5083 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) أي ابن زياد، قال (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ صَالِحٍ) أي ابن سلم بن حيَّان، وهو الذي يَروي عن الشَّعبيِّ في كتاب العلم وقد نَسَبه هنالك إلى جدِّ أبيه حيَّان، فقال صالح بن حيان، وليس هو بصالح بن حيَّان القرشي الكوفي الذي يُحدِّث عن أبي وائل وأبي بردة، ويَرْوِي عنه يَعلى بنُ عُبيد ومروانُ بن معاوية (الْهَمْدَانِيُّ) بسكون الميم، قال (حَدَّثَنَا) ويروى بالإفراد (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل
ج 22 ص 260
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ) أي أَمَةٌ، وأصلُها ما وُلِدَ من الإماء في ملك الرَّجل، ثمَّ أُطْلِقَ على كلِّ أَمَّة (فَعَلَّمَهَا) أي ما يجبُ تعليمها [1] من الدِّين (فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا وَأَدَّبَهَا) لتتخلَّق بالأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) برفقٍ ولطف من غير عُنْفٍ (ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا) بأن أصدقَها (فَلَهُ أَجْرَانِ) أجرُ العتقِ، وأجر التَّزوج (وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي التَّوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط على القول بأنَّ النَّصرانيةَ ناسخةٌ لليهودية (آمَنَ بِنَبِيِّهِ) قال الدَّاودي يعني كان على دين عيسى، وأمَّا اليهودُ وكثيرٌ من النَّصارى فليسوا من ذلك؛ لأنَّه لا يجازي على الكفر بالخير.
قال في (( المصابيح ) )وهذا ظاهرٌ من الحديث؛ فإنَّ اليهودَ الذين بقوا على يهوديَّتهم بعدَ إرسالِ عيسى عليه السَّلام لا يصدقُ عليهم أنهم آمنوا بنبيِّهم، قال فإذن هاتان الطَّائفتان خارجتان عن مَعنى الحديث، فليُتَأمل.
(وَآمَنَ بِي) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (فَلَهُ أَجْرَانِ. وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ مَوَالِيهِ) بلفظ الجَمْع ليدخل ما كان مشتركًا بين موالي، والمراد من حقِّهم خدمتِهم (وَحَقَّ رَبِّهِ) تعالى كالصَّلاة والصوم (فَلَهُ أَجْرَانِ) وقد مرَّ الحديث والكلام فيه في العلم [خ¦97] ، والجهاد [خ¦3011] (قَالَ الشَّعْبِيُّ) أي لصالح بن صالح المذكور في إسناد الحديث، أو لرجل من أهل خراسان، ففي رواية هُشيم، عن صالح المذكور، قال رأيتُ رجلًا من أهل خراسان سأل الشَّعبي، قال إنَّ من قبلنا يقولون في الرجل إذا أعتقَ أمته ثمَّ تزوَّجها فهو كالرَّاكب بدنته. وقال الشَّعبي، فذكر الحديث إلى أن قال له
(خُذْهَا) أي هذه المسألة، أو هذه المقالة (بِغَيْرِ شَيْءٍ) أي من أجره بل بثواب التَّعليم؛ يعني خذها مجانًا بدون أَخْذِ مالٍ منك على جهة الأُجرةِ، وإلَّا فلا شيءَ أعظمُ من الأَجْرِ الأُخروي الذي هو
ج 22 ص 261
ثوابُ التَّبليغ والتَّعليم.
(قَدْ كَانَ الرَّجُلُ) يعني إنِّي أَعْطَيتُك هذه المسألةَ بغيرِ شيءٍ، وقد كان الرَّجُل (يَرْحَلُ) أي يسافر (فِيمَا دُونَهُ) أي فيما دون المذكور، وفي رواية أبي ذرٍّ أي المسألة المذكورة (إِلَى الْمَدِينَةِ) أي النَّبوية فاللام فيها للعهد، ولفظه في كتاب العلم [خ¦97] قال عامر (( أعطيناكها بغير شيءٍ؛ قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة ) ).
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) بسكون الكاف، شعبةُ بن عيَّاش، بالتحتية، راوي عاصم أحد القراء، وقيل اسمه سالم، والثابت هو الأول (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح المهملة وكسر الصاد المهملة، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الحديث، وقال فيه (أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَصْدَقَهَا) فصرَّح بثبوت الصَّداق هنا بخلاف الرِّواية السابقة، فإنَّ ظاهرها أن يكون العتق نفس المهر، كما وقع في صفة صفية، كما سيأتي في الباب الذي بعده.
وهذا التَّعليق وَصَلَه أبو داود الطَّيالسي في (( مسنده ) )فقال حدَّثنا أبو بكر الخيَّاط، فذكره بإسناده بلفظ (( إذا أعتق الرَّجلُ أمتَهُ ثمَّ أمهرَهَا مَهْرًا جديدًا كان له أجران ) ). وأبو بكر الخيَّاط هو أبو بكر بن عيَّاش المذكور، فكأنَّه كان يتعاطَى الخياطةَ في وقت، وهو أحدُ الحفَّاظ المشهورين في الحديث والقراء المذكورين في القراءات، وقد احتجَّ به البخاريُّ ووَصَلَه من طريقه الحسنُ بن سفيان وأبو بكر البزَّار في (( مسنديهما ) )عنه.
وأخرجَه الإسماعيليُّ عن الحسن ولفظهُ عنده (( ثمَّ تزوَّجها بمهرٍ جديد ) )، وكذا أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحمَّاني في (( مسنده ) )عن أبي بكر بهذا اللَّفظ، ولم يقعْ لابن حزمٍ إلَّا من رواية الحمَّاني فضعف هذه الزِّيادة به، ولم يُصِبْ.
وذكر أبو نُعيم أنَّ أبا بكر تفرَّد بها عن أبي حَصين، وذكر الإسماعيليُّ أنَّ فيه اضطرابًا على أبي بكر بن عيَّاش كأنَّه عنى في سياق المتن لا في الإسناد، وليس ذلك الاختلافُ اضطرابًا؛ لأنَّه يرجعُ إلى معنى واحدٍ وهو ذِكْرُ المهرِ، واستُدِلَّ به على أن عتقَ الأمةَ لا يكون نفس الصَّداق، ولا دَلالة فيه، بل هو شرط لما يترتب عليه الأجران المذكوران، وليس قيدًا في الجواز، ثمَّ هذا الإسناد وقع مسلسلًا بالكُنى، وكلُّهم كوفيون.
وقال الكرمانيُّ وفي بعض الرِّواية عن أبي بُردة، عن أبيه، عن أبي موسى، وهو سهوٌ، بل هو غلطٌ ظاهر.
ثمَّ إنَّ مطابقةَ هذا الحديثِ للجُزءِ الثاني من الترجمة ظاهرةٌ.
تتميم قد ذُكِرَ في هذا الحديث ممَّن يُضَعَّفُ له الأجر مرَّتين ثلاثةُ أصناف متزوِّجُ الأمة بعد عتقها، ومؤمنُ أهلِ الكتاب، والمملوكُ الذي يُؤدي حقَّ الله وحقَّ مواليه، ووقع في حديث أبي أمامة رضي الله عنه رَفَعَه عند الطَّبراني (( أربعةٌ يؤتون أجرهُم مرَّتين ) )فذكر الثَّلاثة كالذي هنا وزادَ أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وتقدَّم في التَّفسير حديثُ الماهر بالقرآن والذي يقرأ وهو عليه شاق [خ¦4937] ،
ج 22 ص 262
وحديث زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنه في التي تَتَصَدَّقُ على قريبها لها أجران أجرُ الصَّدقة وأجرُ الصِّلة، وقد تقدم في الزكاة [خ¦1466] . وحديث عَمرو بن العاص رضي الله عنه في الحاكم (( إذا أصابَ له أجران ) )وسيأتي في الأحكام [خ¦7352] . وحديث جرير (( من سنَّ سنةً حسنة ) ). وحديث أبي هريرة رضي الله عنه (( من دَعا إلى هُدى ) ). وحديث أبي مسعود (( من دلَّ على خيرٍ ) )، والثَّلاثة بمعنى وهي في (( الصحيحين ) )، ومن ذلك حديث أبي سعيد رضي الله عنه في الذي تيمَّم ثمَّ وجدَ الماءَ فأعادَ الصَّلاة فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لك الأجرُ مرَّتين ) )أخرجه أبو داود.
وقد يحصلُ بمزيد التَّتبع أكثرُ من ذلك، وكلُّ هذا دليلٌ على أن لا مفهوم للعدد المذكور في حديث أبي موسى رضي الله عنه، وفيه دليلٌ على مزيدِ فضل من أعتقَ أمته ثمَّ تزوَّجها؛ سواء أعتقَها ابتداءً لله أو لسبب، وقد بالغَ قومٌ فكرهوه، وكأنَّهم لم يبلغهم هذا الخبر، فقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يقول ذلك، وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر رضي الله عنهما مثلَه، وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن أنس رضي الله عنه أنَّه سُئل عنه فقال (( إذا أعتقَ أمةً لله فلا يعودُ فيها ) ).
ومن طريق سعيد بن المسيَّب وإبراهيم النَّخعي إنَّهما كرها ذلك، وأخرج أيضًا من طريق عطاء والحسن أنَّهما كانا لا يريان بذلك بأسًا، والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل في نسخة تعليمه.