5105 - (وَقَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو الإمام المشهور أخذ البخاريُّ عنه هنا مذاكرةً أو إجازةً، ولذا لم يقل حدَّثنا ولا أخبرنا. وقال الحافظُ العسقلاني والذي ظهرَ لي بالاستقراء أنَّه إنَّما يستعمل هذه الصِّيغة في الموقوفات، وربما استعملَها فيما فيه قصورٌ ما عن شرطهِ، والذي هنا من الشِّق الأوَّل، وليس للمصنِّف في هذا الكتاب عن أحمد رواية إلَّا في هذا الموضع، وأخرج عنه في أواخر (( المغازي ) )حديثًا بواسطة [خ¦4473] ، وكأنَّه لم يُكْثِرْ عنه لأنَّه في رحلتهِ القديمة لَقِيَ كثيرًا من مشايخ أحمد فاستغنى بهم، وفي رحلتهِ الأخيرة كان أحمدُ قد قَطَعَ التَّحديث، وكان لا يحدِّث إلَّا نادرًا؛ فمن ثمَّة أَكْثَرَ البخاريُّ عن عليِّ بن المديني دون أحمد.
(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان (عَنْ سُفْيَانَ) أي الثَّوري، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حَبِيبٌ) هو ابنُ أبي ثابت (عَنْ سَعِيدٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه قال (حَرُمَ) أي عليكم (مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ) من النساء (وَمِنَ الصِّهْرِ) منهنَّ، والصِّهر واحدُ الأصهار، وهم أهلُ بيت المرأة، ومن العَرَبِ من يَجْعَلُ الصِّهْرَ من الأَحْمَاءِ والأَخْتَان جميعًا. وقال ابنُ الأثير الأحماءُ من قِبَلِ المرأة، والأَخْتَان من قِبَل الرَّجل، والصِّهر يجمعهما، وخَاتَن الرجلُ الرجلَ إذا تزوَّج ابنته.
(سَبْعٌ) وفي رواية ابن مهدي عن سفيان عند الإسماعيلي (( حرم عليكم ) )، وفي لفظ (( حرمت عليكم ) ) (ثُمَّ قَرَأَ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء 23] الآيَةَ) وفي رواية يزيد بن هارون، عن سفيان عند الإسماعيلي (( قرأ الآيتين ) ). وإلى هذه الرِّواية أشار المصنِّف بقوله في الترجمة إلى {عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء 24] فإنَّها آخر الآيتين. ووقع عند الطَّبراني من طريق عُمير مولى ابن عبَّاس، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في آخر الحديث ثمَّ قرأ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} حتى بلغَ {وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} ثمَّ قال هذا النَّسب ثم قرأ {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} حتى بلغَ {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} وقرأ {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}
ج 22 ص 330
فقال هذا الصهر. انتهى.
فإذا جمع بين الرِّوايتين كانت الجملة خمس عشرة ابنة. وفي تسمية ما هو بالرَّضاع صهرًا تجوُّز، وكذلك امرأة الغير، وكلهنَّ على التَّأبيد إلَّا الجمع بين الأختين وامرأة الغير.
ويلتحق بمن ذُكِرَ موطوءةُ الجدِّ وإن علا، وأمُّ الأمِّ وإن علتْ، وكذا أمُّ الأب وبنت الابن ولو سفلتْ، وكذا بنت البنت وبنت بنت الأخت ولو سفلتْ، وكذا بنتُ الأخ، وبنتُ ابن أخ والأخت وعمَّة الأب ولو علتْ، وكذا عمَّة الأم، وخالةُ الأمِّ ولو علتْ، وكذا خالةُ الأب وجدَّة الزوجة ولو علتْ، وبنت الرَّبيبة ولو سفلتْ، وكذا بنت الرَّبيب، وزوجةُ ابن الابن وابن البنت، والجمعُ بين المرأة وعمَّتها أو خالتها.
هذا، وقيل الآية لا تدلُّ على السَّبع الصِّهري، وأُجيب بأنَّه اقتصر على ذكر الأمَّهات والبنات؛ لأنَّهما كالأساس منهنَّ، وهذا ترتيب ما في القرآن من النَّسب. فإن قيل ما فائدة ذِكْرِ الأُختين بعدها؟ فالجواب أنَّه للإشعار بأنَّ حُرْمَتَها ليست مطلقًا ودائمًا كالأصل والفرع بل عند الجَمْع، ولم يذكر الأربعة الأخرى لأنَّ حُكمهنَّ يُعلم من الأختين بالقياسِ عليهما؛ لأنَّ علَّةَ حرمتهما الجمعُ الموجبُ لقطيعةِ الرَّحم، وذلك حاصلٌ فيها.
(وَجَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ) أي ابن أبي طالب (بَيْنَ ابْنَةِ عَلِيٍّ) زينب (وَامْرَأَةِ عَلِيٍّ) ليلى بنت مسعود فكانتا عنده جميعًا، وكأنَّه أشارَ بذلك إلى دفعِ ما يتخيَّل أنَّ العلَّة في منع الجمع بين الأختين ما يقعُ بينهما من القطيعةِ فتطَّرِد في كلِّ قريبتين ولو بالصَّهارة، فمن ذلك الجمع بين المرأة وبنت زوجها.
والأثر المذكور وَصَلَه البغويُّ في (( الجعديات ) )من طريق عبد الرَّحمن بن مهران قال جمع عبد الله بن جعفر بين زينب بنت علي وامرأة علي ليلى بنت مسعود.
وفي حديث ابن لهيعة عن يونس، عن ابن شهاب، قال حدَّثني غيرُ واحدٍ أنَّ عبدَ الله بن جعفر جمعَ بين امرأة علي وابنته، ثمَّ ماتت زينب بنت علي فتزوَّج عليها بنتًا له أُخرى،
ج 22 ص 331
قال وحدَّثنا شعبة، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرَّحمن، عن عبد الرَّحمن بن مهران، قال جمعَ ابنُ جعفر بن أبي طالب بين بنت علي وامرأته في ليلة.
وعند ابن سعد من حديث ابن أبي ذِئْبٍ حدَّثني عبد الرَّحمن بن مهران أنَّ ابن جعفر تزوَّج زينب بنت علي وتزوَّج معها امرأته ليلى بنت مسعود. قال ابنُ سعد فلمَّا توفِّيت زينب تزوَّج بعدها أمَّ كلثوم بنت علي بنت فاطمة رضي الله عنهما. وأخرجَه سعيد بنُ منصور من وجه آخر فقال ليلى بنت مسعود النَّهشلية وأم كلثوم بنت علي لفاطمة رضي الله عنها فكانتا امرأتيهِ.
وقوله لفاطمة؛ أي من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تعارضَ بين الرِّوايتين في زينب وأم كلثوم لأنَّه تزوَّجهما واحدةً بعد أُخرى مع بقاءِ ليلى في عصمتهِ، كما بيَّنه ابن سعد.
(وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) هو محمدُ بن سيرين (لاَ بَأْسَ بِهِ) أي بهذا الجمع، وَصَلَه سعيدُ بن منصور عنه بسندٍ صحيحٍ. وأخرجه ابنُ أبي شيبة مطولًا من طريق أيوب، عن عكرمة بن خالد أنَّ عبد الله بن صفوان تزوَّج امرأة رجل من ثقيف وابنته؛ أي من غيرها. قال أيُّوب وسُئل عن ذلك ابن سيرين فلم ير به بأسًا، وقال نبِّئت أنَّ رجلًا كان بمصر اسمه جبلةَ جمع بين امرأة رجل وبنته من غيرها.
وأخرج الدَّارقطني من طريق أيُّوب أيضًا عن ابن سيرين أنَّ رجلًا من أهل مصر كانت له صُحبة يقال له جبلة، فذكره. وقال القاسمُ بن سلام حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا أيوب، عن ابن سيرين أنَّه كان لا يرى بذلك بأسًا. وقال القاسم بن سلام وكذلك قول سفيان وأهل العراق لا يرون به بأسًا، ولا أحسبه إلَّا قول أهل الحجاز، وكذلك هو عندنا، ولا أعلمُ أحدًا كَرِهَه إلَّا شيئًا يُرْوَى عن الحسن ثمَّ كأنَّه رجعَ عنه. انتهى.
وكأنَّه أشار إليه البخاريُّ بقوله (وَكَرِهَهُ) أي الجَمْع بين المرأة وبنت زوجها (الْحَسَنُ) أي البصري (مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ لاَ بَأْسَ بِهِ) وصله الدَّارقطني في آخر الأثر الذي قبله بلفظ وكان الحَسَنُ يكرهه. وأخرج أبو عبيد
ج 22 ص 332
في كتاب (( النكاح ) )من طريق سلمة بن علقمة، قال إني لجالسٌ عند الحسن إذا سأله رجلٌ عن الجمع بين البنت وامرأة زوجها، فكرهه فقال له بعضُهم يا أبا سعيد هل ترى به بأسًا، فنظر ساعة ثمَّ قال ما أرى به بأسًا.
وأخرج ابنُ أبي شيبة عن عكرمة أنَّه كرهه، وعن سليمان بن يسار ومجاهد والشَّعبي أنَّهم قالوا لا بأس به. وقال ابن بطَّال قال ابنُ أبي ليلى لا يجوز هذا النِّكاح، وكرهه عكرمة. وقال ابنُ المنذر ثبت رجوع الحسن، عنه وأجازه أكثر أهل العلم، وفعل ذلك صفوان بن أمية، وأباحَهُ ابنُ سيرين وسليمان بن يسار والأوزاعي والشَّافعي وأحمد وإسحاق والكوفيون وأبو عبيد وأبو ثور. وقال مالك لا أعلم ذلك حرامًا، وبه نقولُ، وفي الإسناد إلى عكرمة في كراهتهِ مقال.
(وَجَمَعَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) أي ابن أبي طالب رضي الله عنهما (بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍّ فِي لَيْلَةٍ) وصله عبد الرَّزاق وأبو عُبيد القاسم بن سلام من طريق عَمرو بن دينار أنَّ الحسن بن محمد أخبره أنَّ الحسن بن الحسن بن علي بنى في ليلةٍ واحدةٍ ببنت محمد بن علي وبنت عمر بن علي فجمعَ بينهما يعني بين ابنتي العم، وإنَّ محمد بن علي، قال هو أحبُّ إلينا منهما؛ يعني ابن الحنفية.
وأخرج عبد الرَّزاق أيضًا والشَّافعي من وجه آخر عن عَمْرِو بن دينار، عن الحسن بن محمد بن علي فلم ينسب المرأتين، ولم يذكر قول محمد بن علي وزاد فأصبحَ النِّساء لا يدرين أين يذهبنَ.
قال ابن بطَّال وكرهه مالك وليس بحرامٍ، إنما هو لأجل القطيعةِ، قال وهو قول عطاء وجابر بن زيد. وفي (( المصنف ) )عن عطاء يكره الجمع بينهما لِفَسَادٍ بينهما، وكذا ذكره عن الحسن، وحدَّثنا ابن نُمير، عن سفيان، حدَّثني خالد الفأفاء، عن عيسى بن طلحة مرسلًا، قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُنْكَحَ المرأةُ على قرابتها مخافةَ القطيعة، وأخرجه أبو داود أيضًا.
(وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ) أي وكَرِهَ هذا النِّكاحَ جابرُ بن زيد أبو الشَّعثاء الأزدي اليحمري الجوني،
ج 22 ص 333
بالجيم، ناحية عمان البصري التَّابعي، وهو من أفراد البخاري (لِلْقَطِيعَةِ) أي لوقوعِ التَّنافس بينهما في الحظوةِ عند الزَّوج فيؤدِّي ذلك إلى قطيعةِ الرَّحم.
