فهرس الكتاب

الصفحة 7569 من 11127

5112 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى) نهي تحريم (عَنِ الشِّغَارِ) وفي رواية مسلم (( لا شغار في الإسلام ) ) (وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ) أو مولِّيته من أخت أو غيرها (عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ) أو مولِّيته (لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) بأن يكون بضع كلٍّ منهما صداقَ الأخرى، وهذا تفسيرُ الشِّغار من حيث الشَّرع.

قال الخطيبُ ليس تفسير الشِّغار من كلام سيدنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول مالك، وصل بالمتن المرفوع، بيَّن ذلك القعنبيُّ وابنُ مهدي ومحرز في روايتهم عن مالك.

ولما رواه الإسماعيليُّ من حديث محرز بن عون ومَعن بن عيسى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عُمر رضي الله عنهما (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشِّغار ) )، قال قال محرز قال مالك والشِّغار أن يزوِّج الرَّجل ابنته ... إلى آخره.

وقال الشَّافعي فيما حكاه البيهقيُّ عنه في (( المعرفة ) )بعد روايتهِ للحديث عن مالك لا أدري تفسير الشِّغار في الحديث من النَّبي صلى الله عليه وسلم أو من ابن عمر رضي الله عنهما أو من نافع أو من مالك.

وقال الشِّيخ زين الدِّين العراقي في (( صحيح مسلم ) )من غير طريق مالك أنَّ تفسير الشِّغار من قول نافع رواه من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع، وفيه أنَّ في حديث عبيد الله، قال قلت لنافع ما الشِّغار؟

وفي كتاب (( الموطآت ) )للدَّارقطني حدَّثنا أبو علي محمد بن سليمان حدثنا بُنْدَار،

ج 22 ص 351

عن ابنِ مهدي، عن مالك نهى عن الشِّغار. قال بُنْدَار الشِّغَار أن يقول زوِّجني ابنتَك أزوِّجك ابنتي.

وقال الباجي هو من جملة الحديث، وعليه يحمل، حتى يتبيَّن أنَّه من قول الرَّاوي، وبالجملة فإن كان مرفوعًا فهو المراد، وإن كان من قول الصَّحابي فمقبول؛ لأنَّه أعلمُ بالمقال، قاله القرطبي.

واختلفَ العلماء في صورة نكاح الشِّغار المنهي عنه، فعن مالك هو أنَّ الرَّجل يزوِّج ابنتَه، أو وليَّته من رجل آخر على أن يزوِّج ذلك الرجل منه ابنته أيضًا أو وليَّته، ويكون بضع كلِّ واحدٍ منهما صداقًا للأخرى دون صداق.

وكذا ذكره الخليل بن أحمد في كتابه. وقال الغزاليُّ في (( الوسيط ) )صورته الكاملة أن يقولَ زوَّجتُك ابنتي على أن تزوِّجني ابنتَك على أن يكون بضع كلِّ واحدةٍ منهما صداقًا للأخرى، ومهما انعقدَ نكاحُ ابنتي انعقدَ نكاح ابنتك.

وقال الرَّافعي هذا فيه تعليق وشرط عقد في عقدٍ، وتشريك في البضع.

وقال الشِّيخ زين الدِّين العراقي ينبغِي أن يزاد في هذه الصُّورة، وأن لا يكون مع البُضْعِ صَداقٌ آخر حتى يكون مجمعًا على تحريمهِ فإنَّه إذا ذكر فيه الصَّداق ففيه الخلاف.

وقد اختلف الفقهاء هل يُعْتَبَرُ في الشِّغارِ المنهي عنه ظاهرُ الحديثِ في تفسيره، فإنَّ فيه وَصْفَين

أحدهما تزويج كل من الوليين وليَّته للآخر بشرط أن يزوِّجه وليَّته.

والثاني خلو بضع كلٍّ منهما من الصَّداق.

فمنهم من اعتبرهما معًا حتى لا يمنع مثلًا إذا زوج كل منهما الآخر بغير شرطٍ وإن لم يذكر الصَّداق أو زوج كلٌّ منهما الآخر بالشَّرط وذكر الصَّداق.

وذهب أكثر الشَّافعية إلى أنَّ علَّة النَّهي الاشتراك في البضع؛ لأنَّ بضع كلٍّ منهما يصيرُ مورد العقد، وجَعْلُ البضع صداقًا مخالفٌ لإيراد عقد النِّكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصَّداق؛ لأنَّ النِّكاح يصح بدون التَّسمية.

واختلفوا فيما إذا لم يصرِّحا بذكر البضع، فالأصحُّ عندهم الصِّحة، ولكن وجدَ نصُّ الشَّافعي على خلافه ولفظه إذا زوَّج الرَّجلُ ابنتَه، أو المرأةُ يلي أمرَها من كانتْ لِآخَرَ على أنَّ صداق كلِّ واحدةٍ بُضْعُ الأخرى، أو على أن ينكحَه الأخرى ولم يسم أحدٌ منهما لواحدة منهما صداقًا فهو الشِّغار الذي نهى عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهو منسوخٌ، هكذا ساقه البيهقيُّ بإسناده

ج 22 ص 352

الصَّحيح عن الشَّافعي.

قال وهو الموافقُ للتَّفسير المنقول في الحديث.

واختلف نصُّ الشَّافعي فيما إذا سَمَّى مع ذلك مهرًا؛ فنصَّ في الإملاء على البُطلان، وظاهرُ نصِّه في (( المختصر ) )الصِّحَّة، وعلى ذلك اقتصرَ في النَّقل عن الشَّافعي من ينقل الخلاف من أهل المذاهب. وقال القفَّال العلَّة في البطلان التَّعليق والتَّوقيف، وكأنَّه يقول لا ينعقدُ لك نكاح ابنتي حتى ينعقدَ لي نكاحُ ابنتك.

وقال الخطَّابي كان ابنُ أبي هريرة يشبهه برجلٍ يزوِّج امرأة يستثني عضوًا من أعضائها، وهو ممَّا لا خلاف في فسادِهِ، وتقرير ذلك أنَّه يزوِّج وليَّته ويستثني بضعها حيث يجعله صداقًا للأخرى.

ونقل الخرقيُّ أنَّ أحمد نصَّ على أنَّ علَّة البُطلان ترك ذكر المهر، ورجَّح ابنُ تيمية في (( المحرر ) )أنَّ العلَّة التَّشريك في البضع.

وقال ابنُ دقيق العيد ما نصَّ عليه أحمد هو ظاهر التَّفسير المذكور في الحديث لقوله فيه ليس بينهما صداق؛ فإنَّه يشعرُ بأنَّ جهةَ الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذُكِرَ لملازمتهِ لجهةِ الفساد.

ثمَّ قال وعلى الجملة، ففيه إشعار بأنَّ عدم الصَّداق له مدخلٌ في النَّهي، ويؤيِّده حديث أبي ريحانةَ الذي أخرجه أبو الشَّيخ في كتاب (( النكاح ) )أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المشَاغَرة، والمشاغرة أن يقول زوج هذا من هذه، وهذه من هذا بلا مهرٍ.

وقال ابنُ عبد البر أجمع العلماء على أن نكاحَ الشِّغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحَّته فالجمهورُ على البطلان، وفي روايةٍ عن مالك يفسخُ قبل الدُّخول لا بعده، وحكاه ابنُ المنذر عن الأوزاعي، وذهب الحنفيَّة إلى صحَّته ووجوب مهر المثل.

وقال ابنُ المنذر اختلفوا في الرَّجل يزوِّج الرجل ابنته على أن يزوِّجه الآخر ابنته على أن يكون مهرُ كلِّ واحدةٍ منهما نكاح الأخرى. فقالت طائفةٌ النِّكاح جائزٌ ولكلِّ واحدةٍ منهما صداقُ مثلها، وهذا قولُ عطاء وعَمرو بن دينار والزُّهري ومكحول والثَّوري واللَّيث والكوفيين،

ج 22 ص 353

وإن طلقها قبل الدُّخول بها فلها المتعة في قول النُّعمان [1] ويعقوب [2] .

وقالت طائفةٌ عقد النِّكاح على الشِّغار باطلٌ، وهو كالنِّكاح الفاسد في كلِّ أحكامه، وهذا قول الشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكان مالك وأبو عبيد يقولان نكاح الشِّغار منسوخٌ على كلِّ حال. وفيه قول ثالث، وهو أنَّهما إن كانا لم يدخلا بهما فسخَ، ويستقبلُ النِّكاح بالبينة والمهر، وإن كانا قد دخلا بهما فلهما مهرُ مثلهما، وهو قول الأوزاعي.

وأجاب أصحابنا الحنفيَّة عن الحديث بأنَّه وردَ لإخلائه عن تسمية المهر واكتفائهِ بذلك من غير أن يجب فيه شيءٌ آخر من المال على ما كانت عليه عادتهم في الجاهليَّة، أو محمولٌ على الكراهة، والله تعالى أعلم.

ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في النِّكاح، وكذا أبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه فيه.

[1] في هامش الأصل أبو حنيفة.

[2] في هامش الأصل أبو يوسف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت