فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 11127

461 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (رَوْحٌ) بفتح الراء، هو ابن عُبَادة _ بضم المهملة وتخفيف الموحدة _ (وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المشهور بغُنْدَر، كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ زِيَادٍ) بكسر الزاي وتخفيف التحتية القرشي الجُمَحي، مولى آل عمر بن مظعون

ج 3 ص 318

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد ما بين مروزي وبصري.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦1210] و «التفسير» [خ¦4808] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦3423] و «صفة إبليس» [خ¦3284] ، وأخرجه مسلم في «الصلاة» ، والنسائي في «التفسير» .

(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ عِفْرِيتًا) بكسر العين المهملة، على وزن فِعلِيت، وقال الزَّجاج العفريت النافذ في الأمر المبالغ فيه، مع خبث ودهاء، وفي (( المحكم ) )رجل عِفْرٌ وعِفْرِيَة وعِفَارِيَة وعِفْريت بيِّنُ العَفارة، خبيثٌ منكرٌ.

(مِنَ الْجِنِّ) بيان له، والجنُّ خلاف الإنس، وقال ابن سيده الجنُّ نوع من العالم، والجمع جِنَّان، وهم الجِنَّة، والجنِّي منسوب إلى الجنِّ أو الجنَّة، وأرض مجنَّة؛ أي كثيرةُ الجنِّ، والجان أبو الجنِّ.

والمادة منبئة عن الستر، يقال جنَّه اللَّيل وأجنَّه، وجنَّ عليه، غطَّاه وستره، وكلُّ شيءٍ استتر عنك فقد جُنَّ عنك، ومنه سمِّيت الجنُّ لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه أيضًا سمِّي الجنين جنينًا.

اعلم أنَّ الموجود الممكن الذي ليس بمتحيِّز ولا صفة لمتحيِّز هم الأرواح، وهي إمَّا سفليَّة أو علويَّة، فالسفليَّة إمَّا خَيِّرة، وهم صالحو الجنِّ، أو شرِّيرة وهم مردةُ الشَّياطين، والعلويَّة إمَّا متعلِّقة بالأجسام، وهي الأرواح الفلكيَّة على ما قالوا، أو غير متعلِّقة بالأجسام وهي الأرواح المطهَّرة المقدَّسة.

والمعنى أنَّ جنيًّا منكرًا متمردًا (تَفَلَّتَ) بفتح الفاء وتشديد اللام (عَلَيَّ) أي تعرَّض لي فلتة؛ أي بغتة.

وفي (( المحكم ) )أفلت الشيءَ أخذه بغتةً في سرعة، وكان ذلك فلتةً؛ أي فجأة، والجمع فلتات، والفلتة أيضًا الأمر يقع من غير إحكام.

وفي (( المنتهى ) )تفلَّت إلينا وعلينا، وفي (( الصحاح ) )أفلت الشَّيء يفلت وانفلتَ بمعنىً، وأفلته غيره.

(الْبَارِحَةَ) هي أقربُ ليلة مضت، وفي (( المنتهى ) )كلُّ زائل بارح، ومنه سمِّيت البارحة أدنى ليلة زالت عنك، تقول لقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثلاث ليال، وفي (( المحكم ) )هي اللَّيلة الخالية.

وقال قاسم في كتاب (( الدلائل ) )يقال بارحة الأولى بإضافة الاسم إلى الصِّفة، كما يقال مسجد الجامع، ومنه الحديث (( كانت لي شاةٌ، فعَدَا عليها الذِّئب بارحة الأولى ) )وانتصابها على الظرفية.

(أَوْ) قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَلِمَةً نَحْوَهَا) أي نحو كلمة (( تفلَّت عليَّ البارحة ) )، مثل قوله في رواية أخرى للبخاري (( عرض لي، فشد عليَّ ) ) [خ¦1210] ووقع في رواية عبد الرزاق (( عرض لي في صورة هِرٍّ ) )، وفي

ج 3 ص 319

رواية مسلم من حديث أبي الدَّرداء (( جاء بشهاب من نار، ليجعله في وجهي ) ).

(لِيَقْطَعَ) بتفلُّته (عَلَيَّ الصَّلاَةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ) (( فأخذته، فصرعته، فخنقته، حتى وجدت برد لسانه على يدي ) )كما في رواية النسائي (فَأَرَدْتُ) بالفاء، وفي رواية بالواو (أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر الموحدة (إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) أي أسطوانة من أساطينهِ (حَتَّى تُصْبِحُوا) أي تدخلوا في الصَّباح (وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ) بالرفع على أنَّه تأكيد للضَّمير المرفوع، وهل كانت إرادته لربطه بعد تمام الصَّلاة أو فيها لكونه يسيرًا، احتمالان ذكرهما ابن الملقِّن.

(فَذَكَرْتُ) من الذُّكر _ بضم الذال المعجمة _ (قَوْلَ أَخِي) في النُّبوة (سُلَيْمَانَ) بن داود عليهما السلام ( {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} ) [ص 35] من البشر مثله، فتركه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع القدرة عليه، حرصًا على إجابة الله دعوة سليمان عليه الصَّلاة والسلام، وفي رواية إلى آخره، وفي أخرى إلى آخره، قال الكرمانيُّ ولعلَّه على قصد الاقتباس، لا على قصد أنَّه قرآن. انتهى. وزيد في نسخة < {إنَّك أنت الوهاب} >.