وأخرج الخلاَّل من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أنَّهم كانوا يكرهون الجمعَ بين القرابة مخافة الضَّغَائن، وقد نُقِلَ العملُ بذلك عن ابنِ أبي ليلى وعن زفر أيضًا.
(وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ) هذا من تفقُّه البخاري، وقد انعقدَ الإجماع عليه، نقلَه ابنُ عبد البر وابنُ حزم وغيرهما. وأخرج عبد الرَّزاق نحوه عن قتادة وزاد وليس بحرام، كما قال المصنِّف، وقد قال ابنُ المنذر لا أعلم أحدًا أبطل هذا النِّكاح.
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (إِذَا زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ) هذا مصيرٌ من ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلى أنَّ المراد بالنَّهي عن الجَمْعِ بين الأختين إذا كان الجمع بعقدِ التَّزويج. وهذا الأثرُ وصلَه عبد الرَّزَّاق، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في رجلٍ زنى بأختِ امرأته قال (( تخطَّى حرمة إلى حرمة، ولم تحرمْ عليه امرأته ) ). قال ابن جُريج وبلغني عن عكرمة مثله. وأخرجَه ابنُ أبي شيبة من طريق قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( جاوزَ حرمتين إلى حرمة، ولم تحرم عليه امرأته ) ).
وقال ابن بطَّال إنما حرَّم الله الجمع بين الأختين بالنِّكاح خاصة لا بالزِّنا، ألا ترى أنَّه يجوز نكاح واحدةٍ بعد أُخرى من الأختين، ولا يجوزُ ذلك في المرأة وابنتها من غيره.
والكوفيون على أنَّه إذا زنى بالأمِّ حرم عليه بنتها، وكذا عكسه، وهو قولُ الثَّوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك إنِّه يحرم عليه ابنتها وأمها وهي رواية ابن القاسم في (( المدونة ) ).
وخالف فيه ابن عبَّاس وسعيد بن المسيَّب وعروة وربيعة واللَّيث فقالوا الحرامُ لا يُحَرِّمُ حلالًا وهو قوله في (( الموطأ ) )، وبه قال الشَّافعي وأبو ثور.
(وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى الْكِنْدِيِّ) هو يحيى بنُ قيس الكندي، روى عن شريح، وروى عنه أبو عَوَانة وشريك والثَّوري (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (وَأَبِي جَعْفَرٍ)
ج 22 ص 334
وفي رواية أبي ذرٍّ عن المُسْتَملي بدل قوله وأبي جعفر، والأول هو المعتمدُ، وكذا وقع في رواية أبي نصر بن المهدي عن المُسْتملي كالجماعة. وهكذا وصله وكيع عن سفيان، عن يحيى قالا (فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالصَّبِيِّ إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ) يعني لاطَ به (فَلاَ يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ) يعني يحرم عليه ويثبت به حرمة المصاهرة.
وقال ابن بطَّال أمَّا تحريم النِّكاح باللِّواط فأصحاب أبي حنيفة ومالك والشَّافعي لا يحرِّمون به شيئًا، فخصُّوه بالمرأة المعقود عليها، وهو ظاهرُ القرآن لقوله تعالى {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء 23] {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء 23] والذكر ليس من النساء ولا أختًا. وقال الثَّوري إذا لعب بالصَّبي حرمت عليه أمُّه، وهو قولُ أحمد بن حنبل، قال إذا تلوَّط بابن امرأتهِ أو ابنتها أو أختها حرمتْ عليه امرأته. وقال الأوزاعيُّ إذا لاطَ غلامٌ بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوَّج بها؛ لأنَّها بنت من دخل هو به، وعند الشَّافعية فيمن تزوج امرأةً فلاطَ بها هل تحرم عليه بنتها أو لا؟ وجهان.
قال البخاري (وَيَحْيَى هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ) أي غير معروف العدالة، وإلَّا فاسم الجهالةِ ارتفعَ عنه برواية هؤلاء المذكورين من قبل، وقد ذكره البخاري في (( تاريخه ) )وابنُ أبي حاتم ولم يَذْكُر فيه جرحًا، وذكره ابن حبَّان في (( الثقات ) )كعادته فيمن لم يُجَرَّح (ولَمْ يُتَابَعْ) بفتح الموحدة (عَلَيْهِ) أي على ما رواه هنا، ثمَّ قوله ثابت في رواية الكُشْمِيْهَني والمُسْتملي. قال ابنُ الملقِّن في (( عجالته ) )وهذه مقالةٌ عجيبة لو نزَّه البخاري كتابه عنها لكان أولى.
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (إِذَا زَنَى) أي رجل (بِهَا) أي بأمِّ امرأته (لاَ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ) وصله البيهقيُّ من طريق هشام، عن قتادة، عن عكرمة بلفظ في رجل غَشيَ أمَّ امرأته، قال تخطى حرَّمتين ولا تحرم عليه امرأته. وإسنادهُ صحيحٌ.
وفي الباب حديث مرفوعٌ أخرجه الدَّارقطني والطَّبراني من حديث عائشة رضي الله عنها (( أن النَّبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرَّجل يَتْبَعُ المرأةَ حَرامًا، ثم ينكحُ ابنتها أو البنتَ ثمَّ ينكحُ أمَّها، قال لا يُحَرِّم الحلالَ الحرامُ إنما يحرِّم ما كان بنكاحٍ حلالٍ.
ج 22 ص 335
وفي إسنادهما عثمان بن عبد الرَّحمن الوقَّاصي، وهو متروكٌ )) .
وقد أخرج ابنُ ماجه طرفًا منه من حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما (( لا يحرِّم الحرامُ الحلالَ ) )وإسناده أصحُّ من الأول.
قال الإمامُ القسطلاني ولو أرضعتِ المرأة بلبن الزَّاني صغيرة فكَبِنْتِهِ، قاله المتولِّي، أمَّا المرأةُ فيحرمُ عليها وعلى سائر محارمها نكاح ابنها من الزِّنا لعموم الآية، ولثبوتِ النَّسب والإرث بينهما. والفرق أنَّ الابنَ كعُضْوٍ منها وانفصلَ منها إنسانًا، ولا كذلك النُّطفة التي خلقت منها البنت، نعم يُكره نكاحُ المخلوقة من زناه خروجًا من خلاف من حرَّمها عليه. وقال المرداويُّ من الحنابلة وتحرم بناته من حلالٍ أو حرامٍ أو شبهةٍ.
(وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ) بسكون الصاد المهملة، الأسدي الثَّقة (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (حَرَّمَهُ) أي حرم العقدَ الذي بينه وبين امرأته بوطءِ أمِّها. وصله الثَّوري في (( جامعه ) )من طريقهِ، ولفظه أنَّ رجلًا قال أنَّه أصاب أمَّ امرأته، فقال له ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( حرمتْ عليكَ امرأتُكَ ) )، وذلك بعد أن ولدتْ منه سبعة أولاد كلهنَّ بلغ مبلغَ الرِّجال، قال البخاري (وَأَبُو نَصْرٍ هَذَا لَمْ يُعْرَفْ سَمَاعُه) على البناء للمفعول، وفي اليونينية (مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية ابن المهدي عن المستملي ، وأبو نصر هذا بصريُّ أسدي، وَثَّقَه أبو زُرعة. وروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه سأله عن قوله عزَّ وجلَّ {وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر 1 - 2] . انتهى.
فإن كانت الطَّريق إليه صحيحة فهو يردُّ قول البخاري، ولا شكَّ أن عدم معرفة البخاري بسماعهِ لا يستلزمُ نفيَ معرفةِ غيرهِ به على أنَّ الإثبات أولى من النَّفي.
وفي الباب حديثٌ ضعيفٌ أخرجَه ابنُ أبي شيبة من حديث أمِّ هانئ مرفوعًا (( من نظرَ إلى فرجِ امرأةٍ لم تحلَّ له أمُّها ولا بنتُها ) )وإسنادُه مجهولٌ، قاله البيهقي.
(وَيُرْوَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، الصَّحابي المشهور
ج 22 ص 336
(وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) التابعي (وَالْحَسَنِ) البصري (وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ) مثل إبراهيم النَّخعي والثَّوري وأبي حنيفة وأصحابه (تَحْرُمُ عَلَيْهِ) يعني أنَّ كلهم يقولون إنَّ من وطئَ أمَّ امرأته تحرمُ عليه امرأته. وفي اليونينية سقط لفظ . وأمَّا قولُ عمران بن الحصين فَوَصَلَه عبدُ الرَّزَّاق من طريق الحسن البصري عنه، قال (( من فجرَ بأمِّ امرأتهِ حرِّمتا عليه جميعًا ) )، ولا بأس بإسنادِهِ. وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة عن عمران رضي الله عنه، وهو منقطعٌ.
وأمَّا قول جابر بن زيد والحسن فوصلَه ابنُ أبي شيبة من طريق قتادة عنهما، قال كان جابرُ بن زيد والحسن يكرهان أن يمسَّ الرَّجل أمَّ امرأته؛ يعني في الرجل يقعُ على أمِّ امرأته؛ أي حرمت عليه امرأته. قال قتادة لا تحرمُ غير أنَّه لا يغشى امرأتَه حتى تنقضيَ عدَّة التي زنا بها. وأخرجَه أبو عبيد من وجه آخر عن الحسن بلفظ إذا فجرَ بأمِّ امرأتهِ، أو بابنةِ امرأتهِ حرمَتْ عليه امرأته.
وروى عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمر، عن قتادة، قال قال يحيى بن يَعْمر للشَّعبي والله ما حرَّم حرامٌ قطُّ حلالًا قط، فقال الشَّعبي بل لو صببت خمرًا على ماء حرمَ شربُ ذلك الماء. قال قتادة وكان الحسن يقول مثل قول الشَّعبي.
وأمَّا قول بعض أهل العراق، فلعلَّه عنى به الثَّوري؛ فإنَّه ممن قال بذلك من أهل العراق. وقد أخرجَ ابنُ أبي شيبة من طريق حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال (( لا ينظرُ الله إلى رجلٍ نظرَ إلى فرجِ امرأةٍ وبنتها ) ).
ومن طريق مغيرة، عن إبراهيم وعامر هو الشَّعبي في رجلٍ وقع على أمِّ امرأته قالا حرمَتَا عليه كِلْتَاهما.
وروي عن جرير، عن حجَّاج، عن ابن هانئ الخولاني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من نظرَ إلى فرجِ امرأة لم تحلَّ له أمُّها ولا بنتُها ) ). وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه قالوا إذا زنى بامرأة حرمتْ عليه أمها وبنتها، وبه قال من غير أهل العراق عطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وهي رواية عن مالك.
قال العسقلاني وأبى ذلك الجمهورُ
ج 22 ص 337
وحجَّتهم أنَّ النِّكاح في الشَّرع إنما يُطلق على المعقود عليها لا على مجرَّد الوطء. وأيضًا فالزِّنا لا صداقَ فيه ولا عدَّة ولا ميراث.
قال ابن عبد البر أجمع أهل الفتوى من الأمصار على أنَّه لا يحرم على الزاني تزوُّجُ من زَنَى بها، فنكاح أمها وابنتها أجوزُ، ا. ه وذلك ليس مذهب الحنفية.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (لاَ تَحْرُمُ) أي لا تحرم البنت إذا وَطِئَ أمَّها وبالعكس (حَتَّى يُلْزِقَ) بضم التحتية وكسر الزاي، ويروى بفتح أوله، حكاه ابنُ التين، والأوَّل أوجه، وبالفتح لازم، وبالضم متعدٍّ، يقال لزق به لزوقًا، وألزقه بغيره (بِالأَرْضِ) وهو كنايةٌ عن الجماع، كما قال المصنف (يَعْنِي يُجَامِعَ) وكأنَّه احترز به عمَّا إذا لمسها أو قبَّلها من غير جِمَاعٍ خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا إذا مس أمَّ زوجته، ونظر إلى داخل فرجها وهو ما يُرَى منها عند استلقائها بشهوة وجدها حَرُمت زوجتُه، وحدُّ الشَّهوة إن كان شابًا أن تنتشرَ آلته بها، أو تزدادَ انتشارًا إن كانت منتشرةً قبله، وإن كان شيخًا أو عنينًا فحدُّها أن يتحرَّك قلبه أو يزدادَ تحرُّكه ولا يعرف ذلك إلَّا بقوله.
وفي (( التبيين ) )وجود الشَّهوة من أحدهما يكفي، ولو رأى فرجها من وراء الزُّجاج تثبت الحرمة، ولو رآه في المرآة لا تثبت، ولو مسَّها بحائل إن وصلَ حرارة البدن إلى يدِهِ تثبت الحرمة، وإلَّا فلا فرق بين أن يكون المسُّ عمدًا أو خطأ أو ماشيًا أو مكرهًا، وشرطه أن لا يُنزل فلو أنزلَ عند اللَّمس أو النَّظر لم يثبت به الحرَّمة؛ لأنه ليس بمفضٍ إلى الوطءِ لانقضاء الشَّهوة. انتهى.
وقال الحافظُ العسقلاني فالحاصل أنَّ ظاهر كلام أبي هريرة أنَّها لا تحرم إلَّا إن وَقَعَ الجِماع، فيكون في المسألة ثلاثة مذاهب، فمذهبُ الجمهور لا تحرم إلَّا بالجماع مع العقد، والحنفيَّة وهو قول عن الشَّافعي تلتحق المباشرةُ بشهوةٍ بالجِماع؛ لكونها استمتاعًا، ومحلُّ ذلك إذا كانت المباشرة بسبب مباحٍ أمَّا المحرَّم فلا يؤثر كالزِّنا، والمذهب الثالث إذا وقع الجِمَاع حلالًا أو زنًا أثَّر بخلاف مقدِّماته. انتهى فتَذَكَّر.
(وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ) أي سعيد
ج 22 ص 338
(وَعُرْوَةُ) أي ابن الزُّبير (وَالزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهابٍ؛ أي جوَّزوا للرجل أن يقيمَ مع امرأته ولو زنى بأمِّها أو أختها سواء فعل مقدِّمات الجماع أو جامعَ، وكذلك أجازوا له أن يتزوَّج بنت من فعل بها ذلك أو أختها. وقد روى عبد الرَّزاق من طريق الحارث بن عبد الرحمن، قال سألت سعيد بن المسيَّب وعروة بن الزُّبير عن الرَّجل يزني بالمرأةِ هل يحلُّ له أمها؟ فقالا لا يحرِّم الحرامُ الحلالَ. ورُوِي عن مَعْمَر، عن الزُّهري مثله. وعند البيهقي من طريق يونس بن يزيد، عن الزُّهري أنَّه سُئِلَ عن الرَّجل يفجر بالمرأة أيتزوج ابنتها؟ فقال قال بعضُ العلماء لا يفسدُ الله حلالًا بحرامٍ.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ عَلِيٌّ) هو ابنُ أبي طالب رضي الله عنه في رجلٍ وَطِئَ أمَّ امرأته (لاَ تَحْرُمُ) أي امرأته، وصلَه البيهقيُّ من طريق يحيى بن أيُّوب، عن عقيل، عن الزُّهري أنَّه سُئل عن رجل وَطِئَ أمَّ امرأته، فقال قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه (( لا يحرِّم الحرامُ الحلالَ ) ).
(وَهَذَا مُرْسَلٌ) أي هذا الذي رواه الزُّهري مرسلٌ؛ أي منقطعٌ، فأطلق المرسل على المنقطع، والخَطْبُ فيه سَهْلٌ.