فهرس الكتاب

الصفحة 7584 من 11127

5122 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن عبد الله بن يحيى، القرشي العامري الأويسي المدني، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، أبو إسحاق الزُّهري القرشي المدني، كان على قضاء بغداد (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (حِينَ تَأَيَّمَتْ) بهمزة مفتوحة وتحتانية مشدَّدة (حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ) أي صارت أيِّمًا، وهي التي يموتُ زوجها أو تبين منه وتنقضِي عدَّتها، وأكثر ما يُطلق على من مات زوجها. وقال ابنُ بطَّال العرب تُطْلِقُ على كلِّ امرأةٍ لا زَوْجَ لها، وكلِّ رجلٍ لا امرأة له أيِّمًا، زاد في (( المشارق ) )وإن كان بكرًا، ويقال أيضًا آَمَتِ المرأةُ. وذكر الدَّارقطني أن تأيُّمَ حفصةَ رضي الله عنها من ابنِ حُذَافة أنَّه طَلَّقَها.

وقال أبو عمر وغيره إنَّه توفِّي عنها من جراحة أصابته بأحد، وعلى هذين القولين يحمل قول من قال تزوَّج حفصة بعد ثلاثين شهرًا من الهجرة. ورواية من روى سنتين في عقب بدرٍ، ورواية من روى توفي زوجها بعد خمسة وعشرين شهرًا. وقال أبو عمر تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أكثرهِم في سنة ثلاث من الهجرة. وقال أبو عبيدة تزوَّجها سنة ثنتين، وسيأتي ما يتعلَّق به تفصيلًا.

وماتت حفصة رضي الله عنها حين بايع الحسن بن علي رضي الله عنهما لمعاوية رضي الله عنه، وذلك في جمادى سنة إحدى وأربعين، وقيل سنة خمس وأربعين.

(مِنْ خُنَيْسِ) بضم الخاء المعجمة وفتح النون وآخره سين مهملة مصغرًا (ابْنِ حُذَافَةَ) بالحاء المهملة المضمومة بعدها معجمة فألف. وعند أحمد عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعمر، عن ابن شهابٍ، وهي رواية يونس، عن الزُّهري ابن حذافة أو حذيفة، والصَّواب حذافة، وهو أخو عبد الله بن حُذافة الذي تقدَّم ذكره في المغازي [خ¦4340] . ومن الرُّواة من فَتَحَ أوَّلَ خَنِيس وكَسَرَ ثانيه،

ج 22 ص 377

والأوَّل هو المشهورُ بالتَّصغير، وعند مَعْمَر كالأوَّل لكن بحاء مهملة وموحدة وشين معجمة. وقال الجيَّاني رُوِيَ أنَّ مَعْمَرًا كان يُصَحِّف في هذا الاسم فيقول جيش. وروى ابن المديني، عن هشام بن يوسف، قال قال مَعمر في حديث تأيمت حفصةُ، فقال من حُبيش بن حُذَافة، فردَّ عليه خُنَيس فقال لا، بل حبيش.

وذكرهُ البخاريُّ وموسى بن عقبة ويونس وابن أخي الزُّهري على الصَّواب بخاء معجمة ونون.

وقال الدَّارقطني اختُلِفَ على عبد الرَّزَّاق فرُوِيَ عنه على الصَّواب، ورُوِيَ عنه بالشَّك وحُذافة هو ابن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي.

(السَّهْمِيِّ) بالسين المهملة، البدري (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وزاد في رواية مَعمر، كما سيأتي بعد أبواب [خ¦5129] (( من أهل بدر ) ) (فَتُوُفِّي بِالْمَدِينَةِ) من جراحةٍ أصابته يوم أحدٍ، وقيل بل بعد بدرٍ، ولعلَّه أولى؛ فإنهم قالوا إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم تزوَّجها بعد خمسة وعشرين شَهْرًا من الهِجرة. وفي رواية (( بعد ثلاثين شهرًا ) )، وفي رواية (( بعد عشرين شَهْرًا ) )وكانت أُحُد بعد أكثر من ثلاثين شهرًا، ولكنه يصحُّ على قَوْلِ من قال بعد ثلاثين، على إلغاء الكسر.

وجزم ابنُ سعد بأنَّه مات عَقِبَ قدوم النَّبي صلى الله عليه وسلم من بدرٍ، وبه جزمَ ابنُ سيِّد الناس. ووَهَّى قولَ ابنِ عبد البر إنَّه شَهِدَ أُحُدًا وماتَ من جِرَاحَةٍ بها، وكانت حفصةُ أسنَّ من أخيها عبدِ الله؛ فإنها ولدت قبل البعثة بخمسِ سنين، وعبد الله وُلِدَ بعدَ البعثة بثلاث أو أربع.

(فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، ويروى بدون الواو، وأعادَ ذلك لوقوع الفصل، وإلَّا فقوله أولًا إنَّ عمر بن الخطَّاب لا بدَّ له من تقدير. قال ووقعَ في رواية مَعمر عند النَّسائي وأحمد عن ابن عمر، عن عمر قال (( تأيَّمت حفصة ) ).

(أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ) أن يتزوَّج بها، وفيه أنَّ عَرْضَ الرَّجل وليته إذا كان على كفؤ ليس بمنقصة عليه (فَقَالَ سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي) أي أتفكَّر فيه، ويُسْتَعْمَلُ النَّظر أيضًا بمعنى الرَّأفة لكن يتعدَّى باللام، وبمعنى الرُّؤية وهو الأصل، ويعدَّى بإلى، وقد يأتي بغير صلةٍ بمعنى الانتظار.

(فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي) أي عثمان رضي الله عنه (فَقَالَ قَدْ بَدَا لِي أَنْ لاَ أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا) وهذا هو الصَّحيح. ووقع في رواية رِبْعي بن خِراش، عن عثمان رضي الله عنه عند الطَّبري وصحَّحه هو والحاكمُ أنَّ عثمان رضي الله عنه خطب إلى عمر بنته فردَّه، فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 22 ص 378

فلمَّا راح إليه عمر رضي الله عنه قال (( يا عمر، ألا أدلُّك على ختنٍ خَيْرٍ من عثمانَ وأدلُّ عثمان على ختنٍ خير منك؟ ) )قال نعم يا نبيَّ الله قال (( تزوَّجني بنتك وأزوج عثمان بنتي ) ). قال الحافظُ ألفينا إسناده لا بأس به، لكن في (( الصحيح ) )أنَّ عمر رضي الله عنه عرضَ على عثمان حفصة رضي الله عنهما فردَّ عليه، فقال قد بدا لي أن لا أتزوج.

وقد أخرج ابنُ سعد من مرسل الحسن نحو حديث ربعي، ومن مرسل سعيد بن المسيَّب أتم منه، وزاد في آخره فخار اللهُ لهما جميعًا، ويحتملُ في الجمع بينهما أن يكون عثمان رضي الله عنه خطب أولًا إلى عمر رضي الله عنه فردَّه كما في رواية رِبْعي، وسببُ ردِّه يحتمل أن يكون من جهتها، وهي أنَّها لم ترغب في التَّزوج عن قرب من وفاة زوجها، ويحتملُ غير ذلك من الأسباب التي لا غضاضةَ فيها على عثمان في ردِّ عمر له، ثمَّ لما ارتفع السَّبب بادر عمرُ فعرض على عثمان رعاية لخاطرهِ، كما في حديث الباب.

ولعلَّ عثمان رضي الله عنه بلغَه ما بلغَ أبا بكر رضي الله عنه من ذِكْرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم لها، فصنعَ كما صَنَعَ من ترك إفشاءَ ذلك، وردَّ على عمر بجميل، ووقع في رواية ابنِ سعد، فقال عثمان (( ما لي في النِّساء من حاجة ) ).

وذكر ابنُ سعد عن الواقديِّ بسندٍ له أنَّ عمرَ عَرَضَ حفصةَ على عثمان حين توفِّيت رقية بنت النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مما يؤيِّد أنَّ موت خنيس كان بعد بدرٍ، فإن رقية ماتت ليالي بدرٍ، وتخلَّف عثمان عن بدرٍ لتمريضها.

وقد أخرج ابنُ سعد من مرسل سعيد بن المسيَّب، قال تأيَّمت حفصةُ من زوجها، وتأيمَ عثمانُ من رقية فمرَّ عمر بعثمان وهو حزينٌ، فقال هل لك في حفصةَ، فقد انقضتْ عدتها من فلان؟

(قَالَ عُمَرُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) رضي الله عنهما، هذا يشعرُ بأنَّه عقب ردَّ عثمان له (فَقُلْتُ) أي له (إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ) أي سكت وزنًا ومعنى (فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا) بفتح الياء وكسر الجيم، وهذا تأكيد لِرَفْعَ المَجَازِ لِاحْتِمَالِ أنَّه صَمَتَ

ج 22 ص 379

زمانًا ثمَّ تكلم (وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ) أي أشد موجدة؛ أي غضبًا على أبي بكر (مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ) أي من غَضَبي على عثمان، وذلك لأمرين

أحدهما ما كان بينهما من محبَّة أكيدة؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم آخى بينهما، وأمَّا عثمان فلعلَّه كان تقدَّم من عمر رده فلم يعتبْ عليه حيث لم يجبْه لما سبقَ منه في حقِّه.

والثَّاني أنَّ عثمان أجابه أولًا ثمَّ اعتذرَ له ثانيًا، وأمَّا أبو بكر رضي الله عنه فلم يعد عليه جوابًا. ووقعَ في رواية ابنِ سعد فغضبَ على أبي بكر وقال فيها (( كنت أشد غضبًا حين سكت مني على عثمان ) ).

(فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ) كذا في رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية غيره والأوَّل أوجه (حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا) بكسر الجيم؛ أي لم أعد عليك الجواب.

(قَالَ عُمَرُ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ، إِلاَّ أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرَهَا) وفي رواية ابن سعد (( فقال أبو بكر إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد كان ذكر منها شيئًا وكان سِرًّا ) ) (فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ) بضم الهمزة، من الإفشاء (سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال ابن بطَّال كان إسرار النَّبي صلى الله عليه وسلم تزويج حفصة لأبي بكر على سبيل المشورة، أو لأنَّه قد عَلِمَ قوَّةَ إيمان أبي بكر، وأنه لا يتغيَّر لذلك لكون ابنته عند النَّبي صلى الله عليه وسلم وكتمان أبي بكر لذلك؛ خشية أن يبدوَ للنَّبي صلى الله عليه وسلم في نكاحها أمرٌ، فيقعُ في قلب عمر ما وقع في قلبه لأبي بكر.

وفيه كتمان السِّرِّ فإنْ أفشاهُ صاحبُه ساغَ للَّذي أسر إليه إظهاره، فلو حلفَ لا يُفشي سرَّ فلان فأفشى فلانٌ سرَّ نَفْسِه ثمَّ تحدَّثَ به الحالفُ لا يحنث؛ لأنَّ صاحبَ السِّرِّ هو الذي أفشاه.

(وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلْتُهَا) وفي رواية معمر (( نكحتها ) ).

وفي هذا الحديث فوائد منها أنَّ من عُرِضَ عليه ما فيه الرَّغبة فله النَّظر والاختيار، وعليه أن يخبرَ بعد ذلك بما عنده لئلا يمنعها من غيرهِ، لقول عثمان رضي الله عنه بعد ليالٍ (( قد بدا لي أن لا أتزوج ) ).

ج 22 ص 380

ومنها الاعتذار؛ اقتداءً بعثمان رضي الله عنه في مقالتهِ هذه. ومنها كتمان السر فإذا أظهرَه صاحبه ارتفعَ الحرج عمَّن سمعه، وقد تقدَّم.

ومنها الرُّخصة في تزويج من عرَّض رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطبتها أو أرادَ أن يتزوَّجها لقول الصِّدِّيق رضي الله عنه (( لو تركها لقبلتها ) ).

وقد جاء في خبر آخر الرُّخصةُ في نكاح من عقد النَّبي صلى الله عليه وسلم عليها النِّكاح ولم يدخل بها، وأن الصِّدِّيق رضي الله عنه كرهه ورخَّص فيه عمر رضي الله عنه. وروى داود بن أبي هند، عن عكرمة تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأةً من كندة، يقال لها قيلة فمات ولم يدخلْ بها ولا حجبَها فتزوَّجها عكرمة بن أبي جهل فغضب أبو بكر رضي الله عنه وقال تزوجت امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه ما هي من نسائهِ؛ ما دخل بها ولا حَجَبها، ولقد ارتدت مع من ارتدَّ، فسَكَتَ.

ومنها أنَّ الصَّغير لا ينبغي له أن يخطبَ امرأةً أراد الكبير أن يتزوَّجها ولو لم تقع الخطبة فضلًا عن الركون. ومنها عَرْضُ الإنسان ابنته وغيرها من مولياتهِ على من يعتقدُ خيره وصلاحه لما فيه من النَّفع العائد عليها وعلى المعروض عليه، وأنَّه لا استحياء في ذلك، وأنَّه لا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوجًا؛ لأنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان حينئذٍ متزوجًا. ومنها أنَّ الأب يزوج بنته الثيب من غير أن يستأمرها إذا عَلِمَ أنَّها لا تَكْرَه ذلك، وكان الخاطبُ كفؤًا لها، وليس في الحديث تصريحٌ بالنَّفي المذكور إلَّا أنَّه يُؤخذ من غيره.

وقد ترجم له النَّسائي إنكاح الرجل بنته الكبيرة، فإن أراد بالرِّضى لم يخالف القواعد، وإن أرادَ بالإجبار فقد يمنع. وأمَّا قول صاحب (( التوضيح ) )من أنَّ في الحديث فساد قول من قال إنَّ للمرأة البالغة المالكة أمرها تزويج نفسها وعقد النِّكاح عليها دون وليها، ففيه أنَّ نسبةَ هذا القَولِ إلى الفَساد من الفَسَاد؛ لأنَّ مَن قال هذا لم يَقُل من عنده وإنما اعتمدَ على حجَّةٍ قويَّة، وهي ما رواه مسلم في (( صحيحه ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح حتى تستأذن ) )قالوا يا رسول الله كيف إذنها؟ قال (( أن تسكتَ ) ).

وروي من حديث

ج 22 ص 381

ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( الأيمُّ أحقُّ بنفسها من وليها، والبكرُ تستأذن في نفسها وإذنها صُمَاتُها ) ).

فإن قيل المراد بالأيم في الحديث الثَّيِّبُ دون غيرها، ذكرهُ المزني عن الشَّافعي.

فالجواب أنَّ هذا لفظ عامٌّ يتناولُ البكر والثَّيب والمطلَّقة والمتوفى عنها زوجها، ويجبُ العمل بعموم العام وأنَّه يوجبُ الحكم فيما يتناوله قطعًا وتخصيصُه بالثَّيب إخراجُ الكلام من عمومهِ. فإن قيل جاءت الرِّواية (( الثَّيب أحقُّ بنفسها ) )وهذه تفسِّر تلك الرواية. فالجواب أنَّه لا إجمال فيها حتى يحتاجَ إلى التَّفسير بل يعملُ بكلِّ واحدةٍ منهما؛ فيعملُ برواية الأيم على عمومها، وبرواية الثَّيب على خصوصها، ولا مُنافاة بين الرِّوايتين على أنَّ أبا حنيفة رحمه الله رجَّح العملَ بالعام على الخاص، كما رجَّح قوله (( ما أخرجتْه الأرضُ ففيه العشر ) )على الخاص الوارد فيه، وهو قوله (( ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة ) ).

فإن قيل قال التِّرمذي قد احتجَّ بعضُ الناس بقوله صلى الله عليه وسلم (( الأيم أحقُّ بنفسها ) )وقد روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا نكاح إلَّا بولي ) )وهكذا أفتى به بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال لا نكاح إلَّا بولي.

فالجواب أنَّه قال العيني هذا عجبٌ عظيم من التِّرمذي لقوله بما لا يليقُ بحاله؛ لأن حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( لا نكاح إلَّا بولي ) )كيف يساوي هذا الحديث الصَّحيح المجمع على صحَّته. وقد تكلَّموا في حديث (( لا نكاح إلَّا بولي ) ). فقال أحمدُ ليس يصحُّ في هذا شيء إلَّا حديث سليمان بن موسى، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (( أيما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إذن وليِّها فنكاحُها باطل ) )رواه أبو داود والتِّرمذي. قال العيني وسليمان بن موسى متكلَّم فيه. قال ابن جُريج والبخاري عنده مناكير، وقال عليُّ بن المديني مطعون عليه. وقال العقيلي اختلطَ قبل موته بيسير، ولئن سلَّمنا صحَّة (( لا نكاح إلَّا بولي ) )في رواية ابن عبَّاس، فالصَّحيح أنه موقوف، فمتى يُداني هذا الحديث الصَّحيح المرفوع الثابت عند أهل النقل، ولهذا تجنَّب البخاري ومسلم

ج 22 ص 382

في تخريجه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وغيره.

وقال الخطَّابي قوله (( لا نكاح إلَّا بولي ) )فيه ثبوت النِّكاح على عمومهِ وخصوصهِ بولي، وتأوَّله بعضُهم على نفي الفضيلةِ والكمال، وهذا تأويلٌ فاسدٌ؛ لأنَّ العموم يأتي على أصلهِ جوازًا وكمالًا، والنَّفي في المعاملات يوجبُ الفساد.

قال العينيُّ سلَّمنا أنَّه على عمومه، ولكن معناهُ محمولٌ على الكمال، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا صلاةَ لجارِ المسجد إلَّا في المسجد ) )وجَعْلُه النِّكاحَ من المعاملاتِ فاسدٌ؛ لأنَّه من العباداتِ حتى إنَّه أفضل من الصَّلاة النَّافلة؛ فيكون له جهتان من جواز ناقصٍ وكاملٍ. فإن قيل روي (( لا نكاح إلَّا بولي ) )عن أبي هريرة وعمران بن حُصين وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدريِّ وعبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم. فحديث أبي هريرة عند أحمد بن عدي. وحديث عمران عند حمزة السَّهمي في (( تاريخ جرجان ) )وعند الدَّارقطني. وحديث أنسٍ عند الحاكم في (( المستدرك ) )، وحديث جابر عند أبي يعلى الموصلي، وحديث أبي سعيد عند الدَّارقطني، وحديث ابن عمر عند الدَّارقطني أيضًا، وحديث معاذ عند ابن الجوزيِّ في (( العلل المتناهية ) ).

فالجواب أنَّ حديث أبي هريرة في إسنادهِ المغيرة بن موسى. قال البخاريُّ منكرُ الحديث، وقال ابن حبَّان يأتي عن الثِّقات بما لا يُشْبِهُ حديثَ الأثبات فبطلَ الاحتجاجُ به. وأمَّا حديث عمران ففي إسنادِهِ عبد الله بن عَمرو الواقفي، قال عليٌّ كان يضعُ الحديث، وقال الدَّارقطني كان يكذب. وأمَّا حديث أنس ... [1] . وأمَّا حديث جابر فمحمولٌ على نفي الكمال، وأمَّا حديث أبي سعيد، ففي إسنادهِ ربيعة بن عثمان، قال أبو حاتم منكر الحديث. وأمَّا حديث عبد الله بن عمر، ففي إسناده ثابت بن زهير، قال النَّسائي ليس بثقة. وأمَّا حديث معاذ ففي إسنادِهِ أبو عصمة نوح. قال ابنُ الجوزي كان يُتهم بالوضع، وقال الدَّارقطني متروكٌ.

[1] بياض في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت