فهرس الكتاب

الصفحة 7555 من 11127

5103 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، لمالك فيه شيخ آخر، وهو هشام بن عروة، وسياقه للحديث عن عروة أتم، وسيأتي قبيل كتاب الطلاق [خ¦5239] (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوام رضي الله عنه (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ أَفْلَحَ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح اللام بعدها حاء مهملة (أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ) بضم القاف وفتح العين المهملة وآخره سين مهملة مصغرًا، كذا في (( صحيح مسلم ) )والنَّسائي أيضًا، وفي رواية لمسلم (( أفلح بن أبي القُعَيْس ) )، وكذا في رواية أبي داود وابن ماجه، وفي رواية لمسلم قال (( استأذنَ عليها أبو القُعَيْس ) )، وفي رواية له والنَّسائي قالت (( استأذن عليَّ عمِّي من الرَّضاعة أبو الجعيد [1] فرددتُه ) ). قال هشام إنَّما هو أبو القُعَيس، والصَّواب أنَّه أفلح وكنيته أبو الجعيد، وهو أخو أبي القُعَيْس. وقال القرطبي في (( المفهم ) )هذا

ج 22 ص 322

هو الصَّحيح، وما سوى ذلك وهم من بعض الرُّواة، واسم أبي القُعَيس وائل بن أفلح الأشعري، كما عند الدَّارقطني، ولا يعرف لأبي القُعَيس ولا لأخيه أفلح ذِكْرٌ إلَّا في هذا الحديث. وفي رواية التِّرمذي قالت (( جاء عمِّي من الرَّضاعة ) )ذكرته مبهمًا.

(جَاءَ) حال كونه (يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، وَهْوَ) أي أفلح (عَمُّهَا) أي عمُّ عائشة رضي الله عنها (مِنَ الرَّضَاعَةِ) فيه التفاتٌ، وكأن مقتضى القياس أن تقول وهو عمِّي. واختُلف في كيفيَّة ثبوت العُمومة لأفلح هذا، فزعم مَنْ رأى أنَّ لبن الفحلِ لا يُحَرِّم أنَّ أفلحَ هذا رضعَ مع أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، فكان عمًّا لعائشة. وهذا خطأ يَرُدُّه ما في رواية التِّرمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت (( إنَّما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل ) ). وكذا في رواية البخاري على ما يأتي إن شاء الله تعالى [خ¦4796] . والصَّواب أنَّ عائشة رضي الله عنها ارتضعتْ من امرأة أبي القُعَيْس، وأفلح أخوه فصار عَمَّها من الرَّضاعة، وفي رواية لمسلم جاء أفلح أخو أبي القُعَيس يستأذنُ عليها، وكان أبو القُعَيس أبا عائشة رضي الله عنها من الرَّضاعة. وفي رواية له وكان أبو القُعَيْس زوجَ المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها.

وفيه دليلٌ على مشروعية الاستئذان ولو في حقِّ المُحْرِم لجواز أن تكون المرأة على حالٍ لا يحلُّ للمُحْرِم أن يراها عليها، وكان استئذانه عليها (بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ) أي آية الحجاب، أو حكمه آخر سنة خَمْس، وفيه أنَّه لا يجوز للمرأة أن تأذنَ للرَّجل الذي ليس بِمَحْرَمٍ لها في الدُّخول عليها، ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع، وما وردَ من بروز النِّساء فإنما كان قبلَ نزول الحجاب، وكانت قصَّة أفلح مع عائشة رضي الله عنها بعد نزولُ الحجاب.

(فَأَبَيْتُ) أي امتنعتُ (أَنْ آذَنَ لَهُ) بالمدِّ للتردد هل هو محرم فتأذن له، أو ليس بمحرم فتمنعه، فامتنعت تغليبًا للتَّحريم على الإباحة، وفيه دليلٌ على أنَّ الأمر المتردَّد فيه بين التَّحريم والإباحة ليس لمن لم يترجَّح عنده أحد الطَّرفين الإقدام عليه، بل يُرَجَّحُ التَّحريمُ على الإباحةِ. وزاد في رواية

ج 22 ص 323

عراك السَّابقة في الشَّهادات فقال [خ¦2644] (( أتحتجبين مني وأنا عمُّك ) ). وفي رواية شعيب، عن الزُّهري كما مضى في تفسير سورة الأحزاب [خ¦4796] (( فقلت لا آذن له حتى أستأذنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فإن أخاه أبا القُعَيس ليس هو أرضعنِي، ولكن أرضعتني امرأةُ أبي القُعيس ) ).

(فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي) صلى الله عليه وسلم (أَنْ آذَنَ لَهُ) بالمدِّ أيضًا، وفي رواية شُعَيب الماضية في الشهادات [2] (( ائذني له فإنَّه عمُّك تربت يمينك ) ). وقد تقدَّم شرح هذه اللَّفظة في باب الأكفَاء في الدين [خ¦5090] . وفي رواية سفيان (( يداك أو يمينك ) )، وفي رواية مالك عن هشام بن عروة [خ¦5239] (( إنه عمُّك فليلج عليك ) ). وفي رواية الحكم [خ¦2644] (( صدقَ أفلحُ ائذني له ) ).

وفيه دليلٌ على أنَّ لَبَنَ الفَحْل يُحَرِّم حتى تثبت الحرمة في جهة صاحب اللَّبن كما تثبت في جانب المرضعة، فإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أثبت عمومة الرَّضاع وألحقها بالنَّسب؛ لأنَّ سبب اللَّبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرَّضاع منهما، وإلى هذا أشار ابن عبَّاس رضي الله عنهما بقوله المروي عند ابن أبي شيبة (( اللَّقاح واحدٌ، فإنَّ الوطء يدرُّ اللَّبن فللفحلِ فيه نصيب ) ).

واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ من ادَّعى الرَّضاع وصدقه الرَّضيع يثبت حكم الرَّضاع بينهما فلا يحتاج إلى بيِّنة؛ لأنَّ أفلحَ ادَّعاه وصدَّقَتْه عائشة رضي الله عنها، وأَذِنَ الشَّارعُ بمجرَّد ذلك.

ورُدَّ هذا باحتمال أن الشَّارع اطَّلع على ذلك من غير دعوى أفلح، وتسليم عائشة رضي الله عنها.

واستُدِلَّ به أيضًا على أنَّ قليلَ الرَّضاع يُحَرِّم كما يُحَرِّمُ كثيرُه.

وقال الحافظُ العسقلاني وألزمَ به بعضهم الحنفيَّة القائلين أنَّ الصَّحابي إذا روى حديثًا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وصحَّ عنه، ثمَّ صحَّ عنه العمل بخلافه أنَّ العملَ بما رأى لا بما رَوَى؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها صحَّ عنها أن لا اعتبار بلبن الفحل، ذكره مالك في (( الموطأ ) )، وسعيد بن منصور في (( السنن ) )، وأبو عبيد في كتاب (( النكاح ) )بإسناد حسنٍ، وأخذ الجمهور ومنهم الحنفية بخلاف ذلك، وعملوا بروايتها في قصَّة أخي أبي القُعَيْس وحرَّموا بلبن الفحل، وكان يَلْزَمُهم على قاعدتهم أن يتَّبعوا عائشة رضي الله عنها، ويَعْرِضُوا عن روايتها، ولو كان روى هذا الحكمَ غيرُ عائشة رضي الله عنها لكان لهم معذرة، لكنَّه لم يروه غيرها وهو إلزامٌ قوي. انتهى.

وقال العيني

ج 22 ص 324

لو علم هذا القائل مدرك ما قالتْه الحنفيَّة في ذلك لما صدر منه هذا الكلام، ولكن عدم الفهم وأريحية العصبية يحملان الرَّجل على أخبط من هذا، وقاعدةُ أصحابنا فيما قاله ليست على الإطلاق، بل إن كان عمله أو فتواهُ قبل الرواية أو قبل بلوغه إليه كان الحديثُ حجَّة، وإن كان بعد ذلك لم يكن حجَّةً؛ لأنَّه ثبت عندَه أنَّه منسوخٌ، فلذلك عُمِلَ بما رَأَى لا بما رَوَى، على أنَّ عبد البر قد ذكر أنَّ عائشة رضي الله عنها أيضًا كانت ممَّن يحرِّم لبن الفحل.

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث ثبوتُ الحرمة بين عائشة رضي الله عنها وبين أَفلح المذكور الذي هو عمُّها من الرَّضاع، فلذلك أذنَ لها بدخول أفلح عليها، وقال (( إنَّه عمُّك ) )لما قالت (( إنما أرضعتْني المرأة ولم يرضعنِي الرَّجل ) )، كذا في رواية التِّرمذي فدلَّ على أنَّ ماء الرجل يحرم.

وقد مضى الحديث في كتاب الشهادات، في باب الشهادة على الأنساب [خ¦2644] .

[1] في هامش الأصل في نسخة أبو الجعد.

[2] في الشهادات من طريق شعبة [خ¦2644] واللفظ المذكور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت