فهرس الكتاب

الصفحة 7630 من 11127

5151 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الطَّيالسي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد الإمام، ويروى بدون اللام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) أبي رجاء المصري، واسم أبي حبيب سويد (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هو مرثدُ بن عبد الله اليزني (عَنْ عُقْبَةَ) بضم العين، هو ابنُ عامر الجُهني (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه(قَالَ أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ

ج 22 ص 457

مِنَ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ)أي بأن توفوا؛ أي بالإيفاء، وفي رواية مسلم من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب (( إنَّ أحقَّ الشُّروط أن يوفى به ) ) (مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) بالنصب على أنَّه مفعول (( استحللتُم ) )، وحاصل المعنى أحقُّ الشُّروط بالوفاء شروطُ النِّكاح؛ لأنَّ أمرَه أحوطُ وبابَه أضيقُ.

وفي «التوضيح» معنى أحقُّ الشُّروط ... إلى آخره يحتمل أن يكونَ معناه المشهورُ الذي أجمع أهلُ العلم عليه على أنَّ الزَّوج يجبُ عليه الوفاء بها؛ بمقتضَى الزَّوجية؛ من المهر والنَّفقة وحسن العشرة، فإنَّ الزَّوج التزمها بالعقدِ فكأنَّها شُرِطَتْ فيه. ويحتمل أن يكون ما شُرِطَ على النَّاكح في عقد النِّكاح ممَّا أمر الله به من إمْسَاكِهِ بمعروفٍ، أو تسريح بإحسان، فإذا احتمل الحديث معاني كان ما وافق الكتاب والسنَّة أولى، وقد أبطل الشَّارع كلَّ شَرْطٍ ليس في كتاب الله تعالى.

وقال الشيخ زين الدِّين العراقي قوله (( أحقُّ الشروط ) )هل المراد به أحقُّ الحقوق اللَّازمة، أو هو من باب الأولوية. قال صاحب «الإكمال» أحقُّ هنا بمعنى أولى لا بمعنى الإلزام عند كافَّة العلماء، قال وحَمَلَه بعضُهم على الوجوب. وقال ابن بطَّال فإن كان في هذه الشُّروط ما ليس بطلاق أو عتق وجبَ ذلك عليه ولَزِمَه عند مالك والكوفيين، وعند كلِّ من يرى الطَّلاق قبل النِّكاح بشرط الطَّلاق لازمًا، وكذلك العتق وهو قول عطاء والنَّخعي والجمهور. قال النَّخعي كلُّ شرط في النِّكاح، فالنِّكاح يَهْدِمُه إلَّا الطَّلاق، ولا يَلْزَمُه شيءٌ من هذه الأَيمان عند الشَّافعي؛ لأنه لا يرى الطلاقَ قَبْلَ النِّكاح لازمًا، ولا العتق قبل الملك.

وقد فصَّل الخطابي في ذلك فقال الشُّروط في النِّكاح مختلفة فمنها ما يجب الوفاء به اتِّفاقًا، وهو ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسان، وعليه حَمَلَ بعضُهم هذا الحديث. ومنها ما لا يُوَفَّى به اتِّفاقًا كسؤال طلاق أختها. وسيأتي حُكْمُه في الباب الذي يليه.

ومنها ما اختُلِفَ فيه كاشتراط أن لا يتزوَّج عليها أو لا يتسرَّى، أولا ينقلها من منزلها إلى منزله، وعند الشَّافعية الشُّروط

ج 22 ص 458

في النِّكاح على ضروب منها ما يرجعُ إلى الصَّداق فيجب الوفاء به. ومنها ما يكون خارجًا عنه فيختلف الحكم فيه. ومنها ما يتعلَّق بحُكْمِ الزوج، وسيأتي بيانه. ومن الشروط ما يشترطُه العاقد لنفسه غير الصَّداق، فقيل إنَّه يجبُ على الزَّوج القيام به؛ لأنَّه من الشُّروط التي استحلَّ به فرج المنكوحة.

لكن اختلف العلماء هل يكون ذلك للولي أو للمرأة؟ فذهب عطاء وطاوس والزُّهري أنَّه للمرأة، وبه قضى عمر بن عبد العزيز، وهو قول الثَّوري وأبي عبيد، وذهب علي بن الحسين ومسروق إلى أنَّه للولي. وقال عكرمة إن كان هو الذي ينكح فهو له، وقيل يختصُّ ذلك بالأب دون غيره من الأولياء، حكاه صاحب «المفهم» فقال وقيل هذا مقصور على الأب خاصَّة لتبسطه في مال الولد، وذهب سعيدُ بن المسيَّب وعروة بن الزبير إلى التَّفرقة بين أن يشترط ذلك قبل عصمة النِّكاح أو بعدها فقالا أيُّما امرأة أنكحتْ على صداق أو عدة لأهلها، فإن كان قبل عصمة النِّكاح فهو لها، وما كان من حباءٍ لِأَهْلِها فهو لهم.

وقال مالك إن كان هذا الاشتراط في حال العقد فهو للمرأة، وإن كان بعدَهُ فهو لمن وهب له، وبه قال الشَّافعي في «القديم» ونصَّ عليه في الإملاء، وجاء في ذلك حديث مرفوعٌ أخرجه النَّسائي من طريق ابن جُريج، عن عَمْرِو بن شُعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( أيما امرأةٍ نكحتْ على صداقٍ أو حباءٍ أو عدة قبل عصمة النِّكاح فهو لها، فما كان بعد عصمةِ النِّكاح فهو لمن أعطيه، وأحقُّ ما أكرم به الرَّجل ابنته أو أخته ) ). وأخرجه البيهقيُّ من طريق حجَّاج بن أرطاة، عن عَمرو بن شعيب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها نحوه. وقال التِّرمذي بعد تخريجه والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصَّحابة رضي الله عنهم منهم عمر رضي الله عنه، وقال الشَّافعي في كتاب «الصداق» إن وقع الاشتراطُ في نفس العقد فالصَّداق فاسدٌ ولها مهرُ مثلها، وإن وقع خارجًا عنه

ج 22 ص 459

لم يجب، وهذا الذي صحَّحه أصحاب الشَّافعي. وقال الرَّافعي الظَّاهر من الخلاف القول بالفسادِ ووجوب مهر المثل. وقال النَّووي إنَّه المذهب.

وتحقيق المقام أنَّ الحديثَ محمولٌ على الشُّروط التي لا تنافي مقتضى النِّكاح بل تكون من مقتضياته كاشتراط العِشرة بالمعروف والإنفاق والكسوة والسُّكنى، وأن لا يقصِّر في شيءٍ من حقِّها من قَسَمٍ ونحوه، وكشرطه عليها أن لا تخرج إلَّا بإذنه ولا تَمْنعه نفسها، ولا تتصرَّف في متاعه إلَّا برضاه ونحو ذلك، فذلك لا يؤثِّر في صحة النِّكاح ولا في الصَّداق. وأمَّا الشروط التي تنافي مقتضى النِّكاح كأن لا يقسم لها، أو أن لا ينفق، أو لا يتزوَّج عليها ولا يتسرَّى عليها، أو لا يسافرُ بها، أو أن يسكنها مع ضرَّتها فلا يجبُ الوفاءُ بها، بل إن وقعت في صلب العقد لغتْ وصحَّ النِّكاح. وعند الشَّافعي يجبُ مهر المثل في وَجْهٍ لا المُسَمَّى لفساد الشرط؛ لأنَّه إن كان لها فلم ترض بالمسمَّى وحدَه، وإن كان عليها فلم يرض الزَّوج بالمسمَّى إلَّا عند سلامة ما شرطه، فإذا فسدَ الشَّرط وليس له قيمة يَرْجِعُ إليها وجبَ الرجوعُ إلى مهر المثل، وفي وَجْهٍ يَجِبُ المُسَمَّى ولا أثر للشَّرط، وفي قول للشَّافعي يبطل النِّكاح.

وأمَّا الشروط التي تخل بأمر النِّكاح كشرط أن يطلِّقها ولو بعد الوطئ، أو أن له الخيار في النِّكاح بطل النِّكاح عند الشَّافعي، ولو اشترط أنَّها لا ترثه، أو أنَّه لا يرثها، أو على أنَّ النَّفقة على غير الزَّوج بطل النِّكاح للإخلال المذكور، وفي قول يصحُّ ويبطل الشَّرط، قال البُلقيني وغيره وهذا هو الأصحُّ ووجهُه أنَّ الشرط المذكور لا يخلُّ بمقصود العقد، وقال أحمدُ وجماعة يجبُ الوفاء بالشَّرط مطلقًا، وقد استشكل ابنُ دقيق العيد حَمْلَ الحديثِ على الشروط التي هي من مقتضيات النِّكاح، وقال تلك الأمور لا تؤثِّر الشُّروط في إيجابها فلا تَشْتَدُّ الحاجةُ إلى تعليقِ الحُكْمِ باشتراطها، وسياقُ الحديثِ يَقتضِي خلافَ ذلك؛ لأنَّ لفظ (( أحق الشُّروط ) )يقتضي أن يكون بعضُ الشُّروط يقتضي الوفاء بها، وبعضُها

ج 22 ص 460

أشدُّ اقتضاءً، والشُّروط التي هي من مقتضى العقد مستويةٌ في وجوب الوفاء بها.

قال التِّرمذي قال عليٌّ (( سبق شرط الله شرطها ) )، قال وهو قول الثَّوري وبعض أهل الكوفة، والمراد في الحديث الشُّروط الجائزة لا المنهي عنها. انتهى.

وقد اخُتلِفَ عن عمر رضي الله عنه؛ فروى ابنُ وهب بإسنادٍ جيدٍ عن عبيد بن السباق (( أنَّ رجلًا تزوج امرأةً فشرط لها أن لا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر رضي الله عنه فوضع الشَّرط، وقال المرأةُ مع زوجها ) )، زاد أبو عبيد ولم يلزمها الشرط. قال أبو عبيد تضادت الرِّوايات عن عمر رضي الله عنه في هذا، وقد قال بالقول الأول عَمرو بن العاص، ومن التَّابعين طاوس وأبو الشَّعثاء، وقال الأوزاعيُّ نأخذ بالقول الأول ونرى أن لها شرطها، وقال اللَّيث والثَّوري ومالك وسفيان بن سعيد بالقول الآخر، وهو قول عليٍّ رضي الله عنه أيضًا، حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلًا فرضيت بخمسين على أن لا يخرجها، فله إخراجها، ولا يلزمه إلَّا المسمى، وقالت الحنفيَّة لها أن ترجعَ عليه بما نقصته له من الصَّداق، وقال الشَّافعي يصح النِّكاح ويَلْغُو الشَّرطُ ويلزمُه مهرُ المثل، وعنه يَصِحُّ وتستحِقُّ الكُلَّ.

قال أبو عبيد والذي نأخذ به أنا نأمره بالوفاء بشرطهِ من غير أن نحكمَ عليه بذلك، قال وقد أجمعوا على أنَّها لو اشترطتْ عليه أن لا يطأها، لم يجب الوفاء بذلك الشَّرط، فكذلك هذا. ومما يقوِّي حَمْلَ حديثِ عُقبة على النَّدب ما سيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة بَرِيرة [خ¦5280 بعد] (( كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطلٌ ) )، والوطءُ والإسكانُ وغيرُهما من حقوق الزَّوج إذا شُرِطَ عليه إسقاطُ شيءٍ منها كان شرطًا ليسَ في كتابِ الله فيبطل.

وقد تقدم في (( البيوع ) )الإشارةُ إلى حديث (( المسلمون عند شروطهم إلَّا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرم حلالًا ) ) [خ¦2274 قبل] ، وحديث (( المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق ) ).

وقد أخرج الطَّبراني في «الصغير» بإسنادٍ حسن عن جابر رضي الله عنه

ج 22 ص 461

أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم خطب أمَّ مبشر بنت البراء بن مَعْرور فقالت إنِّي شرطتُ لزوجي أن لا أتزوج بعده، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ هذا لا يَصْلُحُ ) ).

ومطابقة الحديث للترجمة تُؤخذ من معناه، وهو وقوع الشَّرط في النِّكاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت