فهرس الكتاب

الصفحة 7529 من 11127

5086 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلاني، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي ابن زيد (عَنْ ثَابِتٍ) البناني

ج 22 ص 267

(وَشُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ) بفتح الحاء المهملتين وسكون الموحَّدة الأولى، البصري كلاهما (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ) بنت حيي بن أخطب (وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا) واحتجَّتِْ الطَّائفةُ الأولى أعني سعيدَ بن المسيَّب والحسنَ البصري ومن معهما بهذا الحديث فيما ذهبوا إليه، وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبةٍ أقربُها إلى لفظ الحديث أنَّه أعتقها بشرطِ أن يتزوَّجها فوجبَ له عليها قيمتُها وكانت معلومة فتزوَّجها بها. ولكن في رواية عبد العزيز بن صُهيب سمعتُ أنسًا رضي الله عنه، قال (( سبى النَّبي صلى الله عليه وسلم صفيَّة فأعتقَهَا وتزوَّجها، فقال ثابت لأنس ما أصدقَهَا؟ قال نفسَهَا فأعتقَهَا ) )، هكذا أخرجه المصنِّف في المغازي [خ¦4201] . وفي رواية حماد، عن ثابت وعبد العزيز، عن أنس رضي الله عنه في حديث قال (( وصارت صفيَّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ تزوَّجها وجعلَ عتقَهَا صَدَاقها، فقال عبدُ العزيز لثابت يا أبا محمد أنت سألتَ أنسًا ما أمْهَرَها؟ قال أمهرَهَا نفسَهَا، فتبسَّم ) )، فهو ظاهرٌ جدًا في أنَّ المَجْعُول مهرًا هو نفسُ العقد. وقد تمسَّك بظاهرهِ أبو يوسف وأحمد، وقالا إذا أعتق أمتَهَ على أن يجعلَ عتقها صَدَاقها صحَّ العقد والعتق والمهر.

ولقائل أن يقول لا منافرة بين حديث أنسٍ هذا، وبين التَّأويل المذكور؛ لأنَّه يحتمل أن يكون أنس لم يعلم أنَّه ساق لها صَداقًا، فقال أصدقها نفسها؛ أي لم يُصْدِقها شيئًا فيما أعلم، ولم يَنْفِ أصْلَ الصَّداق، ومن ثمَّة قال أبو الطَّيب الطَّبري من الشَّافعية وابن المرابط من المالكيَّة ومن تبعهما إنَّه قولُ أنس، قاله ظنًّا من قِبَل نَفْسِه ولم يَرفَعْه.

وربَّما تأيَّد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقيُّ من حديث القواريري حدَّثتنا عليلة بنت الكُمَيت عن أمِّها أميمة بنت رزينة عن أمِّها رزينة، قالت (( لما كان يوم قُرَيظة والنَّضير جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفيَّة يقودها سبيَّة [حتى] فتح اللهُ عليه وذراعها في يدهِ فأعتقَها

ج 22 ص 268

وخطبَها وتزوَّجها وأمهرها رُزَيْنَة )) .

ورُزَيْنَة بضم الراء وفتح الزاي وسكون التحتية، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا لا يقوم حجَّة لضَعْفِ إسنادهِ، وقد يُعارضُه ما أخرجَه الطَّبراني وأبو الشَّيخ من حديث صفيَّة نفسِها، قالت (( أعتقنِي النَّبي صلى الله عليه وسلم وجعلَ عتقِي صَدَاقي ) ).

ومن الأجوبة هنا أنَّه من خصائصِهِ صلى الله عليه وسلم وليس لغيرهِ أن يفعلَ ذلك، وممَّن جزمَ بذلك الماورديُّ ويحيى بنُ أكثم، ونقله المزنيُّ عن الشَّافعي، قال وموضع الخصوصيَّة أنه أعتقها مطلقًا وتزوَّجها بغير مَهْرٍ ولا ولي ولا شهودِ، وقيل يحتمل أنَّه أعتقها بشرط أن ينكحَها بغير مهرٍ فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاصٌّ بالنَّبي صلى الله عليه وسلم أيضًا، وقيل يحتمل أنَّه أعتقَها بغير عوضٍ وتزوَّجها بغير مهرٍ في الحال ولا في المآل.

قال ابن الصَّلاح معناه أنَّ العتق حلَّ محل الصَّداق وإن لم يكن صداقًا، قال وهذا كقولهم الجوع زادُ من لا زادَ له. قال وهذا الوجْهُ أصحُّ الأوجه وأقربُها إلى لفْظِ الحديث، وتبعه النَّووي في (( الروضة ) ). قال الحافظُ العسقلاني ومن المستغربات قول التِّرمذي بعد أن أخرج الحديث وهو قول الشَّافعي وأحمد وإسحاق قال وكَرِهَ بعضُ أهل العلم أن يجعلَ عتقها صداقها حتى يجعلَ لها مهرًا سوى العتق، والقول الأوَّلُ أصحُّ.

وكذا نقل ابنُ حزم عن الشَّافعي، والمعروفُ عند الشَّافعية أنَّ ذلك لا يصحُّ لكن لعلَّ مراد من نقلَه عنه صورة الاحتمال الأوَّل، ولاسيَّما نَصَّ الشَّافعيُّ على أنَّ من أعتقَ أمتَه على أن يتزوَّجها فقَبِلَتْ عَتَقَتْ، ولم يلزمها أن تتزوَّج به، لكن يلزمها له قيمتها؛ لأنَّه لم يرض بعتقها مجانًا فصار كسائر الشُّروط الفاسدة فإن رضيتْ وتزوَّجت على مهر يتَّفقان عليه كان لها ذلك المسمَّى وعليها له قيمتها فإن اتَّحدا تقاصَّا، وممَّن قال بقول أحمد من الشَّافعية ابنُ حبَّان، صرَّح بذلك في (( صحيحه ) ).

وقال ابنُ دقيق العيد الظَّاهر مع أحمد ومن وافقَه، والقياس مع الآخرين، فتردَّد الحال بين ظنٍّ نشأ عن قياس، وبين ظنٍّ نشأَ

ج 22 ص 269

عن ظاهر الخبر مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصيَّة، وهي وإن كانت على خلافِ الأصل لكن يتقوَّى ذلك بكثرةِ خصائص النَّبي صلى الله عليه وسلم في النِّكاح وخصوصًا خصوصيَّته بتزويج الواهبة من قوله تعالى {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب 50] الآية.

وقد أخرج عبدُ الرَّزَّاق جوازَ ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه وجماعة من التَّابعين، ومن طريق إبراهيم النَّخعي قال كانوا يكرهون أن يعتقَ أمتَه ثمَّ يتزوَّجها ولا يرون بأسًا أن يجعلَ عتقها صداقها. وقال القرطبيُّ منع من ذلك مالك وأبو حنيفة لاستحالتهِ، وتتقرَّر استحالته بوجهين

أحدهما أن عَقْدَها على نفسها إمَّا أن يقعَ قبل عتقها وهو محالٌ لتناقض الحُكْمين الحريَّة والرِّق؛ فإنَّ الحريةَ حُكْمُها الاستقلالُ والرِّقُ ضدُّه، وإمَّا بعد العِتق فلزوالِ حُكْمِ الجَبْر عنها بالعتق، فيجوز أن لا ترضى وحينئذٍ لا تُنْكَحُ إلَّا برضاها.

الوجه الثاني أنَّا إذا جَعَلْنا العِتْق صَداقًا فإمَّا أن يتقرَّر العتق حالة الرِّق وهو محالٌ لتناقضهما أو حالة الحرِّية فيلزم سبقيته على العقدِ فيلزم وجودُ العتق حالةَ فرضِ عدمهِ وهو محالٌ؛ لأنَّ الصَّداق لا بدَّ أن يتقدَّم تقرُّرُه على الزَّوج إمَّا نصًا وإمَّا حُكْمًا حتى تَملك الزَّوجة طلبه، فإن اعتلُّوا بنكاحِ التَّفويض فقد تحرَّزنا عنه بقولنا حُكمًا فإنَّها وإن لم يتعيَّن لها حالةَ العقد شيءٌ لكنها تملكُ المطالبة، فثبتَ أنَّه يثبتُ لها حالة العقد شيءٌ تطالبُ به الزوج، ولا يتأتى مثلُ ذلك في العتقِ، فاستحالَ أن يكون صداقًا.

وتُعُقِّبَ ما ادَّعاه من الاستحالةِ بجوازِ تعليقِ الصَّداقِ على شَرْط إذا وُجِدَ استحقَّته المرأةُ كأن يقول تزوجتك على ما سيستحقُّ لي عند فلان، وهو كذا، فإذا حلَّ المالُ الذي وقعَ عليه العقدُ استحقَّته.

هذا، وقد أخرج الطَّحَّاوي من طريق نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما في قصَّة جُويرية بنت الحارث (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم جعلَ عتقَهَا صداقها ) ). وهو ممَّا يتأيَّد به حديث أنس رضي الله عنه. لكن أخرجَ أبو داود من طريق عروة، عن عائشة رضي الله عنها في

ج 22 ص 270

قصَّة جويرية أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما جاءت تستعين به في كتابتها (( هل لك أن أقضيَ عنك كتابَتَك وأتزوَّجَك؟ ) )قالت قد فعلتُ.

وقد استشكلَهُ ابنُ حزم بأنَّه يلزم منه إن كان أدَّى عنها كتابتَها أن يصيرَ ولاؤها لمكاتبها. وأُجيبَ بأنه ليس في الحديث التَّصريحُ بذلك؛ لأنَّ معنى قولِها قد فعلتُ رضيتُ، فيُحْتَمَلُ أن يكونَ صلى الله عليه وسلم عوَّض ثابت بن قيس عنها فصارتْ له، فأعتقَها وتزوَّجها، كما صَنَعَ في قصَّة صفيَّة، أو يكون ثابت لمَّا بَلَغَتْه رغبةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَهَبَها له.

وفي الحديث أنَّ للسيد تزويجَ أمتهِ إذا أعتقها من نفسِهَا، ولا يحتاج إلى وليٍّ ولا حاكمٍ، وفيه خلاف يأتي في باب إذا كان الولي هو الخاطب، بعد نيف وعشرين بابًا [خ¦5131] .

قال ابنُ الجوزي فإن قيل ثوابُ العتق عظيمٌ فكيف فوَّته حيث جَعَلَه مهرًا، وكان يمكن جَعْلُ المَهْرِ غيره؟ فالجواب أنَّ صفيَّة بنت مالك ومثلها لا تقنعُ في المهر إلَّا بالكثير، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ما يُرضيها به، ولم ير أن يقصر بها فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرفُ من المال الكثير، فليُتَأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت