فهرس الكتاب

الصفحة 7505 من 11127

5070 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، الحجازي، قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ) بالإفراد فيهما، ولفظُ إنما ساقطٌ هنا، والباء في بالنِّية للإلصاق؛ لأنَّ كلَّ عَمَلٍ يلصقُ به بالنية، أو للسببية بمعنى أنَّها مقوِّمة للعمل فكأنَّها سبب في إيجادهِ، والتَّقدير أنَّ ثواب العمل أو صحَّته بالنِّية على اختلاف المذهبين، وقد سبقَ تحقيقُه في أوَّل الكتاب [خ¦1] .

(وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ) رجل أو امرأة (مَا نَوَى) وهذه الجملة مؤكِّدة للسابقة، وقيل هي مفيدةٌ غير ما أفادته الأولى لأنَّ الأولى؛ سيقتْ لبيان أنَّ العمل يتبع النية ويُصاحبها فيترتَّب الحكم على ذلك، والثانية لإفادة أنَّ العامل لا يحصل له إلَّا ما نواه.

وقال ابنُ عبد السلام الأُولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانيةُ لبيان ما يترتَّب عليها، وإفادة أنَّ النيَّة إنما تشترط في العبادات التي لا تتميَّز بنفسها، وأمَّا ما يتميَّز بنفسه، فإنه ينصرفُ بصورته إلى ما وُضِعَ له كالأذكار والأدعية والتِّلاوة؛ لأنَّها لا تتردَّد بين العبادة والعادة، ولا يخفى أنَّ ذلك إنما هو بالنَّظر إلى أصل الوضع، أمَّا ما حدث فيه عرف كالتَّسبيح لمتعجب فلا، ومع ذلك فلو قصدَ بالذِّكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابًا، ولذا قال في «الأحياء» حركة اللِّسان بالذِّكر مع الغفلةِ عنه تُحَصِّلُ الثواب؛

ج 22 ص 232

لأنَّها خيرٌ من حَرَكَةِ اللِّسان بالغيبة بل خَيْرٌ من السُّكوت مطلقًا؛ أي مجرَّدًا عن التَّفكر، قال وإنما هي ناقصة بالنَّسبة إلى عَمَلِ القَلْب.

(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي إلى طاعة الله وعبادتهِ من مكَّة إلى المدينة قبل الفتح (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) جواب الشَّرط، وجواب الشَّرط إذا كان جملة اسميَّة، فلا بدَّ من الفاء أو إذا كقوله تعالى {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم 36] والفاء في جواب الشَّرط إمَّا للسببية أو للتَّعقيب. وظاهر هذا الكلام اتِّحاد الشَّرط والجزاء، والشَّرط اختلافهما نحو من أطاعَ الله أُثيب، ومن عصاهُ عُوقب؛ إذ اتحادُهما غيرُ مُفِيْدٍ. فقال ابنُ دقيق العيد إنَّ التَّقديرَ فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله نيَّةً وقصدًا فهجرتُه إلى الله ورسوله أجرًا وثوابًا أو حُكْمًا وشَرْعًا.

قال ابنُ مالك من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة رضي الله عنه (( ولو متَّ متَّ على غيرِ الفِطرة ) )ومنه قوله تعالى {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء 7] فلولا قوله في الأُولى على غير الفطرة، وفي الثَّاني {لأنفسكم} ما صحَّ، ولم يكن في الكلام فائدة.

وقال في «العدة» وإعراب قصد أو نيَّة، يصحُّ أن يكون خبر كان؛ أي ذات قصدٍ ونيَّة ويتعلَّق إلى بالمصدر، ويصحُّ أن يكون (( إلى الله ) )الخبر و (قصدًا) مصدرًا في موضع الحال، وأمَّا قوله أجرًا وثوبًا فلا يصحُّ فيه إلَّا الحال من الضَّمير في الجزاء. انتهى.

وأعاد المجرور ظاهرًا لا مضمرًا بأن يقول فهجرته إليهما، ولم يذكره أيضًا بلفظ الموصول كالَّذي بعدَه لقصد الاستلذاذ بذكرِ الله ورسوله بخلاف الدُّنيا والمرأة؛ فإنَّ الاحتقارَ والإبهامَ فيهما أولى.

(وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا) يحصلها، استعارة من إصابة الغرضِ، والدُّنيا عند المتكلِّمين ما على الأرض والهواء، والأظهر أنَّها كلُّ مخلوقٍ من الجواهر، والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة، والمراد بها في الحديث المال ونحوه بقرينةِ ذِكْرِ المرأة في قوله

(أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا) وفي رواية وإفرادُها بعد دخولها في لفظِ دنيا من باب ذكر الخاصِّ بعد العام؛ لأنَّ ورود الحديث في قصَّة المهاجر لتزويج

ج 22 ص 233

امرأة، فذُكِرَتِ الدنيا مع القصَّة زيادة في التَّحذير، وروى تلك القصَّة سعيد بن منصور، بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين قال

حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سفيان، عن عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قال (( من هاجرَ يبتغِي شيئًا فإنَّما له ذلك ) )هاجرَ رجلٌ لتزوج امرأة يقال لها أم قيس، فكان يقال لها مهاجر أم قيس، وفي الحديث على ما قالوا ردٌّ على ابن مالك حيث زعم في «شرح عمدته» أن عطفّ الخاصِّ على العام لا يكون إلَّا بالواو.

(فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) من الدنيا والمرأة حكمًا وشرعًا كما مرَّ، أو الخبر محذوف، والتَّقدير فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه غيرُ صحيحة أو قبيحةٌ غير مقبولة، أو لا نصيبَ له في الآخرة. فإن قيل من ينوي بهجرتهِ مفارقةَ دار الكفر، وتَزَوُّجَ امرأةٍ معًا، فالظَّاهر أنَّها لا تكون قبيحة، ولا غير صحيحة، غاية ما في الباب أنَّها تكون ناقصة بالنَّسبة إلى من كانت هجرته خالصة، وكذا من طلب التَّزويج فقط؛ لأنَّه من الأمر المباح الذي قد يثاب عليه فاعله إذا قصدَ به القربة كالإعفاف، كما وقع في قصَّة إسلام أبي طلحة المروية عند النَّسائي عن أنس رضي الله عنه قال (( تزوَّج أبو طلحة أمَّ سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أمُّ سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت إني أسلمتُ فإن أسلمتَ تزوَّجتك فأسلم فتزوجته ) ).

فالجواب أنَّه محمولٌ على ما لم يكن فيه قصد قربة أصلًا، أو على تنزيل ما لم يكن خالصًا لله تعالى منزلة غير الصَّحيح أو القبيح المذموم.

وقال الحافظُ العسقلاني إسلامُ أبي طلحة محمولٌ على أنَّه رغبَ في الإسلام، ودَخَلَه من وجهه وضمَّ إلى ذلك إرادة التَّزويج المباح، فصار كمن يرى بصومهِ العبادة والحَمِية، وإذا نوى العبادة وخالطها شيءٌ ممَّا يُغاير الإخلاص فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطَّبري عن جمهور السَّلف أنَّ الاعتبارَ بالابتداء، فإن كان في ابتدائه خالصًا لله تعالى لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجابٍ وغيره، والله تعالى أعلم.

وقد مرَّ الحديثُ في أوَّل الكتاب [خ¦1] ، ومطابقتُه للترجمة ظاهرةٌ.

ج 22 ص 234

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت