فهرس الكتاب

الصفحة 7676 من 11127

5177 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز. قال الكرماني الزُّهري يروي عن رجلين كلاهما أعرج واسمهما عبد الرَّحمن، أحدهما عبد الرَّحمن بن هرمز الهاشمي، والثَّاني عبد الرَّحمن بن سعد المخزومي، والظَّاهر أنَّ هذا هو الأوَّل لا الثَّاني. وفي رجال البُخاري أعرج آخر ثالث يروي أيضًا عن أبي هُريرة رضي الله عنه اسمه ثابت بن عياض القرشي، ويقال له الأحنف.

قال العيني ومثل هذا الذي تتفقُ أسماؤهم وأسماء آبائهم في الرواة كثير؛ فيحصل التَّمييز بالقرائن.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ) قال البيضاويُّ يريد من شرِّ الطَّعام، فمن مُقَدَّرَة، فإنَّ من الطَّعام ما يكون شرًا أيضًا، وإنَّما سمَّاه شرًا لما ذَكَرَه عقيبه، وهذا كما يقال شرُّ النَّاس من أَكَلَ وحده؛ أي من شرهم. وقال الطِّيبي التِّعريف في الوليمة للعهد الخارجي؛ إذ كان من عادتهم دعوة الأغنياء وترك الفقراء.

(يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ) استئناف بيان لكونها شرَّ الطَّعام. وفي رواية الإسماعيليِّ من طريق معن بن عيسى، عن مالك (( المساكين ) )بدل الفقراء، ويُرْوَى والجملة حالية. وفي رواية ثابت الأعرج (( يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها ) ). وفي رواية الطَّبراني من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( بئسَ الطَّعام طعامُ الوليمةِ يُدعى إليه الشَّبعان، ويُحْبَسُ عنه الجيعان، فلو دعا الدَّاعي عامًّا لم يكن طعامُه شرَّ الطَّعام ) ).

(وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ) أي إجابتها، وفي رواية ابن عُمر رضي الله عنهما (( ومن دُعِيَ فلم يُجِبْ ) )وهو تفسير

ج 22 ص 513

للرواية الأخرى (فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) صلى الله عليه وسلم. ووقع في روايةٍ لابن عُمر رضي الله عنهما (( من دُعي إلى وليمةٍ فلم يأتها فقد عَصى الله ورسوله ) )، فهذا دليلٌ على وجوب الإجابة؛ لأنَّ العصيانَ لا يُطْلَقُ إلَّا على تَرْكِ الواجب. وقال ابن بطَّال لا خلافَ بين الصَّحابة والتّابعين في وجوب الإجابة إلى دعوة الوليمة إلَّا ما روي عن ابنِ مسعود رضي الله عنه أنَّه قال (( نُهِينا أن نجيبَ دعوة من يدعو الأغنياء ويترك الفقراء ) ).

وقد دعا ابن عُمر رضي الله عنهما في دعوته الأغنياءَ والفقراءَ فجاءتْ قريش والمساكين معهم، فقال ابنُ عمر للمساكين (( هاهنا اجلسوا لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنَّا سنطعمُكم ممَّا يأكلون ) ).

وقال ابنُ حبيب ومن فارق السُّنة في وليمةٍ فلا دَعوة له ولا مَعصية في ترك إجابته، وقد حدَّثني ابنُ المغيرة أنَّه سَمِعَ سفيان الثَّوريَّ يقول إنَّما تفسير إجابة الدَّعوة إذا دعاك من لا يُفْسِدُ عليك دِينك ولا قلبك.

قال الكِرمانيُّ فإن قلت أوله؛ أي أول الحديث، مرغِّب عن حضورِ الوليمة بل مُحَرِّم وآخره مرغِّب فيه بل مُوجب، قلت الإجابة لا تستلزمُ الأكل فيحضُر ولا يأكل، فالترغيبُ في الإجابة والتَّحذير عن الأكل. انتهى.

قال العينيُّ المحرَّم فعلُ صاحب الطَّعام، وليس يَحْرُمُ الطَّعامُ لدعوة الأغنياء وترك الفقراء.

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يقول أنتم العاصون في الدَّعوة تَدْعون من لا يأتي وتَدَعون من يأتيكم؛ يعني بالأول الأغنياء، وبالثاني الفقراء، وقوله والتَّحذير عن الأكل، فيه نظرٌ؛ لأنَّ الأكلَ مأمور به إلَّا إذا كان صائمًا لحديث أبي هُريرة رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم (( إذا دُعِيَ أحدُكُم فليُجِبْ، فإن كان مفطرًا فليطعمْ، وإن كان صائمًا فليُصَلِّ ) )؛ أي فلْيَدْعُ.

وحَمَلَه بعضُهم على ظاهره فقال إن كان صائمًا فليشتغلْ بالصَّلاة ليحصل له فضلها، ويحصل لأهل المنزل والحاضرين بركتها، وفيه نظرٌ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (( لا صلاةَ بحضرة طعام ) )لكن يمكن تخصيصُه بغير الصَّائم، وقد تقدَّم في باب حقِّ إجابة الوليمة [خ¦5173 قبل] أنَّ أُبَيَّ بنَ كعب لما حضر الوليمة وهو صائمٌ أثنى ودعا. وقد وقع عند أبي داود في آخر الحديث (( وإن كان صائمًا فليَدْعُ ) )بدل (( فليُصَلِّ ) )، وهذا يفسره. وفعله ابن عمر رضي الله عنهما ومدَّ يده، وقال بِسْم الله كلوا فلما مدَّ القومُ أيديهم، قال كلوا فإني صائمٌ.

وقال قوم تَرْكُ الأكْلِ مُباحٌ وإن لم يصمْ إذا أجاب الدَّعوة، وقد أجاب عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه ولم يَأْكُل.

قال العينيُّ إباحةُ ترك الأكل

ج 22 ص 514

على زعم هؤلاء القوم لا يستلزم التَّحذير عنه، كما قاله الكِرماني، ويمكن أن يكون عليٌّ رضي الله عنه تركَ الأكل لكونه صائمًا، وهذا ابن عمر رضي الله عنهما صرَّح بأنَّه صائم، فتركه الأكل كان لكونه صائمًا للتَّحذير عنه.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

وقد أخرجه مسلم في النِّكاح، وأبو داود في الأطعمة، والنَّسائي في الوليمة، وابن ماجه في النِّكاح، وهو موقوف على أبي هريرة رضي الله عنه لكن قوله (( ومن ترك الدعوة ... إلى آخره ) )يقتضي كونه مرفوعًا؛ لأنَّ مثل هذا لا يكون من قبل الرأي، لكن قال أبو عمر إنَّ جلَّ رواةِ مالكٍ لم يصرِّحوا بِرَفْعِه، نعم، قال فيه روح بن القاسم عن مالك بسنده قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكذا أخرجه الدَّارقطني في «غرائب مالك» من طريق إسماعيل بن مسلمة بن قعنب، عن مالك.

وفي مسلم من طريق سفيان سمعتُ زياد بن سَعْد يقول سمِعْتُ ثابتًا الأعرجَ يحدِّث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال فذكر نَحْوَه، وكذا أخرجه أبو الشيخ مرفوعًا من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وقال ابن بطَّال أول هذا الحديث موقوفٌ وآخرُه يقتضي رَفْعَه؛ لأنَّ مثله لا يكون رأيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت