5181 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم (عَنْ) عمَّته (عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً) بضم النون والراء بينهما ميم ساكنة وبعد الراء قاف، وفي اليونينية بكسر النون والراء، وهي الوسادةُ الصغيرة (فِيهَا تَصَاوِيرُ) أي تماثيل حيوان، كذا قاله في «المغرب» .
(فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ) زاد في ذِكْرِ الملائكة (( وجعل يتغيَّر وجهه ) ) (فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ) بكسر الهاء بعدها تحتية مخففة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي بفتح الهاء وإسقاط التحتية.
(فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالُ هَذِهِ النِّمْرِقَةِ) أي ما شأنها فيها تماثيل (قَالَتْ فَقُلْتُ اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا) أي وتتوسدها، فحذفت إحدى التائين واللام فيه مقدَّرة؛ أي ولتوسدها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) الحيوانيَّة التي يصنعونها (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) على صنعتها.
(وَيُقَالُ لَهُمْ) استهزاءً وتعجيزًا (أَحْيُوا) بقطع الهمزة (مَا خَلَقْتُمْ. وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ) الحيوانية (لاَ تَدْخُلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)
ج 22 ص 523
أي الذين ليسوا حفظةً؛ إذ لا يفارقون المكلف، وإنَّما لا يدخلون لكون ذلك معصية فاحشة لما فيها من مضاهاة خلق الله، وهل دخول البيت الذي فيه الصُّور الممنوعة حرامٌ أو مكروهٌ؛ وجهان، وبالتَّحريم قال الشيخ أبو حامد، وبالكراهة قال صاحبُ «التقريب» والصَّيدلانيُّ، ورجَّحه الإمام الغزالي، ولا بأس بصورةٍ مبسوطة تُداس أو مخاد يُتَّكأ عليها، أو ممتهنة بالاستعمال كقصعةٍ وطبقٍ، أو كانت مرتفعة وقُطِعَ رأسُها. وسيجيء تفصيل حكم الصُّور مستوفى في (( كتاب اللباس ) )إن شاء الله تعالى [خ¦5951 وما بعده] .
وقال ابن بطَّال فيه أنَّه لا يجوز الدخول في الدَّعوة التي يكون فيها منكر ممَّا نهى الله ورسوله عنه لما في ذلك من إظهار الرِّضا بها، ونقل مذاهبَ القدماءِ في ذلك. وحاصله إن كان هناك محرَّم وقدرَ على إزالته فأزالَه فلا بأس، وإن لم يقدرْ فليرجع، وإن كان ممَّا يكره كراهة تنزيه فمقتضى الورع أن لا يَدْخُل، ومما يؤيِّد ذلك ما وقع في قصَّة ابن عمر رضي الله عنهما من اختلاف الصَّحابة في دخول البيت الذي سُتِرَتْ جُدُرُه إذ لو كان حرامًا مَا قَعَدَ الذين قَعَدُوا، ولا فَعَلَه ابنُ عمر فيُحمل فِعْلُ أَبي أيُّوب على كراهة التَّنزيه جَمْعًا بين الفعلين، كما تقدَّم.
وقد فصَّل العلماء في ذلك فقالوا إن كان لهوًا ممَّا اختُلِفَ فيه فيجوزُ الحضور والأَولى الترك، وإن كان حرامًا كشرب الخمر نُظِرَ فإن كان المدعوُّ ممَّن إذا حضرَ رُفِعَ لأجله فليحضرْ، وإن لم يكن كذلك ففيه للشَّافعية وجهان أحدهما يحضر ويُنكر بحسب قدرته، وإن كان الأولى أن لا يحضر، قال البيهقيُّ وهو ظاهرُ نص الشَّافعي، وعليه جرى العراقيون من أصحابه. وقال صاحب «الهداية» من الحنفية لا بأس أن يقعدَ ويأكل إذا لم يكن يُقْتَدَى به، فإن كان ولم يقْدِر على منعهم، فليخرْج لما فيه من شين الدَّين وفتح باب المعصية.
وحُكِيَ عن أبي حنيفية أنَّه قَعَدَ، وهو محمولٌ على أنَّه وقع له ذلك قبل أن يصيرَ
ج 22 ص 524
مقتدى به، قال وهذا كله بعد الحضور، فإن عَلِمَ قَبْلَه لم يلزمه الإجابة؛ لأنَّ إجابةَ الدَّعوة إنما تلزم إذا كانت على وجه السُّنة. والوجه الثاني للشَّافعية تحريم الحضور؛ لأنَّه كالرِّضى بالمنكر، وصحَّحه المراوزة، فإن لم يعلم حتى حضرَ فلينههم، فإن لم ينتهوا فليخرجْ إلَّا إن خافَ على نفسه من ذلك، وعلى هذا جرى الحنابلة، وكذا اعتبر المالكيَّة في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكرٌ، وإذا كان من أهل الهيبة لا ينبغِي له أن يحضرَ موضعًا فيه لهو أصلًا، حكاه ابن بطَّال وغيره عن مالك، ويؤيِّد منعَ الحضور حديثُ عمران بن الحصين (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إجابة طعام الفاسقين ) ). أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» ويؤيِّده مع وجود الأمر المحرَّم ما أخرج النَّسائي من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدةٍ يُدار عليها الخمر ) )وإسنادُه جيِّد، وأخرجه التِّرمذي من وجه آخر فيه ضعفٌ عن جابر رضي الله عنه، وأبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بسند فيه انقطاع، وأحمد من حديث عمر رضي الله عنه.
قيل لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأنَّ امتناع النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الدُّخول في بيت عائشة رضي الله عنها لم يكن لأجل المنكر في الدَّعوة، وإنَّما كان لأجل الصُّورة، والترجمةُ فيما إذا رأى منكرًا في الدَّعوة هل يرجع.
وقال الحافظُ العسقلاني وموضع التَّرجمة منه قولُها قام على الباب ولم يدخل. وقال العيني ليس فيه ما يجدِي في وجه المطابقة، ولكن يمكن أن يقال لما كان من جملة المنكرات التي تقتضِي جواز ترك إجابة الدَّعوة وجود الصُّورة فيها، احتاج إلى بيان كون الصُّورة من جملة الموانع عن حضور الدَّعوة، فذكر هذا الحديث الذي فيه ما يقتضِي مَنْعَ الحضور في المكان الذي فيه الصُّورة سواء كان فيه دعوة أو لا.
وقد أخرجه البخاري في (( الملائكة ) )، في باب (( إذا قال أحدكم آمين ) ) [خ¦3224] .