5127 - (قَالَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أي ابن سعيد بن مسلم بن عُبيد بن مسلم، أبو سعيد الجُعفي الكوفي المقرئ، قال المنذريُّ قدم يحيى بن سليمان مصر،
ج 22 ص 398
وحدَّث بها وتوفي بها سنة ثمان، ويقال سبع وثلاثين ومائتين، وهو أحدُ شيوخ البخاري (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب الزُّهري، والبخاري يحكي عن يحيى بطريق النَّقل عنه بدون حدَّثنا أو أخبرنا، وقد روى عن أحمد بن صالح كما سيأتي.
وقال الحافظُ العسقلاني وأمَّا لفظ ابن وهب فلم أره من رواية يحيى بن سليمان، لكن أخرجه الدَّراقطني من طريق أصبغ وأبو نُعيم في (( المستخرج ) )من طريق أحمد بن عبد الرَّحمن بن وهب والإسماعيلي والجَوْزقي من طريق عثمان بن صالح ثلاثتهم، عن ابن وهب (ح) تحويل من سند إلى آخر (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر المصري، قال (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة والسين المهملة، هو ابنُ خالد ابن أخي يونس، واللَّفظ المسوق له، قال (حَدَّثَنَا يُونُسُ) أي ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في زمنها (كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ) جمع نحو؛ أي ضرب ونوع وَزْنًا ومَعْنَى، ويطلقُ لفظ النَّحو أيضًا على الجِهَةِ والمِثْل والعلم المعروف في العربية. قال الدَّاودي وغيره بقيَ أنحاء لم تذكرها الأول نكاح الخدن وهو قوله تعالى {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء 25] كانوا يقولون ما استتر فلا بأس به، وما ظهرَ فهو لؤمٌ. الثاني نكاحُ المتعة، وقد تقدَّم بيانه. الثَّالث نكاحُ البدل. وقد أخرج الدَّارقطني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه كان البدلُ في الجاهليَّة أن يقولَ الرَّجل للرجل أنزلْ لي عن امرأتك، وأنزلُ لك عن امرأتي وأزيدُك. ولكن إسناده ضعيف جدًا.
(فَنِكَاحٌ مِنْهَا) وهو الأول (نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ) كلمة أو للتَّنويع لا للشَّك، وثبت قوله في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني، فيكون المراد بها أخته (فَيُصْدِقُهَا) بضم الياء وسكون الصاد؛ أي يجعل لها صداقًا معينًا (ثُمَّ يَنْكِحُهَا) أي يعقد عليها (وَنِكَاحُ الآخَرِ) وهو الثاني، وهو بالإضافة في رواية أبي ذرٍّ؛ أي نكاح الصِّنف الآخر، وفي رواية الباقين بالتنوين وبدون اللام في آخر صفته (كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ) بفتح الطاء المهملة
ج 22 ص 399
وضم الهاء، على لفظ الغيبة (مِنْ طَمْثِهَا) بفتح الطاء المهملة وسكون الميم وبالمثلثة؛ أي من حيضها ليسرع علوقها (أَرْسِلِي إِلَى فُلاَنٍ) أي رجل من أشرافهم (فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ) بموحدة بعدها ضاد معجمة؛ أي اطلبي منه المباضعةَ، وهي الجماعُ، مشتقٌّ من البضع وهو الفرج، ووقع في رواية أصبغ عند الدَّارقطني (( استرضعي ) )بالراء بدل الموحدة، قال راويه محمد بن إسحاق الصَّغاني الأوَّل هو الصَّواب؛ يعني بالموحدة.
(فَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلاَ يَمَسُّهَا أَبَدًا) أي ولا يجامعها (حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ) أي تطلبُ منه الجماع (فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا) أي جامعها (زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ) الرجل (ذَلِكَ) الاستبضاع من فلان (رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ) أي لأجل رغبة في نجابة الولدِ، من نَجَب يَنْجب إذا كان فاضلًا نفيسًا في نوعه، وكانوا يطلبون ذلك اكتسابًا من ماءِ الفحل، وكانوا يطلبونَه من أشرافهم ورؤسائهم وأكابرهِم.
(فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ، وَنِكَاحٌ آخَرُ) وهو الثالث (يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ) قد مرَّ غير مرَّة أنَّ الرهط اسمٌ لما دون العَشَرة، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحدَ له من لفظه، ويجمع على أَرْهُط وأَرْهَاط، وأَرَاهِط جَمْعُ الجَمْع، وإنما قال ما دون العشرة احترازًا عن قول البعض أنَّ الرَّهط إلى الأربعين.
(فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا) أي يطأها ولما كان هذا النِّكاح يجتمعُ عليه أكثر من واحدٍ كان لا بدَّ من ضبط العدد الزَّائد لئلا ينتشرَ، والظَّاهر أنَّ ذلك إنما يكون عن رضى منها وتَواطؤ بينهم وبينها (فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ لَيَالٍ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره (بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ، حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ) كذا في رواية الأكثر بلفظ الجمع خطابًا لأولئك الرجال، وفي رواية الكُشْمِيْهَني على خطاب الواحد (الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ) بضم التاء، لأنَّه من كلامها (فَهُوَ ابْنُكَ) أي إن كان ذكرًا ولو كانت أنثى لقالت هي ابنتُك، لكن يحتمل أن يكون لا تَفْعَلُ ذلك لأنَّهم كانوا يَكْرَهُون البنات حتى إنَّ منهم من كان يقتلُ بنته الحقيقية، وهي الموؤدة.
(يَا فُلاَنُ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ
ج 22 ص 400
وَلَدُهَا) هكذا في رواية أبي ذرٍّ، فإن قُرِئ بفتح الياء والحاء، يكون قوله ولدُها، مرفوعًا به وإن كان بضم التاء وكسر الحاء، يكون فيه الضمير راجعًا إلى المرأة ويكون ولدها منصوبًا به، وفي رواية غير أبي ذرٍّ بزيادة مثناة (لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ) وفي رواية الكُشْمِيْهَني .
(الرَّجُلُ، وَنِكَاحُ الرَّابِعِ) بالإضافة؛ أي ونكاح النوع الرابع، أو هو من إضافة الشيء إلى نفسه على رأي الكوفيين، وروي بقطعها أيضًا (يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ) يطؤونها (لاَ تَمْنَعُ مَنْ جَاءَهَا) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره من وطئها.
(وَهُنَّ الْبَغَايَا) جمع بغي، وهي الزَّانية يقال بغتِ المرأة تَبْغي بَغِيًا، بالكسر، إذا زنت فهي بَغِيٌّ (كُنَّ يَنْصِبْنَ) بكسر الصاد (عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ) جمع راية (تَكُونُ عَلَمًا) بفتح اللام؛ أي علامة (فَمَنْ أَرَادَهُنَّ) كذا في رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية غيره فقط، ويروى باللام الجارة، بدل الفاء، والظَّاهر هو الأول.
(دَخَلَ عَلَيْهِنَّ) فيطأهنَّ (فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا) بضم الجيم وكسر الميم (وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَةَ) بالقاف، جمع قائف، وهو الذي يُلْحِقُ الولدَ بالولدِ بالآثار الخفيَّة (ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ) أي التصق به، يقال هذا لا يلتاط به؛ أي لا يلتصقُ به، واستلاطُوه؛ أي استلحقوهُ وأصل اللَّوط، بفتح اللام اللُّصوق، وفي رواية ، وفي رواية الكُشْمِيْهَني أي استلحقه.
(وَدُعِيَ ابْنَهُ، لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ، هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ) أي أهل الجاهلية، كما في رواية الدَّراقطني (كُلَّهُ) ما ذكر وغيره (إِلاَّ نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ) وهو أن يخطب الرجل إلى الرجل فيزوِّجه، وهو النوع الأوَّل من أنواع الأنكحة المذكورة في حديث عائشة رضي الله عنها، وقد احتجَّ بهذا على اشتراط الولي، وتعقِّب بأنَّ عائشة رضي الله عنها
ج 22 ص 401
وهي التي روت هذا الحديث كانت تجيزُ النِّكاح بغير ولي، كما روى مالك أنَّها زوَّجت بنت عبد الرَّحمن أخيها، وهو غائبٌ فلمَّا قدم، قال مثلِي يُفْتات عليه في بناته.
وأُجيب بأنَّه لم يَرِدْ في الخَبَرِ التَّصريحُ بأنَّها باشرت العقدَ فقد يحتمل أن تكون البنت المذكورة ثيِّبًا وَدَعَتْ إلى كُفْء وأبوها غائب فانتقلت الولاية إلى الولي الأبعد أو إلى السُّلطان، وقد صحَّ عن عائشة رضي الله عنها أنَّها أنكحتْ رجلًا من بني أخيها فضربَ بستر ثمَّ تكلمت حتى إذا لم يبق إلَّا العقد أمرت رجلًا فأنكحَ ثمَّ قالت (( ليس إلى النِّساء نكاح ) ). أخرجه عبد الرَّزَّاق.
ومطابقة الحديث للترجمة تُؤخذ من قوله (( منها نكاحُ الناس اليوم ) )إلى قوله (( ونكاح آخر ) ). وقد أخرجه أبو داود أيضًا في النِّكاح.