(قَالَ رَوْحُ) بن عبادة في روايته (فَرَدَّهُ) أي فردَّ النَّبي صلى اله عليه وسلم العفريت حال كونه (خَاسِئًا) مطرودًا مبعَّدًا، في (( المحكم ) )الخاسئ من الكلاب والخنازير والشياطين البعيد، الذي لا يُترك أن يدنو من الناس، وفي (( الصحاح ) )خسأتُ الكلبَ طردتُه، وخسأ الكلب نفسه، يتعدَّى ولا يتعدَّى ويكون الخاسئ بمعنى الصَّاغر الذَّليل.

ثمَّ إنَّ قوله هذا بحسب الظَّاهر يدلُّ على أنَّ هذه الزِّيادة في رواية روح دون رفيقه محمد بن جعفر، ولكن المؤلِّف رحمه الله روى في أحاديث عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر وحده فزاد في آخره أيضًا (( فرددته خاسئًا ) ) [خ¦3423] . وفي رواية مسلم (( فردَّه الله خاسئًا ) )ثمَّ إنَّ الظَّاهر أنَّ قوله قال رَوْح ... إلى آخره داخل تحت الإسناد السَّابق.

ومن فوائد الحديث ما قاله الخطَّابي إنَّ فيه دليلًا على أنَّ رؤية البشر الجنَّ غير مستحيلة، والجنُّ أجسامٌ لطيفة، والجسم وإن لَطُفَ فدَرْكُه غير ممتنع أصلًا، أما قوله تعالى {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف 27] فإن ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم امتحنَهم الله تعالى بذلك، وابتلاهم؛ ليفزعوا إليه ويستعيذوا به من شرِّهم،

ج 3 ص 320

ويطلبوا الأمان من غائِلتهم، ولا يُنكر أن يكون حكم الخاص والنَّادر من المصطفين من عباده بخلاف ذلك.

وقال الكرماني لا حاجة إلى هذا التَّأويل إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إيَّاهم مطلقًا إذ المفاد منها أنَّ رؤيته إيَّانا مقيَّدة بهذه الحيثيَّة، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا قط، ويجوز رؤيتنا إيَّاهم في غير ذلك الوقت.

ومنها أنَّ الجنَّ ليسوا باقين على عنصرهم النَّاري، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( رأيتُ ليلة أُسري بي عفريتًا من الجنِّ يطلبني بشعلةٍ من نارٍ، كلما التفتَ رأيته ) )ولو كانوا باقين على عنصرهم النَّاري، وأنهم نار محرقة لما احتاجوا أن يأتي الشَّيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشَّيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مسَّ ابن آدم أحرقه، كما تحرق الآدمي النار الحقيقيَّة بمجرَّد اللَّمس، فدلَّ أنَّ تلك النارية قد انغمرت في سائر العناصر حتى صار البرد، ويؤيِّد ذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( وجدتُ برد لسانه على يدي ) )، وفي رواية (( برد لعابه ) ).

وقال ابن بطال رؤيته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للعفريت ممَّا خُصَّ به كما خصَّ برؤية الملائكة فقد أخبرَ أنَّ جبريل عليه السلام له ستمائة جناح، ورأى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشيطان في هذه اللَّيلة وأقدره الله عليه لتَجَسُّمه؛ لأن الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنَّه أُلْقي في روعه ما وهب سليمان عليه السلام فلم ينفِّذ ما قوي عليه من حَبْسه رغبةً عمَّا أراد سليمان عليه السلام الانفراد به، وحرصًا على إجابة الله دعوته.

وفيه دليلٌّ على أنَّ أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام كانوا يرون الجنَّ وهو من دَلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إيَّاهم لم يكن تقوم الحجَّة له لمكانته عليهم.

هذا؛ وأما غير النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يمكَّن منه، ولا يرى أحد الشَّيطان على صورته غيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لقوله تعالى {إِنَّهُ يَرَاكُمْ} الآيةَ [الأعراف 27] ، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكَّل في غير شكله، كما تشكَّل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته في صورة حيَّة فقتله فمات الرَّجل به، وبيَّن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بقوله (( إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا فإذا رأيتُم من هذه الهوام شيئًا، فآذنوه ثلاثًا، فإن بدا لكم فاقتلوه ) )رواه الترمذي والنسائي في اليوم واللَّيلة

ج 3 ص 321

من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.

ثمَّ اعلم أنَّ الجنَّ يتصوَّرون بصور شتَّى، ويتشكَّلون في صورة الإنس والجنِّ والحيَّات والعقارب والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وسائر البهائم، وفي صورة الطير أيضًا.

وقال القاضي أبو يعلى لا قدرة للشَّياطين على تغيير خلقتهم والانتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلِّمهم الله كلماتٍ وضربًا من ضروب الأفعال إذا فعله وتكلَّم به نقله الله من صورةٍ إلى صورة أخرى، وأمَّا أنَّه يتصوَّر بنفسه فذلك محال؛ لأنَّ انتقالها من صورة إلى صورةٍ إنما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء، وإذا انتقضت بطلت الحياة، والقول في تشكل الملائكة كذلك.

ومن الفوائد أيضًا جواز ربط الأسير في المسجد، وعلى هذا بوَّب البخاري الباب، ومن هذا قال المهلَّب إنَّ في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحقٍّ عليه أو دينٍ والتَّوثق منه في المسجد وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت