453 - (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بنُ نَافِعٍ) البَهراني _ بفتح الموحدة _ الحمصي، وقد سقط في رواية الأَصيلي لفظ (قَالَ أَخْبَرنَا شُعَيبٌ) هو ابن أبي حمزة _ بالمهملة والزاي _ الأموي، واسم أبي حمزة دينار الحمصي (عَن الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بفتح اللام، عبد الله أو إسماعيل (ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهري المدني، وعند المؤلف في بدء الخلق [خ¦3212] من طريق سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، فقال عن سعيد بن المسيب بدل أبي سلمة، وهو غير قادحٍ؛ لأنَّ الراجح أنَّه عنده عنهما معًا، فكان يحدِّث به تارةً عن هذا، وتارةً عن ذاك.
(أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ) بن المنذر بن حَرَام _ بفتح المهملة والراء _ (الأَنْصَارِيَّ) المدني، شاعر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من فحول شعراء الإسلام والجاهليَّة، وعاش هو وآباؤه كل واحد منهم مائة وعشرين سنة.
وقال أبو نُعيم لا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلبٍ واحدٍ اتَّفقت أعمارهم هذا القدر غيرهم، وعاش حسان في الجاهلية ستين، وفي الإسلام ستين، ومات سنة خمسين بالمدينة.
ولفظ «حسان» إن كان من الحُسْنِ فهو منصرف، وإن كان من الحسِّ فهو غير منصرف، ونظيره لفظ «حيَّان» ، إن كان من الحين فهو منصرف، وإن كان من الحياة فغير منصرف. ولفظ «عفَّان» ، إن كان من العفَّة فغير منصرف، وإن كان من العفن فمنصرف، ومن اللَّطائف فيه ما قيل إن مدحتَه لم تصرفه، وإن ذممتَه صرفته.
(يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ)
ج 3 ص 295
رضي الله عنه؛ أي يطلب منه الشهادة؛ أي الإخبار، فأطلق عليه الشَّهادة تجوزًا، مبالغة في تقوية الخبر، على أنَّ هذه رواية حكم شرعي، يكفي فيها عدل واحد، كما بيِّن ذلك في موضعه (أَنْشُدُكَ اللَّهَ) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة، ونصب اسم الجلالة، معناه سألتك بالله، قال الجوهري نشدتُ فلانًا أنشدُه نشْدًا، إذا قلتَ له نشدتك الله؛ أي سألتك بالله، كأنَّك ذكَّرته إياه، فنشد؛ أي تذكر، وقال ابنُ الأثير يقال نشدتك الله وبالله، وأنشدتك الله، وناشدتك الله؛ أي سألتك بالله، وأقسمتُ عليه، وتعديته إلى مفعولين؛ إمَّا لأنَّه بمنزلة دعوت، حيث قالوا نشدتك الله وبالله، كما قالوا دعوت زيدًا وبزيد، أو لأنهم ضمَّنوه معنى ذكَّرت، فأمَّا أنشدتك بالله فخطأ.
(هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَا حَسَّانُ؛ أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي سعيد (( أجب عني ) )، ومعنى الأول أجب الكفَّار عن جهة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو المعنى ادفعْ عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مجيبًا، أو أجب دافعًا عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثمَّ يحتمل أن يكون الأصل رواية أبي سعيد، وهي (( أجب عني ) )، ثم نقل حسان رضي الله عنه ذلك بالمعنى، فقال عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تعظيمًا له، ويحتملُ أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال كذلك تربية للمهابة، وتقوية للمأمور، كما قال تعالى {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران 159] ، وكما يقول الخليفة أمير المؤمنين يرسم لك؛ لأنَّ فيه تربية للمهابة وتقوية، بخلاف قوله أنا أرسم، ثم المراد بالإجابة الرد على الكفَّار، الذين هجوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه.
(اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ) هذا دعاء من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحسان رضي الله عنه، دعا له بالتَّأييد والتَّقوية على الكفار (بِرُوحِ الْقُدسِ) جبريل عليه السلام، يدلُّ عليه ما رواه البخاري أيضًا من حديث البراء رضي الله عنه بلفظ (( وجبريل معك ) ) [خ¦3213] ، والقُدْس بضم القاف والدال ويجوز إسكان الدال، بمعنى الطُّهر، وسمي جبريل عليه السلام بذلك؛ لأنه خُلِق من الطُّهْر، وقال كعب القدس الرَّب عزَّ وجل، ومعنى روح القدس روح الله، وإنما سمي بالروح؛ لأنَّه يأتي بالبيان عن الله تعالى، فيحيي به الأرواح، وقيل معنى القدس البركة.
ومن أسماء الله تعالى القدوس؛ أي الطَّاهر، المنزَّه عن العيوب والنقائص، ومنه الأرض
ج 3 ص 296
المقدسة وبيت المقدس؛ لأنَّه الموضع الذي يتقدَّس فيه؛ أي يُتطهَّر فيه من الذُّنوب.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (نَعَمْ) سمعته يقول ذلك، وليس في حديث الباب أنَّ حسَّان أنشد شعرًا في المسجد بحضرة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحينئذٍ فلا تطابقَ بينه وبين التَّرجمة، ولكنَّ المؤلِّف رحمه الله روى هذا الحديث في بدء الخلق [خ¦3212] ، وفيه التَّصريح، فإنَّه كان في المسجد، حيث قال حدَّثنا علي بن عبد الله، نا سفيان، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيب، قال مرَّ عمر رضي الله عنه في المسجد، وحسَّان ينشد، فلحظ إليه؛ أي فزجره، فقال كنت أنشد فيه، وفيه من هو خيرٌ منك، ثمَّ التفت إلى أبي هريرة، فقال أنشدك بالله هل سمعتَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول (( أجبْ عني، اللَّهمَّ أيدِّه بروح القدس ) )قال نعم، وهما حديث واحد، ويقال إنَّ الشِّعر المشتمل على الحق مقبول بدليل دعاء النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحسَّان على شعره، فإذا كان كذلك لا يُمنع في المسجد، كسائر الكلام المقبول.
ومرادُ البخاريِّ رحمه الله في وضع هذه التَّرجمة، هو الإشارة إلى جواز إنشاد الشعر المقبول في المسجد، والحديثُ يدلُّ على هذا بهذا الوجه، فيحصل التَّطابق بين الحديث والتَّرجمة لا محالة، والوجه الأول أليقُ بتصرف البخاري، وبذلك جزم المَازري، وقال إنما اختصر البخاري القصَّة لاشتهارها، ولكونه ذكرها في موضع آخر، ثمَّ إن رواية سعيد لهذه القصة عندهم مرسلة؛ لأنَّه لم يدرك زمن المرور، لكن يحمل على أنَّ سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعدُ، أو من حسَّان، أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرَّة أخرى، فحضر ذلك سعيد.
ويقوِّيه سياق حديث الباب، فإنَّ فيه أنَّ أبا سلمة سمع حسَّان يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يدرك زمن مرور عمر أيضًا، فإنَّه أصغر من سعيد، فدلَّ على تعدُّد الاستشهاد.
ويجوز أن يكون التفاتُ حسان إلى أبي هريرة واستشهاده، إنَّما وقع متأخرًا؛ لأنَّ ثمَّ لا تدل على الفورية، والأصل عدم التعدُّد، وغايته أن يكون سعيدًا أرسل قصَّة المرور، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسَّان لأبي هريرة رضي الله عنهما، وهو المقصود، وهو مرفوعٌ موصول بلا تردد.
ومن فوائد الحديث أنَّ الشِعر الحقَّ لا يَحْرُم في المسجد، والذي يَحْرُم فيه ما فيه الخَنَا والزور والكلام السَّاقط، يدلُّ عليه ما رواه الترمذي مصححًا، من حديث عائشة رضي الله عنها
ج 3 ص 297
(( كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينصب لحسان رضي الله عنه منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، ويهجو الكفار ) ).
فإن قيل روى ابن خُزيمة في (( صحيحه ) )، والترمذي وحسَّنه من طريق عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (( نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تناشد الأشعار في المساجد ) )، وإسناده إلى عَمرو صحيح، فمن يصحِّح نسخته يصحِّح حديثه [1] .
وروى أبو داود من حديث صدقة بن خالد، عن حكيمِ بن حزام مرفوعًا نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُستقاد في المسجد، وأن ينشدَ فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود.
وروى عبد الرَّزاق في (( مصنَّفه ) )من حديث ابن المنكدر، عن أَسِيد بن عبد الرَّحمن أنَّ شاعرًا جاء للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو في المسجد، قال أنشدك الله يا رسول الله، قال لا، قال بلى، فقال له النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاخرج من المسجد، فخرج، فأنشده، فأعطاه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثوبًا، وقال (( هذا بدل ما مدحتَ به ربَّك ) ).
فالجواب أنَّ في إسناد كلِّ منها مقالًا، وعلى تقدير صحَّة الإسناد، يمكن الجمع بينها وبين حديث الباب، بأنَّ النهي يُحمل على تناشد أشعار الجاهليَّة والمُبْطِلين، فأمَّا أشعار الإسلام والمحقِّين فواسع غير محظور.
وقد اختلف العلماء في جواز إنشاد الشِّعر مطلقًا، فقال الشعبي وعامر بن سعد البَجَلي ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيِّب والقاسم والثَّوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء، ولا ثَلب عِرْض أحدٍ من المسلمين، ولا فُحْشٍ.
وقال مسروق بن الأجدع وإبراهيم النَّخعي وسالم بن عبد الله والحسن البصري وعَمرو بن شعيب تكره رواية الشعر وإنشاده.
واحتجُّوا في ذلك بحديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لأن يمتلئ جوف أحدكُم قيحًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا ) )، رواه ابن أبي شيبة والبزَّار والطَّحاوي، وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يَرِيه، خير من أن يمتلئ شعرًا ) )، وقوله (( قيحًا ) )نصب على التَّمييز، وهو الصَّديد الذي يسيل من الدمَّل والجرح، وقوله (( حتى يريه ) )من الوَرْي، وهو الدَّاء، يقال وُرِيَ يُورَى، فهو مَوْرِيٌّ، إذا أصاب جوفه الدَّاء، وقال الجوهري ورى جوفَه القيحُ يَرِيَه وَرْيًا، أكلَه وقال قوم معناه حتى يُصيب رئتَه.
وأجاب الأولون عن هذا، وقالوا إنما هذه الأحاديث وردت
ج 3 ص 298
على خاصٍّ من الشعر، وهو ما يكون فيه فُحْشٌ وخَنا.
وقال البيهقي عن الشعبي المراد به الشِّعر الذي هُجي به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال أبو عُبيد فيه نظر؛ لأنَّ ما هجي به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لو كان شطر بيت، لكان كفرًا، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه، حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن والذِّكر، وقيل فيما قاله أبو عبيد نظر؛ لأنَّ الذين هجوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا كفَّارًا، وهم في حال هجوهم موصوفون بالكفر، من غير هجو، غاية ما في الباب قد زاد كفرهم وطُغيانهم بهجوهم، والذي قاله الشَّعبي أوجه.
هذا، وقال الطَّحاوي قال قوم لو كان أريد بذلك ما هجي به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الشعر، لم يكن لذلك الامتلاءِ معنى؛ لأنَّ قليل ذلك وكثيره كفر، وذكر الامتلاء يدل على معنى في الامتلاء، ليس فيما دونه، قالوا فهو عندنا محمول على الشعر الذي يملأ الجوف، فلا يكون فيه قرآن ولا تسبيح ولا غير ذلك، فأمَّا من كان في جوفه القرآن والشعر مع ذلك، فليس ممَّن امتلأ جوفه شعرًا، فهو خارج من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا يريه، خير من أن يمتلئ شِعرًا ) ).
وقال أبو عبد الملك كان حسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا لعب الحَبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلمَّا كَمُل الإسلام زال ذاك كله.
هذا؛ وهو يشير بذلك إلى النَّسخ، ولم يوافقه أحدٌ على ذلك.
هذا؛ ومن فوائد الحديث أيضًا جواز الانتصار من الكفَّار، قال العلماء ينبغي أن لا يبدأ المسلمون بِسبِّ الكفَّار، مخافة سبِّهم الإسلام وأهله، قال الله تعالى {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام 108] ، ولتنزيه السُنَّة المسلمين عن الفحش والخنا، إلَّا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، كابتدائهم به، فيكفَّ أذاهم ونحوه، كما فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومنها استحباب الدُّعاء لمن قال شعرًا حسنًا، مثل قصَّة حسان رضي الله عنه، ومنها الدَّلالة على فضيلة حسَّان رضي الله عنه، ثمَّ إنَّ هذا الحديث أخرجه المؤلِّف في بدء الخلق أيضًا [خ¦3212] .
وأخرجه أبو داود في «الأدب» ، والنسائي في «الصلاة» وفي «اليوم والليلة» .
[1] في هامش الأصل قوله فمن يصحح ... إلخ إشارة إلى ردِّ من يقول أنه صحيفة حتى قال ابن حزم لا يصح هذا. منه.