّغويُّ وهو الجماعُ مأخوذٌ من المباءة وهي المنزلُ؛ لأنَّ من تزوَّج امرأةً بوَّأها منزلًا، فتقديرُه من استطاعَ منكم الجِمَاع لقدرتهِ على مُؤَنه، وهو مؤن النِّكاح فليتزوَّج، ومن لم يستطع الجماع لعجزهِ عن مؤنه فعليه بالصَّوم ليدفع شهوته، ويقطع شرَّ منيِّه كما يقطعه الرَّجاء، وعلى هذا القول وقعَ الخطاب مع الشَّباب الذين هم مظنَّة شهوة النِّساء ولا ينفكون عنها غالبًا.

والقول الثاني أنَّ المراد هنا بالباءة مؤن النِّكاح؛ سمِّيت باسم ما يلازمها، وتقديره من استطاع منكم مؤن النِّكاح فلْيَتزوجْ، ومن لم يستطع فليصمْ ليدفع شهوته، والذي حَمَلَ القائلين بهذا على ما قالوا قوله (( ومن لم يستطع فعليه بالصوم ) )قالوا والعاجزُ عن الجِمَاعِ لا يحتاجُ إلى الصَّوم لِدَفْع الشَّهوة فوجب تأويل الباءة على المُؤَن، وانفصل القائلون بالأوَّل عن ذلك بالتقدير المذكور. انتهى.

والتَّعليل المذكور للمازريِّ، وأجاب عنه القاضي عياض بأنَّه لا يبعدُ أن تختلفَ الاستطاعات فيكون المراد بقوله (( من استطاع الباءة ) )؛ أي بَلَغَ الجِمَاعَ وقَدِرَ عليه فليتزوَّج ويكون قوله ومن لم يستطع؛

ج 22 ص 217

أي من لم يقدر على التَّزويج.

قال الحافظُ العسقلاني وتهيَّأ له هذا بحذف المفعول في المنفي، فيحتملُ أن يكون المرادُ من لم يستطع الباءة، أو مَن لم يستطع التَّزويج، وقد وقع كلٌّ منهما صريحًا، فروى التِّرمذيُّ من حديث عبد الرَّحمن بن يزيد من طريق الثَّوري عن الأعمش قال؛ أي ابن مسعود رضي الله عنه خرجنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم ونحن شباب لا نقدرُ على شيءٍ فقال (( يا معشرَ الشَّباب عليكم بالباءة، فإنه أغضُّ للبَصَر، وأحصنُ للفَرْج، فمَنْ لم يستطع منكم الباءة فعليه بالصَّوم، فإن الصَّوم له وجاء ) ). وروى الإسماعيليُّ من هذا الوجه من طريق أبي عَوَانة، عن الأعمش (( من استطاعَ منكم أن يتزوَّج فليتزوج ) )، ويؤيِّده ما وقع في رواية للنَّسائي من طريق أبي معشر، عن إبراهيم النَّخعي (( من كان ذا طولٍ فلينكح ) ). ومثله لابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها، وللبزَّار من حديث أنس رضي الله عنه، وأمَّا تعليل المازري فيعكِّر عليه قوله في الرواية الأخرى التي في الباب الذي يليه بلفظ [خ¦5066] (( كنَّا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم شبابًا لا نجدُ شيئًا ) ). فإنه يدلُّ على أنَّ المرادَ بالباءةِ الجماعُ، كذا قيل، وفيه نَظَرٌ، ولا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأن يُراد بالباءة القدرةُ على الجماع [2] ومؤنُ التَّزويج.

والجواب عمَّا استشكله المازريُّ أنَّه يجوزُ أن يرشدَ من لا يستطيع الجماع من الشَّباب لفرط حياء أو عدمِ شهوة أو عنَّة مثلًا إلى ما يُهيئ له استمرار تلك الحالة؛ لأنَّ الشَّبابَ مظنَّةُ ثوران الشهوة والدَّاعيةُ إلى الجماع، فلا يلزم من كسرها في حالة أن يستمرَّ كسرها، فلهذا أرشدَ إلى ما يستمرُّ به الكسر المذكور فيكون قسم الشَّباب إلى قسمين قسم يتوقون إليه ولهم اقتدار عليه فندبهم إلى التزويج دَفْعًا للمحذور بخلاف الآخرين فندبهم إلى أمرٍ تستمر به حالتهم؛ لأنَّ ذلك أرفق بهم للعلة التي ذكرت في رواية عبد الرَّحمن بن يزيد، وهي أنَّهم كانوا لا يجدون شيئًا، ويستفادُ منه أنَّ الذي لا يجد أهبة النِّكاح وهو تائقٌ إليه يندبُ له التزويج دَفْعًا للمحذور.

(فَلْيَتَزَوَّجْ) جواب الشرط، وزاد في كتاب الصيام من طريق أبي حمزة عن الأعمش [خ¦1905] (( فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج ) )، وكذا ثبتتْ هذه الزِّيادة عند جميع مَنْ أخرج الحديثَ المذكور من طريق الأعمش بهذا الإسناد، وكذا ثبتَ بإسنادهِ الآخر في الباب الذي يليهِ.

ج 22 ص 218

قال الحافظُ العسقلاني ويغلبُ على ظني أنَّ حذفها من قبل حفص بن غياث شيخ البخاريِّ، وإنما آثر البُخاري روايته على غيره لوقوعِ التصريح فيها من الأعمش بالتَّحديث فاغتفرَ له اختصار المتن لهذه المصلحة، وسيأتي معنى أغضُّ وأحصنُ في الباب الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦5066] .

(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي الجماع لعجزه عن المؤن (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) وفي رواية مغيرة بن إبراهيم عند الطَّبراني (( ومَن لم يقْدِر على ذلك فَعَليه بالصَّوم ) ). قال المازريُّ فيه إغراءٌ للغائب، ومن أصول النَّحْويين أن لا يُغْرَى بغائِبٍ، وقد جاء شاذًا قولُ بعضِهم عليه رَجُلًا لَيْسَنِي، على جهة الإغراء.

وتعقَّبه القاضي عياض بأنَّ هذا الكلام موجودٌ لابن قُتيبة والزَّجَّاجي ولكن فيه غلطٌ من أوجه. أمَّا أولًا فمن التَّعبير فقوله فيه إغراء بالغائب، والصَّواب فيه إغراءُ الغائب، فأمَّا الإغراء بالغائب فجائزٌ، ونصَّ سيبويه أنَّه لا يجوز دونه زيدًا، ولا عليه زيدًا، عند إرادة غير المخاطب، وإنما جازَ للحاضرِ لما فيه من دَلالة الحال بخلاف الغائب، فلا يجوزُ لِعَدَم حضورهِ ومعرفتهِ بالحالة الدَّالة على المراد.

وأمَّا ثانيًا فإنَّ المثالَ ليس فيه حقيقةُ الإغراء، وإن كانت صورتُه فلم يُرِدِ القائلُ تبليغَ الغائب، وإنما أرادَ الإخبارَ عن نفسهِ بأنَّه قليلُ المبالاة بالغائبِ، ومثله قولهم (( إليك عني ) )أي اجعلْ شُغْلَكَ بنفسِك ولم يُرِدْ أن يغريهِ به، وإنما مرادُه دَعني وكن كمن شُغِلَ عنِّي.

وأمَّا ثالثًا فليس في الحديث إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولًا بقوله (( من استطاع منكم ) )فالهاء في قوله (( فعليه ) )ليست لغائب، وإنما هي للحاضر المبهم؛ إذ لا يصحُّ خطابه بالكاف، ونظيرُ هذا قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة 178] إلى أن قال {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة 178] ومثله قولك مَنْ قام الآن منكم فَلَه دِرْهم، فالهاء للمبهم من المخاطبين لا للغائب، وقد استَحْسَنَه القرطبيُّ وهو حسنٌ، وقد تَفَطَّنَ له الطِّيبي فقال قال أبو عبيدة قوله (( فعليه بالصوم ) )إغراء غائب ولا تكاد العرب تغري إلَّا الشاهد

ج 22 ص 219

تقول عليك زيدًا، ولا تقول عليه زيدًا، إلَّا في هذا الحديث.

قال وجوابُه أنَّه لما كان الضَّميرُ للغائب راجعًا إلى لفظةِ مَن، وهي عبارة عن المخاطبين في قوله (( يا معشر الشَّباب ) )ومبين بقوله (( منكم ) )جاز قوله عليه؛ لأنَّه بمنزلةِ الخطاب. هذا وقد أجاب بعضُهم بأنَّ إيراد هذا اللَّفظ في مثال إغراءِ الغائب هو باعتبار اللَّفظ، وجواب القاضي عياض باعتبار المعنى، وأكثر كلام العرب باعتبار اللَّفظ، كذا قال، والحقُّ مع القاضي عياض فإنَّ الألفاظَ توابع المعاني ولا معنى لاعتبار اللَّفظ مجرَّدًا هنا، ثم في العدول عن قوله فعليه بالجوع وقلَّة تأثير الشهوة، ويستدعي طغيان الماء من الطَّعام والشراب إلى قوله (( فعليه بالصوم ) )إشارة إلى أن ما يحصل به عبادة هي برأسها مطلوبةٌ ينبغي أن يقصدَ به، وإلى أنَّ المطلوب من الصَّوم في الأصل كَسْر الشهوة.

(فَإِنَّهُ) أي الصوم (لَهُ وِجَاءٌ) بكسر الواو وبالجيم ممدودًا، وقيل بفتح الواو والقصر بوزن عصا؛ أي التعب والجفا، وذلك بعيدٌ إلَّا أن يُراد فيه معنى الفتور على أنَّه من وجى إذا افتر عن المشي، فشبَّه الصَّوم في باب النِّكاح بالتَّعب في باب المشي؛ أي قاطع لشهوتهِ.

وقال أبو عبيدة قال بعضُهم وَجى، بفتح الواو مقصورًا، والأول أكثر وأصله الغمزُ، ومنه وَجَأَ في عنقه إذا غَمَزَه دافعًا له، ووجأهُ بالسَّيف إذا طعنَه به، وَوَجَأَ أُنثييه غَمَزَهُما حتى رضَّهما، ووقع في رواية ابن حبَّان المذكورة (( فإنه له وجاء، وهو الإخصاء ) )، وهي زيادةٌ مدرجةٌ في الخبر لم تقعْ إلَّا في طريق زيد بن أبي أنيسة هذه، وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نَظَرٌ، فإن الوِجاء رضُّ الأُنثيين والإخصاءُ سَلُّهما.

وقال أبو زيد لا يقال وَجَا إلَّا فيما لم يبرأ وكان قريبَ العهد بذلك، وإطلاقُ الوجاء على الصِّيام من مجازِ المشابهة، واستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ من لم يستطعِ الجماعَ فالمطلوب منه ترك التزويج؛ لأنَّه أرشدَه إلى ما ينافيه ويضعفُ دواعيهِ، وأطلق بعضُهم أنَّه يكره في حقِّه.

وقد قسَّم العلماء الرِّجال في التَّزويج إلى أقسام الأول التَّائق إليه القادر على مؤنه الخائفُ على نفسه، فهذا يندبُ له النِّكاح عند الجميع، وزاد الحنابلة في رواية أنَّه يجبُ،

ج 22 ص 220

وبذلك قال أبو عَوَانة الإسفرائيني من الشافعية، وصرَّح به في «صحيحه» ونقله المصِّيصي في «شرح مختصر الجويني» وجهًا، وهو قول داود وأتباعه، وردَّ عليهم القاضي عياض ومن تَبِعَه بوجهين

أحدهما أنَّ الآيةَ التي احتجُّوا بها خيرت بين النِّكاح والتَّسري؛ يعني قوله تعالى {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء 3] قالوا والتَّسري ليس واجبًا اتِّفاقًا، فيكون التَّزويجُ غيرَ واجبٍ إذ لا يقعُ التَّخيير بين واجبٍ ومندوبٍ وقد تقدَّم، وهذا الرَّد مُتَعَقَّب فإنَّ الذين قالوا بوجوبهِ قيَّدوه بما إذا لم يندفع التَّوقان بالتَّسري فإذا لم يندفع تعيَّن التزويج، وقد صرَّح بذلك ابن حزم، فقال وفَرْضٌ على كلِّ قادرٍ على الوطء إن وَجَدَ ما يتزوج به أو يتسرَّى أن يفعلَ أحدهما، فإن عَجزَ عن ذلك فليكثرْ من الصوم، وهو قول جماعةٍ من السلف.

الوجه الثاني أنَّ الواجبَ عندهم العقدُ لا الوطء، والعقدُ بمجرَّده لا يدفعُ مشقَّة التَّوَقان قال فما ذهبوا إليه لم يتناولْه الحديثُ، وما تناولَه الحديث لم يذهبوا إليه، كذا قال، وقد صرَّح أكثر المخالفين بوجوبِ الوطء فاندفعَ الإيراد.

وقال ابن بطَّال احتجَّ من لم يوجبْه بقوله صلى الله عليه وسلم (( ومن لم يستطع فعليهِ بالصَّوم ) )قال فلمَّا كان الصَّومُ الذي هو بدله ليس بواجب فمبدله مثله.

وتُعُقِّبَ بأنَّ الأمرَ بالصَّوم مرتَّبٌ على عَدَمِ الاستطاعة ولا استحالةَ أن يقول القائل أوجبت عليك كذا، فإن لم تستطع فأندبك إلى كذا، والمشهور عن أحمد أنَّه لا يجبُ على القادر التَّائق إلَّا إذا خشي العنتَ، وعلى هذه الرِّواية اقتصر ابنُ هبيرة.

وقال المازري الذي نطقَ به مذهب مالك أنَّه مندوبٌ، وقد يجب عندنا في حقِّ من لا ينكفُّ عن الزِّنا إلَّا به.

وقال القرطبي المستطيع الذي يخاف الضَّرر على نفسهِ ودينهِ من العزوبة بحيث لا يرتفعُ عنه ذلك إلَّا بالتَّزويج لا يُخْتَلَفُ في وجوبِ التَّزويجِ عليه، ونبَّه ابنُ الرَّفعة على صورة يجب فيها وهي ما إذا نذره حيث كان مستحبًا.

وقال ابنُ دقيق العيد قسَّم بعضُ الفقهاء النِّكاح إلى الأحكام الخمسة الوجوب، والنَّدب، والتَّحريم، والكراهة، والإباحة، وجعلَ الوجوب فيما إذا خافَ العَنَتَ

ج 22 ص 221

وقَدِرَ على النِّكاح إلَّا أنَّه لا يتعيَّن واجبًا بل إمَّا هو وإمَّا التَّسري، فإذا تَعَذَّر التَّسري تعيَّن النِّكاح حينئذٍ للوجوب، وكذا حكاهُ القرطبي عن بعض علمائهم وهو المازري قال بالوجوب في حقِّ من لا ينكفُّ عن الزِّنا إلَّا به كما تقدَّم، وجعل النَّدب فيما إذا حصل به معنى مقصود من كَسْرِ شهوةٍ وإعفافِ نفسٍ وتحصين فرجٍ ونحو ذلك. وقيل هو في حقِّ التَّائق يجدُ أهبته وجعل التَّحريم في حقِّ من يخل بالزَّوجية في الوطء والإنفاق مع عدم قدرتهِ عليه وتوقانه إليه، وجعلَ الكراهة في حقِّ مثل هذا حيث لا إضرارَ بالزَّوجة، فإن انقطعَ عن ذلك بشيءٍ من أفعال الطَّاعة من عبادة أو اشتغالٍ بالعلمِ اشتدت الكراهة، وقيل الكراهةُ فيما إذا كان في حال العزوبةِ أجمعَ منه في حال التَّزويج، وقيل الكراهة لعنِّين أو مَمْسُوحٍ وزَمِنٍ ولو واجدين مُؤَنَه، وعاجزٍ عن مُؤنه غيرِ تائقٍ له لانتفاءِ حاجته إليه مع التزام العاجز ما لا يقدرُ عليه، وخطر القيام له فيمن عداهُ، وجعل الإباحة فيما إذا انتفت الدَّواعي والموانع، ومنهم من استمرَّ بدعوى الاستحبابِ والنَّدب فيمن هذه صفته؛ للظَّواهر الواردة في الترغيب فيه.

وقال القاضي عياض هو مندوبٌ في حقِّ كلِّ من يُرجى منه النَّسل ولو لم يكن له في الوطء شهوة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( فإني مكاثرٌ بكم ) )ولظواهر الحضِّ على النِّكاح والأمر به، وكذا في حقِّ من له رغبة في نوعٍ من الاستمتاع بالنِّساء غير الوطء، فأمَّا من لا نَسْلَ له ولا أَرَبَ له في النِّساء، ولا في الاستمتاع فهو مباحٌ في حقِّه إذا علمت المرأة بذلك ورضيتْ، وقد يقال إنَّه مندوبٌ أيضًا لعموم قوله (( لا رهبانيةَ في الإسلام ) ).

وقال الغزالي في «الإحياء» من اجتمعتْ له فوائد النِّكاح وانتفت عنه آفاته فالمستحبُّ في حقِّه التَّزويج ومن لا فالتَّرك له أفضلُ، ومن تعارضَ الأمرُ في حقِّه فليجتهدْ ويعمل بالرَّاجح.

قال الحافظُ العسقلاني والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، فأمَّا حديث (( فإني مكاثرٌ بكم ) )فصحَّ من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ (( تزوَّجوا الودودَ الولود، فإني مكاثرٌ بكم يوم القيامة ) ). أخرجه ابن حبَّان، وذكره الشَّافعي بلاغًا عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( تناكحُوا تكاثروا فإني أباهِي بكم الأمم ) ).

وللبيهقيِّ من حديث أبي أمامة رضي الله عنه (( تزوَّجوا فإني مكاثرٌ بكم الأمم ولا تكونوا كرهبانية النَّصارى ) )وورد (( فإنِّي مكاثرُ بكم ) )أيضًا من حديث الصُّنَابِحيِّ بن الأعسر، ومَعْقِل بن يسار وسهلِ بن حُنيف وحَرْملة بن النُّعمان وعائشة وعياض بن غَنْم

ج 22 ص 222

وغيرهم.

وأمَّا حديث (( لا رهبانيةَ في الإسلام ) )فقال الحافظُ العسقلاني لم أره بهذا اللَّفظ، لكن في حديث سَعْد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه عند الطَّبراني (( إنَّ الله أبدلنَا بالرَّهبانية الحنيفيَّة السَّمحة ) ). وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما رفعه (( لا ضرورةَ في الإسلام ) )أخرجه أحمدُ وأبو داود وصحَّحه الحاكم، وفي الباب حديثُ النَّهي عن التَّبتل، وسيأتي في باب مفردٍ إن شاء الله تعالى [خ¦5073] .

وحديث (( مَنْ كان موسرًا فلم ينكح فليس منا ) )أخرجه الدَّارمي والبيهقي من حديث أبي نَجيحٍ وجزم بأنَّه مرسل، وقد أوردَه البغوي في «معجم الصَّحابة» ، وحديث طاوس قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لأبي الزَّوائد (( إنما يمنعُك من التَّزويجِ عجزٌ أو فجورٌ، أخرجه ابنُ أبي شيبة وغيره، وقد تقدَّم في الباب الأول الإشارة إلى حديث عائشة رضي الله عنها النِّكاح سنتي فمَن رغبَ عن سنَّتي فليس مني ) ). وأخرج الحاكم من حديث أنس رضي الله عنه رفعه (( من رزقَه الله امرأةً صالحةً فقد أعانه على شطرِ دينهِ فليتَّق الله في الشَّطر الثَّاني ) ).

وهذه الأحاديث وإن كان في كثيرٍ منها ضَعْفٌ فجموعُها يدلُّ على أنَّه لِمَا يحصل به المقصود من التَّرغيب في التَّزويج أصلًا، لكن في حقِّ من يتأتَّى منه النَّسل، كما تقدم، والله أعلم.

تتمة قال الشَّافعي رحمه الله في «الأم» بعد أن قال قال الله تعالى {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور 32] إلى قوله {يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور 32] الأمر في الكتاب والسُّنة يحتمل معاني أحدهما أن يكون الله حرَّم شيئًا ثمَّ أباحه وكان أمره إحلالُ ما حرَّم كقوله تعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة 2] وكقوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة 10] الآية وذلك أنَّه حرم الصَّيد على المُحْرِم ونهى عن البيع عند النِّداء، ثمَّ أباحهما في وقتٍ غير الذي حرمهما فيه، وكقوله تعالى {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} إلى {مَرِيئًا} [النساء 4] وقوله تعالى {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} [الحج 36] قال وأشباه ذلك كثيرةٌ في كتاب الله تعالى، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم وليس حتمًا أن يصطادوا إذا حلوا،

ج 22 ص 223

ولا أن ينتشروا لطلب التِّجارة إذا صلوا، ولا يأكل من صَداقِ امرأتهِ إذا طابتْ به عنه نفسًا، ولا يأكلوا من بُدُنِهم إذا نَحَروها، ويحتمل أن يكون دلَّهم على ما فيه رُشدهم بالنِّكاح لقوله تعالى {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور 32] فإنه يدلُّ على ما فيه سبب الغنى، كقوله صلى الله عليه وسلم (( سافروا تصحُّوا ) )انتهى.

وفي الحديث أيضًا إرشاد العاجز عن مؤن النِّكاح إلى الصَّوم؛ لأنَّ شهوة النِّكاح تابعة لشهوة الأكل تقوى بقوتها، وتضعفُ بضعفِها، واستدلَّ به الخطَّابي على جواز المعالجة لقطع شهوة النِّكاح بالأدوية، وحكاه البغوي في «شرح السنة» وينبغِي أن يحملَ على دواء يسكن الشَّهوة دون ما يقطعها أصالة؛ لأنَّه قد يقدر بعد فيندم لفوات ذلك في حقِّه، وقد صرَّح الشافعية بأنَّه لا يكسرها بالكافور ونحوه، والحجَّة فيه أنَّهم أجمعوا على منع الجب والإخصاء، فيلحق بذلك ما في معناه من التَّداوي بالقَطْع أصلًا.

واستدلَّ به الخطابي أيضًا على أنَّ المقصودَ من النِّكاح الوطء، ولهذا شُرِعَ الخيار في العنَّة، وفيه الحثُّ على غضِّ البَصَرِ وتحصينِ الفَرْجِ بكلِّ ممكنٍ، وعدم التَّكليف بما لا يُسْتطاع ويؤخذ منه أن حظوظَ النُّفوس والشَّهوات لا تقدم على أحكام الشَّرع، بل هي دائرةٌ معها.

واستنبطَ القرافي من قوله (( فإنَّه له وجاء ) )أنَّ التَّشريك في العبادة لا يقدحُ فيها بخلاف الرِّياء؛ لأنَّه أمر بالصَّوم الذي هو قربةٌ، وهو بهذا القصد صحيح مثابٌ عليه، ومع ذلك فأرشدَ إليه لتحصيل غضِّ البصر وكفِّ الفرج عن الوقوع في المحرم. انتهى.

وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّه إنْ أرادَ تشريك عبادةٍ بعبادةٍ أخرى فهو كذلك، وليس محلَّ النِّزاع، وإن أراد تشريك العبادة بأمرٍ مباح فليس في الحديث ما يساعدُه، واستدلَّ به بعضُ المالكية على تحريم الاستمناء؛ لأنَّه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصَّوم الذي يقطع الشَّهوة، فلو كان الاستمناء مباحًا لكان الإرشاد إليه أسهلَ، وقد ذكر الحنفيَّة

ج 22 ص 224

أنَّه يُباح عند العجز لأجل تسكين الشَّهوة، ثم في قول عثمان رضي الله عنه لابن مسعود رضي الله عنه ألا نزوِّجك شابة، استحباب نكاحِ الشَّابة ولاسيَّما إذا كانت بِكْرًا فإنها ألذُّ استمتاعًا، وأطيبُ نكهةً، وأحسن عِشْرةً، وأفْكَه محادثةً، وأجْمَلُ منظرًا، وألينُ مَلْمَسًا، وأقرب إلى أن يعوِّدها الزوجُ الأخلاق التي يرتضيها، وسيأتي بسطُ القول فيه بَعْدَ أبوابٍ [خ¦5080] إن شاء الله تعالى، وفيه استحبابُ الإسرار بمثله، وقد مضى الحديثُ في كتاب الصَّوم، في باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة [خ¦1905] ، ومطابقتُه للترجمة ظاهرةٌ.

[1] في هامش الأصل أي ظننت.

[2] في هامش الأصل نسخة صحيحة على الوطء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت