فهرس الكتاب

الصفحة 7701 من 11127

5191 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَمُ بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين مصغَّرًا (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) بالمثلثة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا علَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) وفي رواية عبيد بن حنين الماضية في تفسير سورة التَّحريم [خ¦4913] عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( فمكثتُ سنةً أريدُ أن أسألَ عمرَ رضي الله عنه ) ).

(عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَيْنِ) كذا في جميع النسخ، ووقع عند ابن التِّين (( التي ) )بالإفراد وخطأها، وقال الصَّواب اللَّتين، بالتثنية، قال الحافظُ العسقلاني ولو كانت محفوظة لأمكن توجيهها (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) أي في حقِّهما ( {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ) أي فقد وُجِدَ منكما ما يُوجِبُ التَّوبة.

ج 22 ص 581

(حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْتُ مَعَهُ) وفي رواية عبيد (( فما أستطيعُ أن أسألَه هيبةً له حتى خرجَ حاجًّا ) )، وفي رواية يزيد بن رومان عند ابن مَرْدويه، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أردتُ أن أسألَ عُمر رضي الله عنه فكنتُ أهابُه حتى حججنَا معه، فلمَّا قضينَا حجَّنا، قال مرحبًا بابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حاجتُكَ ) ).

(وَعَدَلَ) أي عن الطَّريق الجادَّةِ المسلوكَةِ إلى طريق لا تُسْلَك غالبًا ليقضي حاجته. ووقع في رواية عبيد (( فخرجتُ معه فلمَّا رجعنا وكنَّا ببعض الطَّريق عَدَلَ إلى الأراك لحاجة له ) ). وبين مسلم في رواية عبيد بن حنين من طريق حماد بن سلمة وابن عيينة أنَّ المكانَ المذكورَ هو مرُّ الظهران.

(وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ) فيها ماء (فَتَبَرَّزَ) أي قضى حاجته، وأصل تبرز من البراز، وهو الموضع الخالي البارز عن البيوت، ثمَّ أُطْلِقَ على نَفْسِ الفِعْل. وفي رواية حماد بن سلمة عند الطَّيالسي (( فدخلَ عمرُ الأراك فقضى حاجته وقعدت له حتى خرجَ ) )، فيُؤخذ منه أنَّ المسافر إذا لم يجد الفضاء لقضاء حاجتهِ استتر بما يمكنُه التَّستر به من شجر البادية.

(فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا) وفي رواية عقيل، عن الزُّهري الماضية في المظالم [خ¦2468] (( فسكبت من الإداوة ) ) (فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ) كذا في الأصول. وحكى ابن التِّين أنَّه وقع عنده (( الَّتي ) )بالإفراد، والصَّواب اللَّتان، بالتثنية، وفي رواية الطَّيالسي (( فقلت يا أمير المؤمنين، أريدُ أن أسألك عن حديثٍ منذ سنة فمَنَعَتْني هيبتُك أن أسألَك ) ). وتقدَّم في التَّفسير من رواية عبيد بن حنين [خ¦4913] (( فوقفتُ له حتى فرغَ ثمَّ سرتُ معه، فقلتُ يا أمير المؤمنين، مَن اللَّتان تظاهرتا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ قال تلك حفصةُ وعائشة، فقلتُ والله إن كنتُ لأريدُ أن أسألك عن هذا منذ سنةٍ فما أستطيعُ هيبة لك،

ج 22 ص 582

قال فلا تفعلْ، ما ظننتَ أنَّ عندي من عِلْمٍ فاسألني، فإن كان لي علم خَبَّرتُك به )) . وفي رواية يزيد بن رومان (( فقال ما تسأل عنه أحدًا أعلم بذلك مني ) ).

(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) أي فيهما ( {إِنْ تَتُوبَا} ) أي من التَّعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدلُّ عليه قوله بعد {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} [التحريم 4] أي تتعاونا، ومعنى تظاهرهما أنَّهما تعاونتا حتى حرَّم صلى الله عليه وسلم على نفسه ما حرَّم، كما سيأتي بيانه ( {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ) كثر استعمالهم في مواضع التَّثنية بلفظ الجمع كقولهم وضعا رِحَالَهما؛ أي رَحْلَي راحِلَتَيْهما (قَالَ وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ) تعجَّب عُمر رضي الله عنه من ابن عبَّاس رضي الله عنهما مع شهرته بِعِلْمِ التَّفسير كيف خَفِيَ عليه هذا القدر مع شهرته وعظمتهِ في نفس عمر رضي الله عنه، وتقديمه له في العلم على غيره، ومع ما كان ابن عبَّاس رضي الله عنهما مشهورًا به من الحرصِ على طَلَبِ العلم ومُداخلة كبار الصَّحابة وأمهات المؤمنين فيه، أو تعجَّبَ من حِرْصهِ على طَلَبِ فنونِ التَّفسير حتَّى معرفة المبهم. وفي «الكشاف» كأنَّه كَرِهَ ما سَأَلَه عنه.

وقد جزم بذلك الزُّهريُّ في هذه القصَّة بعينها، فيما أخرجه مسلم من طريق مَعْمر عنه، قال بعد قوله قال عمر واعجبًا لك يا ابن عبَّاس قال الزُّهري كرهَ والله ما سألَه عنه ولم يكتمه. واستبعده [1] القرطبي ما فهمه الزُّهري. وقال الحافظُ العسقلاني ولا بُعْد فيه، ثمَّ إنَّه يجوز في عجبًا التنوين وعدمه. قال ابنُ مالك لفظ وا في قوله واعجبًا، إن كان منونًا فهو اسم فعل بمعنى أعجب، ومثله واها ووي، وقوله عجبًا، جيء بها تأكيدًا، وإن كان غير منون فالأصل فيه واعجبي، وكذا وقع في رواية مَعْمر على الأصل، فأُبْدِلَتِ الكسرةُ فتحةً فصارت الياء ألفًا كقوله يا أسفا ويا حسرتا، وكلمة وا حرف كما في قوله وازيداه.

وفيه شاهد لجواز استعمال وا في منادى غير مندوب، وإن كان الأصل في وا أن يُسْتَعْمَلَ في المندوب، كما هنا، وهو مذهبُ المبرِّد

ج 22 ص 583

وهو مذهبٌ صحيحٌ، كما قال ابن مالك، ومن النُّحاة من منعَه، وهو حجَّة عليه.

(هُمَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ) رضي الله عنهما، كذا في أكثر الرَّوايات، ووقع في رواية حماد بن سلمة وحدَه (( حفصة وأم سلمة ) )، كذا حكاهُ عنه مسلم. وقد أخرجه الطَّيالسي في «مسنده» عنه فقال عائشة وحفصة مثل الجماعة. وهذا هو المعتمدُ أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما هو المبتدئ بسؤال عمر رضي الله عنه عن ذلك.

ووقع عند ابن مردويه من وَجْهٍ آخر ضعيفٍ عن عمران بن الحكم السُّلمي حدثني ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما قال كنَّا نسير فلحقنا عمرُ رضي الله عنه ونحن نتحدَّث في شأن حفصةَ وعائشة وسودة رضي الله عنهنَّ، فذكر طَرَفًا من هذا الحديث وليس بتمامه.

ويُمكن الجَمْعُ بأنَّ هذه القصَّةَ كانت سابقةً ولم يتمكَّن ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما من سؤال عمر رضي الله عنه عن شرحِ القِصَّة على وَجْهِها إلَّا في الحال الثاني.

(ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ) رضي الله عنه، وفي نسخة العيني من الاستقلال بالأمر، وهو الاستبدادُ به يقال استقلَّ بالأمر؛ إذا تفرَّد به دون غيره، والأولى هي الظَّاهر (الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ) إلى آخر القصَّة التي كانت سببَ نزول الآية المسؤول عنها.

(قَالَ كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ) ومضى في المظالم بلفظ [خ¦2468] (( إني كنتُ وجار لي ) )بالرفع، ويجوز فيه النَّصب عطفًا على الضَّمير المنصوب في قوله إني (فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ) أي ابن مالك بن عوف بن عَمرو بن عوف بن الأوس.

(وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ) جمع عالية، وهي القُرى التي بأعلى المدينة على أربعة أميال أو أكثر أو أقل، وهي ممَّا يلي المشرق وكانت منازل الأوس. واسم الجار المذكور أوسُ بنُ خَوْلِيِّ بن عبد الله بن الحارث الأنصاري، سمَّاه ابنُ سعد من وجه آخر، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، فذكرَ حديثًا، وفيه وكان عمر رضي الله عنه مؤاخيًا أوس بن خولي لا يسمع شيئًا إلَّا حدَّثه، ولا يسمع عمر رضي الله عنه شيئًا إلَّا حدَّثه، فهذا هو المعتمدُ.

وأمَّا ما تقدَّم في العلم عمن قال إنَّه عتبان بن مالك،

ج 22 ص 584

فهو مما استنبطه ابن بشكوال؛ فإنه جَوَّز أن يكون الجارُ المذكور عتبان؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عمر رضي الله عنهما، لكن لا يلزم من الإخاء أن يتجاورا، والأخذ بالنَّص مقدَّمٌ على الأَخْذِ بالاستنباط.

وقد صرَّحت الرِّواية المذكورة عن ابن سعد أنَّ عمر رضي الله عنه كان مؤاخيًا لأوس، فهذا بمعنى الصَّداقة لا بمعنى الإخاء الذي كانوا يتوارثون به ثمَّ نسخ، وقد صرَّح ابن سعد بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أوس بن خولي وشجاع بن وهب، كما صرَّح بأنَّه آخى بين عمر وعتبان بن مالك، فتبيَّن أنَّ معنى قوله كان مؤاخيًا؛ أي مُصَادِقًا. ويؤيِّد ذلك أنَّ في رواية عبيد بن حنين (( وكان لي صاحبٌ من الأنصار ) ).

(وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ) من العوالي (عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي كنَّا نجعله نوبًا (فَيَنْزِلُ) جاري الأنصاري (يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ) على النَّبي صلى الله عليه وسلم، والظَّاهر أنَّ إذا شرطية، ويجوز أن تكون ظرفيَّة (جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ) من الحوادث الكائنة عند النَّبي صلى الله عليه وسلم (وَإِذَا نَزَلَ) جاري الأنصاري (فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ) وسيأتي في خبر الواحد من رواية عبيد بن حنين بلفظ [خ¦7256] (( إذا غابَ وشهدتُ أتيتُه بما يكون من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ) )، وفي رواية الطَّيالسي (( يحضرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غبتُ وأحضرُ إذا غابَ ويُخْبِرُني وأُخْبِرُه ) ).

(وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ) منصوب على الاختصاص؛ أي ونحن بمكة (نَغْلِبُ النِّسَاءَ) أي نحكم عليهنَّ ولا يَحْكُمْنَ علينا (فَلَمَّا قَدِمْنَا) من مكة (عَلَى الأَنْصَارِ) بالمدينة (إِذَا) كلمة إذا للمفاجأة، والتَّقدير إذا هم (قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ) أي هم كانوا بالعكس من ذلك، وفي رواية يزيد بن رومان (( كنَّا ونحن بمكَّة لا يكلم أحد امرأته، إذا كانت له حاجةٌ قضى منها حاجته ) ). وفي رواية عبيد بن حنين (( ما نعدُّ للنساء أمرًا ) )، وفي رواية الطَّيالسي (( كنَّا لا نعتدُّ بالنِّساء

ج 22 ص 585

ولا ندخِلُهنَّ في أمورنا )) .

(فَطَفِقَ) بكسر الفاء، وقد تُفْتَح، وهو من أفعال المقاربة التي معناها الأخذُ والشروعُ في الشيء؛ أي جَعَلَ أو أَخَذَ (نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ) أي من سيرتهنَّ وطريقتهنَّ، وفي الرواية التي في المظالم [خ¦2468] (( من إرب ) )بالراء وهو العقل، وفي رواية مَعْمر عند مسلم (( يتعلمنَ من نسائهم ) ). وفي رواية يزيد بن رومان (( فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ تزوجنا من نساء الأنصار فجعلنَ يكلِّمْنَنا ويُراجِعْنَنا ) ).

(فَصَخِبْتُ) بفتح الصاد المهملة وكسر الخاء المعجمة، من الصَّخب، وهو الصِّياح من الغصب، كذا في رواية الكُشْمِيْهَني. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي بالسين المهملة بدل الصاد، وهما بمعنى. ووقع في رواية عقيل، عن الزُّهري الماضية في المظالم [خ¦2468] (( فَصِحْتُ ) )بصاد مهملة، من الصِّياح وهو رفع الصَّوت. ووقع في رواية عبيد بن حنين (( فبينما أنا في أمرٍ أتأمَّرُه ) )؛ أي أتفكَّر فيه وأقدِّره، (( فقالت امرأتي لو صنعتَ كذا وكذا ) ).

(عَلَى امْرَأَتِي) زينب بنت مظعون لأمر غضبت منه (فَرَاجَعَتْنِي) من المراجعةِ، وهي المراددَةُ في القول (فَأَنْكَرْتُ) عليها (أَنْ تُرَاجِعَنِي) أي أن تُرَاددني في القولِ وتناظرني فيه. ووقع في رواية عُبيد بن حنين (( فقلت لها وما تَكَلُّفُك في أَمْرٍ أُرِيْدُه؟ فقالت لي عَجَبًا لك يا ابن الخطَّاب ما تريدُ أن تُرَاجَعَ ) ). وسيأتي في اللِّباس من هذا الوجه بلفظ [خ¦5843] (( فلمَّا جاء الإسلام وذَكَرَهنَّ الله رَأَينا لهنَّ بذلك حقًّا علينا من غَير ِأن ندخلهنَّ في شيءٍ من أمورنا، وكان بيني وبين امرأتي كلامٌ فأغلظتْ لي ) ). وفي رواية يزيد بن رومان (( فقمتُ إليها بقضيب فضربتُها به، فقالت يا عجبًا لك يا ابنَ الخطَّاب ) ).

(قَالَتْ وَلِمَ) بكسر اللام وفتح الميم (تُنْكِرُ) أي علي (أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ) بكسر الجيم وسكون العين وفتح النون، وفي رواية عُبيد بن حنين (( وإنَّ ابنتك لتُرَاجِعُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتَّى يظل يومَه غضبان ) ). ووقع في المظالم بلفظ (( غضبانًا ) )وفيه نظرٌ. وفي روايته التي في اللِّباس [خ¦5843] (( قالت تقولُ لي هذا وابنتُك تؤذِي

ج 22 ص 586

رسولَ الله صلى الله عليه وسلم )) . وفي رواية الطَّيالسي (( فقلتُ متى كنتِ تَدْخلينَ في أمورنا؟ فقالت يا ابن الخطَّاب ما يستطيع أحدٌ أن يكلِّمك وابنتُك تُكَلَّمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل غضبان ) ).

(وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ) اللام في لتهجره للتَّأكيد، والضَّمير المنصوب فيه للنَّبي صلى الله عليه وسلم. واليوم نصب على الظَّرف واللَّيل مجرور بكلمة حتى التي بمعنى إلى، والمعنى من أول النَّهار إلى أن يدخل اللَّيل. ويجوز فيه النَّصب على أن حتى حرف عطف وهو قليلٌ، والمعنى إنها لتهجره اللَّيل مضافًا إلى اليوم.

(فَأَفْزَعَنِي) من الفزع، وهو الخوفُ (ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ) كذا في رواية الأكثر (( خاب ) )بخاء معجمة ثم موحدة. وفي رواية عقيل (( فقلت قد جاءتْ من فعلتْ ذلك منهنَّ بعظيم ) )بجيم ثم مثناة، فعل ماض من المجيء. وفي رواية (( قد خابَ من فعلتْ ذلك ) )فالتَّذكير بالنَّظر إلى اللَّفظ، والتأنيث بالنَّظر إلى المعنى.

(ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي لبستُ جميعها إشارة إلى أنَّ العادة أنَّ الشَّخص يضعُ في البيت بعضَ ثيابه، فإذا خرجَ إلى الناس لَبِسَها؛ أي تهيَّأت مشمِّرًا ساق العزم (فَنَزَلْتُ) من العوالي إلى المدينة (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) ابنتي وبدأ بها لمنزلتها منه (فَقُلْتُ لَهَا أَيْ حَفْصَةُ) أي يا حفصة (أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ) والهمزة في أتغاضب للاستفهام الإنكاري (قَالَتْ نَعَمْ) وفي رواية عبيد بن حنين [خ¦4913] (( إنَّا لنراجعه ) )، وفي رواية حماد بن سلمة (( فقلتُ ألا تتَّقين الله ) ).

(فَقُلْتُ قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ، أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (لِغَضَبِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَهْلِكِي) بكسر اللام، كذا هو في رواية الأكثرين، ووقع في رواية عقيل (( فتهلكينَ ) )وهو على تقدير محذوف، وفي رواية عبيد بن حنين (( فتهلكْنَ ) )بسكون الكاف على خطاب جماعة النِّساء (لاَ تَسْتَكْثِرِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)

ج 22 ص 587

أي لا تطلُبي منه الكثير؛ أي من حوائجك، وفي رواية يزيد بن رومان (( لا تكلِّمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليهِ؛ فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عنده دنانير ولا دراهم، فإنْ كان لكِ من حاجةٍ حتى دُهْنَةٍ فسَلِيني ) ).

(وَلاَ تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ) من الكلام؛ أي لا تُرَادديه في الكلام، ولا ترُدِّي عليه قوله (وَلاَ تَهْجُرِيهِ) أي ولو هجرك (وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ) أي ظهرَ لك ممَّا تريدين (وَلاَ يَغُرَّنَّكِ) بتشديد الراء والنون (أَنْ كَانَتْ) بفتح الهمزة وكسرها (جَارَتُكِ) أي ضرَّتك، والمراد عائشة رضي الله عنها، أو هو على حقيقته؛ لأنَّها كانت مجاورة لها، والأولى أن يحملَ اللَّفظ هنا على معنييه لصلاحيته لكلٍّ منهما، والعرب تُطْلِقُ على الضرَّة جارة لتجاورهما المعنوي؛ لكونهما عند شخصٍ واحدٍ وإن لم يكن حسِّيًا.

وكان ابنُ سيرين يكره تسميتها ضرَّة ويقول إنَّها لا تضرُّ ولا تنفعُ ولا تُذْهِبُ من رِزْق الأخرى بشيءٍ، وإنما هي جارة، والعرب تُسَمِّي صاحبَ الرجل وخليطَه جارًا، وتسمِّي الزوجة أيضًا جارة؛ لمخالطتها الرجل. وقال القرطبي اختارَ عمر رضي الله عنه تسميتها جارة أدبًا منه أن يُضَافَ لفظُ الضَّرر إلى إحدى أمَّهات المؤمنين.

(أَوْضَأَ مِنْكِ) من الوضاءة، وهي الحسنُ، ووقع في رواية معمر (( أوسم ) )من الوسامةِ، وهي الجمالُ (وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُرِيدُ) أي عُمر رضي الله عنه (عَائِشَةَ) رضي الله عنها. والمعنى لا تغترِّي بكون عائشة تفعلُ ما نهيتُكِ عنه، فلا يُؤاخذها بذلك، فإنَّها تُدِلُّ بِجَمَالِها ومحبَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لها فلا تغترِّي أنت بذلك لاحتمال أن لا تكوني عندهُ في تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها. وفي رواية عُبيد بن حنين التي مضت في سورة التَّحريم [خ¦4913] أبين من هذا ولفظه (( ولا يغرَّنَّك هذه التي أعجبَها حُسْنها حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إيَّاها ) ). ووقع في رواية سليمان بن بلال عند مسلم (( أعجبَهَا حُسْنُها وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )بواو العطف

ج 22 ص 588

وهي أبينُ. وفي رواية الطَّيالسي (( لا تغترِّي بحسن عائشة وحبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إيَّاها ) ). وعند ابن سعد في رواية أخرى (( إنَّه ليس لكِ مثلُ حُظوة عائشة، ولا حُسْن زينب يعني بنت جحشٍ ) ).

والذي وقع في رواية سليمان بن بلال والطَّيالسي يؤيِّد ما حكاه السُّهيلي عن بعض المشايخ أنَّه جعله من باب حذف حرف العطف، واستحسنَه من سمعه وكتبوه حاشية.

قال السُّهيلي وليس كما قال، بل هو مرفوعٌ على البدل من الفاعل الذي في أوَّلِ

الكَلام، وهو هذه من قوله (( لا يغرَّنَّكِ هذه ) )فهذه فاعل، والتي أعجبها نعتٌ، وحب بدلُ اشتمال، كما تقول أعجبني يوم الجمعة صومٌ فيه، وسرَّني زيدٌ حبُّ الناس له انتهى.

وثبوت الواو يردُّ على ردِّه، وقد قال القاضي عياض يجوز في حبِّ، الرفع على أنَّه عطف بيان أو بدل اشتمال، أو على حذف حرف العطف، قال وضبَطَه بعضُهم بالنصب على نزعِ الخافض.

وقال ابنُ التين حبُّ فاعل، وحسنها بالنصب مفعول لأجله، والتَّقدير أعجبها حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إيَّاها من أجل حُسنها، قال والضَّمير الذي يلي أعجبها منصوب، فلا يصحُّ بدل الحسن منه ولا الحب. وزاد عبيد في هذه الرواية (( ثمَّ خرجتُ حتى دخلتُ على أمِّ سلمة لقَرَابتي منها ) )يعني لأنَّ أمَّ عمر رضي الله عنه كانت مخزوميَّة مثل أمِّ سلمة، وهي أمُّ سلمة بنت أبي أميَّة بن المغيرة، ووالدة عمر رضي الله عنه حَنْتَمةُ بنتُ هاشم بن المغيرة، فهي بنت عمِّ أمه. وفي رواية زيد بن هارون (( ودخلتُ على أمِّ سلمة وكانت خالتي ) )وكأنَّه أطْلَق عليها خالة؛ لكونها في درجة أمِّه وهي بنتُ عمِّها. ويحتمل أن تكون ارتضعتْ معها أو أختها من أمِّها.

(( فقالت يا ابن الخطَّاب دخلت في كلِّ شيءٍ ) )تعني من أمور الناس وأرادت الغالب بدليل قولها (( حتى تبتغِي أن تدخلَ بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه ) )فإنَّ ذلك قد دخلَ في عموم قولها كل شيءٍ، لكنَّها لم ترده (( فأخذتْنِي والله أخذًا ) )أي منعتْني من الذي كنت أريده،

ج 22 ص 589

تقول أخذ فلانٌ على يد فلانٍ؛ أي منعه عمَّا يريد أن يفعلَه. (( كَسَرَتْني عن بعضِ ما كنت أجد ) )أي أخذتْني بلسانها أخذًا؛ دَفَعَتْني عن مَقْصِدي وكلامي. وفي رواية لابن سعد (( فقالت أمُّ سلمة أي والله إنَّا لنكلِّمه؛ فإن تَحَمَّل ذلك فهو أولى به، وإن نهانا عنه كان أطوع عندنا منك، قال عمرُ رضي الله عنه فندمتُ على كلامِي لهنَّ ) ). وفي رواية يزيد بن رومان (( ما يمنعنا أن نغارَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأزواجُكُم يغرنَ عليكم ) ).

وكان الحاملُ لعمر رضي الله عنه على ما وقعَ منه شدَّة شفقتهِ وعظم نصيحتهِ، وكان ينبسطُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له افعلْ كذا، ولا تفعل كذا، كقوله احجبْ نساءك، وقوله لا تصل على عبد الله بن أبي وغير ذلك، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم يحتمل ذلك لِعِلْمِهِ بصحَّة نَصِيحته وقوَّته في الإسلام.

(قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ) بفتح المعجمة والسين المهملة المشددة؛ أي قبيلة غسان، ومَلِكُهم في ذلك الوقت الحارث بنُ أبي شمر، وما قاله الكِرماني من أنَّه مَلِكٌ من مُلوك الشَّام ليس بذاك. وغسَّان في الأصل ماءٌ بسدِّ مأرب كان شِرْبًا لولد مازن فسموا به. ويقال غسَّان ماءٌ بالمشلَّل قريبٌ من الجُحْفة، والذين شربوا منه سمُّوا به قبائل من ولد مازن بن الأزد، وإلى مازن جِمَاعُ غسَّان، فمن نَزَلَ من بنيه ذلك الماءَ فهو غسَّاني منهم ملوك، فأوَّل من نزلَ منهم ببلاد الشَّام جَفْنة بن عَمرو بن ثعلبة، وآخرهم جَبَلة بن الأيهم وهو الذي أسلم في خلافةِ عمر رضي الله عنه، ثمَّ عاد إلى الروم وتنصَّر. وقد اختلفوا في مدَّة ملك الغساسنةِ، فقيل أربعمائة سنة، وقيل ستمائة سنة، وقيل غير ذلك، وقيل إنهم سبعة وثمانون مَلِكًا.

(تُنْعِلُ الْخَيْلَ) بضم أوله وكسر العين. وفي المظالم [خ¦2468] بلفظ (( تُنْعِلُ النِّعالَ ) )أي تستعمل النِّعال وهي نِعَال الخيل، ويحتمل أن يكون بالموحدة ثمَّ المعجمة، ويؤيِّده لفظ الخيل في هذه الرِّواية. وقال الجوهريُّ يقال أنعلتُ الدَّابةَ ولا تقل نَعَلْتُ.

وحكى القاضي عياض

ج 22 ص 590

في تنعيل الخيل وجهين، وغفل بعضُهم فردَّ عليه، وقال الموجود في البخاري (( تُنْعِلُ النِّعال ) )فاعتمدَ على الرواية التي في المظالم، ولم يستحضر التي هنا وهي التي تكلَّم عليها القاضي عياض. ثمَّ هو كناية عن استعدادهِم للقتال مع أهل المدينة، كما يدلُّ عليه قوله

(لِتَغْزُونَا) وفي رواية عبيد بن حنين (( ونحن نتخوَّف ملكًا من ملوك غسَّان ذُكِرَ لنا أنَّه يريد أن يَسير إلينا؛ فقد امتلأت صدورنا منه ) ). وفي روايته التي في اللِّباس [خ¦5843] (( وكان من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقامَ له فلم يبق إلَّا ملك غسَّان بالشَّام كنَّا نخاف أن يأتينا ) ). وفي رواية الطَّيالسي (( ولم يكن أحدٌ أخوف عندنا من أن يغزونا ملك من ملوك غسَّان ) ).

(فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ) من العوالي إلى المدينة (فَرَجَعَ) من المدينة (إِلَيْنَا عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا) أي طَرَقَه طَرْقًا شديدًا؛ ليخبرني بما حدثَ عند النَّبي صلى الله عليه وسلم من الوحي وغيره على العادة (أَوْ قَالَ أَثَمَّ هُوَ) بفتح المثلثة؛ أي أفي البيت هو، وذلك لبطؤ إجابتهم له، فظنَّ أنَّه خرج من البيت. وفي رواية عقيل (( أنائم هو ) )وهي أولى. قال عُمر رضي الله عنه (فَفَزِعْتُ) أي خفتُ من شدَّة ضَرْبِ الباب؛ بخلاف العادة (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ) وقلت له ما الخبر (فَقَالَ قَدْ حَدَثَ الْيَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَلْتُ) له (مَا هُوَ، أَجَاءَ غَسَّانُ) وفي رواية معمر (( أجاءت غسَّان ) )، وفي رواية عبيد بن حنين (( أجاء الغسَّاني ) ) (قَالَ لاَ بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ) هو بالنَّسبة إلى عمر رضي الله عنه لكون حفصة بنته منهنَّ (طَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ) كذا وقع في جميع الطُّرق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور (( طلق ) )بالجزم. ووقع في رواية عَمرة، عن عائشة رضي الله عنها عند ابن سعد (( فقال الأنصاريُّ أمرٌ عظيمٌ، فقال عمر رضي الله عنه لعلَّ الحارث بن أبي شمر

ج 22 ص 591

سارَ إلينا، فقال الأنصاريُّ أعظم من ذلك، قال ما هو؟ قال ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا قد طلَّق نساءه )) . وأخرج نحوه من رواية الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها (( وسَمَّي الأنصاريَّ أوس بن خولي ) )كما تقدَّم. ووقع قوله (( طلق ) )مقرونًا بالظَّن. وزاد أبو ذرٍّ هنا بضم العين والحاء المهملتين فيهما مصغرين، مولى زيد بن الخطَّاب العدوي رضي الله عنهما رضي الله عنه؛ أي بهذا الحديث يعني الأنصاري بدل قوله (( طلَّق نساءه ) ).

ولم يَذْكُرِ البُخاريُّ هنا من رواية عُبيد بن حُنين إلَّا هذا القدر، وأمَّا ما بعده وهو قوله فقلت ... إلى آخره، فهو بقيَّة رواية ابن أبي ثور؛ لأنَّ هذا التَّعليق قد وصله المؤلِّف في تفسير سورة التَّحريم بلفظ [خ¦4913] (( فقلت جاء الغسَّاني فقال بل أشدُّ من ذلك، اعتَزَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أزواجه، فقلت رغمَ أنف حفصةَ وعائشة ) ).

وظنَّ بعض الناس أنَّ من قوله اعتزل ... إلى آخر الحديث من سياق الطَّريق المعلَّق، وليس كذلك. والمَوْقِعُ في ذلك إيرادُ البخاري لهذه اللَّفظة المعلَّقة عن عُبيد بن حُنين في أثناء المتن المسوق من رواية ابن أبي ثور، فصار الظَّاهر أنَّه تحوَّل إلى سياقِ عُبيد بن حنين.

وقد سلم من هذا الإشكال النَّسفي فلم يسق المتن ولا القدر المعلَّق بل قال فذكر الحديث، واجتزأَ بما وقع من طريق ابنِ أبي ثور في المظالم [خ¦2468] . ومن طريق عُبيد بن حُنين في تفسير التَّحريم [خ¦4913] . ووقع في «مستخرج أبي نعيم» ذِكْرُ القَدْر المعلَّق عن عبيد بن حنين في آخر الحديث ولا إشكال فيه.

وكأنَّ البخاري أراد أن يبين أنَّ هذا اللَّفظ وهو طَلَّق نساءه، لم تتَّفق الرِّوايات عليه فلعلَّ بعضَهم رواها بالمعنى. نعم، وقع عند مسلم من طريق سماك بن زُمَيل، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ عمر رضي الله عنه، قال (( فدخلت المسجد فإذا النَّاس يقولون طلَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ) ).

وعند ابن مَرْدويه

ج 22 ص 592

من طريق سلمة بن كُهَيل، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ عمر رضي الله عنه، قال (( لقيني عبد الله بن عمر ببعضِ طُرق المدينة، فقال إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم طلَّق نساءه ) ).

وهذا، إن كان محفوظًا، حُمِلَ على أنَّ عمر رضي الله عنه لاقى أباهُ وهو جاءٍ من منزله فأخبره بمثلِ ما أخبره به الأنصاري. ولعلَّ الجزم وقع من إشاعة بعضِ أهل النِّفاق فتناقلَه الناس، وأصله ما وقع من اعتزالِ النَّبي صلى الله عليه وسلم نساءَه ولم تَجْرِ عادته بذلك، فظنُّوا أنَّه طلقهنَّ، ولذلك لم يعاتب عُمَرُ الأنصاريَّ على ما جزمَ له به من وُقُوعِ ذلك.

وقد وقع في حديث سماك بن الوليد عند مسلم في آخره ونزلت هذه الآية {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} إلى قوله {يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء 83] ، قال فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. والمعنى لو ردُّوه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون هو المخبرُ به أو إلى أولي الأمر كأكابرِ الصَّحابة رضي الله عنهم لعَلِمُوه لِفَهْمِ المُراد منه باستخراجِهم بالفهمِ والتَّلطف ما يخفى عن غيرهم.

وعلى هذا فالمراد بالإذاعة قولهم وإشاعتُهم أنَّه طلَّق نساءه بغير تحقُّق ولا تثبت حتى شُفِيَ عُمرُ رضي الله عنه في الاطلاع على حقيقة ذلك، وفي المراد بالمذاع في الآية أقوال أخر بُسِطَتْ في «التفاسير» .

(فَقُلْتُ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ) إنَّما خصَّتها بالذِّكر لمكانتها منه لكونها بنته، ولكونها قريبة العهد بتحذيرها من وقوع ذلك. ووقع في رواية عبيد بن حنين [خ¦4913] (( فقلت رغمَ أنف حفصة وعائشة ) )وكأنَّه خصَّهما بالذِّكر؛ لكونهما كانتا السَّبب في ذلك كما سيأتي بيانه.

(قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ) بكسر الشين بمعنى يقرب؛ لأنَّه من أفعال المقاربة (أَنْ يَكُونَ) وذلك لِما كان تَقَدَّم له من أنَّ مراجعتهنَّ قد تفضي إلى الغضبِ المفضي إلى الفرقة (فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي لبستها جميعًا ودخلت المسجد (فَصَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)

ج 22 ص 593

وفي رواية سِماك (( دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون الحصى، ويقولون طلَّق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك قبل أن يؤمرنَ بالحجابِ ) )، كذا في هذه الرِّواية، وهو غلطٌ بيِّن، فإنَّ نزولَ الحجاب كان في أوَّل زواج زينبَ بنت جحش، كما تقدَّم بيانه واضحًا في تفسير سورة الأحزاب [خ¦4719] ، وهذه القصَّة كانت سبب نزول آية التَّخيير، وكانت زينب بنت جحش فيمن خُيِّر. وقد تقدَّم ذِكْرُ عمر لها في قوله (( ولا حُسْن زينب بنت جحش ) ).

وسيأتي بعد ثمانية أبواب من طريق أبي الضُّحى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦5203] ، قال (( أصبحنا ذاتَ يوم ونساءُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يبكينَ، فخرجتُ إلى المسجد فجاءَ عمر رضي الله عنه فصعد إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو في غرفة له ) )، فذكر هذه القصَّة مختصرًا، فحضور ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومشاهدته لذلك يقتضي تأخر هذه القصَّة عن الحجاب، فإن بين الحجاب وانتقالِ ابن عبَّاس إلى المدينة مع أبويه نحو أربع سنين؛ لأنَّهم قدموا بعد فتح مكَّة، فآية التَّخيير على هذا نزلتْ سنةَ تِسْعٍ؛ لأنَّ الفتحَ كان سنة ثمان، والحجابُ كان سنةَ أربع أو خمس.

وهذا من رواية عكرمة بن عمَّار بالإسناد الذي أخرج له مسلم أيضًا قول أبي سفيان عندي أجمل العرب أم حبيبة أزوجكها؟ قال (( نعم ) ). وأنكرهُ الأئمة، وبالغ ابنُ حزم في إنكارهِ، وأجابوه بتأويلاتٍ بعيدةٍ.

وقال الحافظُ العسقلاني وأحسنُ مَحَامِله عندي أن يكون الرَّاوي لما رأى قول عُمر رضي الله عنه أنَّه دخل على عائشة ظنَّ أنَّ ذلك كان قَبْلَ الحِجَاب، فجزم به، لكنَّ جوابه أنَّه لا يلزم من الدُّخول رَفْعُ الحجاب، فقد يدخل من الباب وتخاطبه مِنْ وَراء الحِجاب، كما لا يلزم من وهم الرَّاوي في لفظة من الحديث أن يُطْرَحَ حديثُه كُلُّه.

وقد وقع في هذه الرِّواية موضعٌ آخر مُشْكِلٌ، وهو قوله في آخر الحديث بعد قوله فضَحِكَ النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ونزلت أتشبَّث بالجِذْعِ، ونزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم

ج 22 ص 594

كأنَّما يمشي على الأرض ما يمسُّه بيده فقلت يا رسول الله، إنما كُنْتَ في الغرفة تسعًا وعشرين )) .

فإنَّ ظاهره أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نزل عقب ما خاطبه عُمر رضي الله عنه، فيلزم منه أن يكون عُمر تأخَّر كلامه معه تسعًا وعشرين يومًا. وسياق غيره ظاهر في أنَّه تكلَّم معه في ذلك اليوم، وكيف يحتمل عمر رضي الله عنه تسعًا وعشرين يومًا لا يتكلَّم في ذلك، وهو يصرِّح بأنَّه لم يصبر ساعةً في المسجد حتى يقومَ ويرجع إلى الغرفةِ ويستأذن. ولكن تأويل هذا سهلٌ وهو أن يحملَ قوله فنزل؛ أي بعد أن مضتْ المدَّة.

ويستفادُ منه أنَّه كان يتردَّد إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم في تلك المدَّة التي حلف عليها، فاتَّفق أنَّه كان عنده عند إرادته النُّزول فنزل معه، ثمَّ خشي أن يكون نسيَ فذكره كما ذكرته عائشة رضي الله عنها، كما سيأتي، وممَّا يؤيِّد تأخر قصَّة التَّخيير ما تقدَّم من قول عمر رضي الله عنه في رواية عبيد بن حنين التي تقدَّمت الإشارة إليها في اللباس [خ¦5843] (( وكان من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقام له إلَّا ملك غسَّان بالشام ) )، فإنَّ الاستقامة التي أشار إليها إنَّما وقعت بعد فتح مكَّة، وقد مضى في غزوة الفتح [خ¦4302] من حديث عَمرو بن سلمة الجَرْمي (( وكانتِ العربُ تَلَوَّمُ بإسلامِهِم الفتحَ، فيقولون اترُكُوه وقومَه، فإن ظهرَ عليهم فهو نبيٌّ، فلمَّا كانت وقعة الفتح بادر كلُّ قومٍ بإسلامِهِم ) ). انتهى.

والفتح كان في رمضان سنة ثمان، ورجوع النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في أواخر ذي القعدة منها، فلهذا كانت سنة تسع تسمَّى سنة الوفود؛ لكثرة من وفدَ عليه من العرب، فظهرَ أنَّ استقامةَ مَن حوله صلى الله عليه وسلم إنَّما كانت بعد الفتح، فاقتضى ذلك أنَّ التَّخييرَ كان في أوَّل سنة تسع. وممَّن جزمَ بأنَّ آية التَّخيير كانت سنة تسع الدِّمياطيُّ ومن تابعه، وهو المعتمدُ.

(فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 22 ص 595

مَشْرُبَةً) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها، وهي الغرفةُ وجمعها مَشَارب ومشربات (لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي) وفي رواية سماك (( أنَّه دخل أولًا على عائشة رضي الله عنها فقال يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذِي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت ما لي ولك يا ابن الخطَّاب عليك بعَيْبَتِكَ ) )وهي بعين مهملة مفتوحة وتحتانية ساكنة بعدها موحدة ثم مثناة؛ أي عليك بخاصَّتك وموضع سرِّك.

وأصلُ العيبة الوعاءُ الذي يُجْعَلُ فيه الثِّيابُ ونفيسُ المتاعِ، فأطلقتْ عائشة رضي الله عنها على حفصة أنَّها عيبة عُمر رضي الله عنهما بطريق التَّشبيه، ومرادها عليك بوعظِ ابنتك.

(فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكِ، أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هَذَا) وفي رواية سماك (( لقد عَلمت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبُّك، ولولا أنا لَطَلَّقَك، فبكَتْ أشدَّ البُكاء لِمَا اجتمعَ عندها من الحزن على فراقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولِمَا تتوقَّعه من شدَّة غضبِ أبيها عليها ) )، وقد قال لها فيما أخرجه ابن مَرْدويه (( والله إن كان طلَّقك لا أكلِّمُك أبدًا ) ). وأخرج ابنُ سعد والدَّارمي والحاكم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم طلَّق حفصة ثمَّ راجعها. ولابن سعد مثله من حديث ابن عبَّاس عن عُمر رضي الله عنهم، وإسنادُه حسنٌ. ومن طريق قيس بن زيد مثله. وزاد فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ جبريل أتاني، فقال لي راجعْ حفصةَ، فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي زوجتُك في الجنَّة ) )، وقيس مختلفٌ في صُحبته، ونحوه عنده من مرسل محمد بن سيرين.

(أَطَلَّقَكُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لاَ أَدْرِي، هَا هُوَ) صلى الله عليه وسلم (ذَا مُعْتَزِلٌ فِي الْمَشْرُبَةِ) وفي رواية سماك (( فقلتُ لها أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت هو في خزانتهِ في المشربة ) ) (فَخَرَجْتُ) من عند حفصة (فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف

ج 22 ص 596

على تسميتهم، وفي رواية سماك بن الوليد (( دخلت المسجدَ، فإذا النَّاس ينكتون بالحصى ) )؛ أي يضربون به الأرض كفعل المهمومِ المفكر.

(فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ) أي من شغل قلبهِ بما بلغه من اعتزال النَّبي صلى الله عليه وسلم نساءه، وأنَّ ذلك لا يكون إلَّا عن غَضَبٍ منه، ولاحتمال صحَّة ما أُشيع من تطليقِ نسائهِ ومن جملتهنَّ حفصة بنته، فتنقطعُ الوصلة بينهما، وفي ذلك ما لا يخفى من المشقَّة عليه (فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لِغُلاَمٍ لَهُ أَسْوَدَ) واسمه رَبَاح، بفتح الراء وتخفيف الموحدة وآخره حاء مهملة. وفي رواية عُبيد بن حُنين [خ¦4913] (( فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مَشْرُبةٍ يَرْقَى عليها بعَجَلَةٍ وغلامٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أسودُ على رأسِ العجلة ) ). وفي رواية سماك (( فدخلتُ فإذا أنا برَبَاح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على أُسْكُفَّة المَشْرُبَة، مُدَلٍّ رِجْليه على نَقِير من خَشَب ) )وهو جذعٌ يرقَى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدرُ. وعُرف بهذا تفسير العجلة المذكورة في رواية غيره.

والأُسْكُفَّة في روايته بضم الهمزة والكاف بينهما مهملة ثم فاء مشددة، هي عتبةُ الباب السُّفلى.

وقوله (( على نقير ) )بنون ثم قاف، بوزن عظيم؛ أي منقور. ووقع في بعض روايات مسلم بفاء بدل النون، وهو الذي جُعلت فيه فِقَرٌ كالدَّرَج.

(اسْتَأْذِنْ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على صيغة الأمر من الاستئذان (لِعُمَرَ) وفي رواية عبيد بن حنين (( فقلت له قل هذا عمر بن الخطاب ) ) (فَدَخَلَ الْغُلاَمُ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في ذلك (ثُمَّ رَجَعَ. فَقَالَ كَلَّمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ) بفتح الميم؛ أي سكت، وفي رواية سماك (( فنظرَ رَباح إلى الغرفة ثمَّ نظر إليَّ فلم يقل شيئًا ) ). واتَّفقت الرِّوايتان على أنَّه أعاد الذَّهاب والمجيء ثلاث مرَّات، لكن ليس ذلك صريحًا في رواية سماك، بل ظاهر روايته أنَّه أعاد الاستئذان

ج 22 ص 597

فقط ولم يقعْ شيءٌ من ذلك في رواية عُبيد بن حُنين، ومن حَفِظَ حجَّةٌ على من لم يَحْفَظْ.

(فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ) ثانيًا (فَقُلْتُ لِلْغُلاَمِ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الْغُلاَمَ) ثالثًا (فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ) بتشديد الياء، وهذه اللفظة ساقطة في الأوليين.

(فَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ) ويروى (مُنْصَرِفًا) أي رجعت إلى ورائي، وفي رواية مَعْمر (( فوليت مُدْبِرًا ) )، وفي رواية سماك (( ثمَّ رفعت صوتي فقلت يا رباح استأذن لي فإنِّي أظنُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنَّ أني جئتُ من أجل حفصة، والله لئن أمرني بضربِ عُنُقِها لأضربنَ عنقها ) ) (قَالَ إِذَا الْغُلاَمُ يَدْعُونِي، فَقَالَ قَدْ أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ) بكسر الراء وقد تضم، وفي رواية معمر (( على رِمْل ) )بسكون الميم. والمراد به النَّسيج تقول رملت الحصيرَ وأرملتُه إذا نسجتَه، وحصير مرمولٌ؛ أي منسوج، والمراد هنا أن سريره كان مرمولًا بما يرمل به الحصير. ووقع في رواية أخرى (( على رِمال سرير ) ). ووقع في رواية سماك (( على حصير، وقد أثَّرَ الحصيرُ في جنبه ) )وكأنَّه أطلق عليه حصيرًا تغليبًا.

وقال الخطابي رِمال الحصير ضلوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب، فكأنَّه عنده اسمُ جَمْع.

(لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ) وهذا يؤيِّد أنَّه أطلق على نسيج السَّرير حصيرًا (مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالرفع؛ أي هو متكئ (مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين، جمع أديم؛ أي جلد (حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ) له (وَأَنَا قَائِمٌ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ) بهمزة الاستفهام.

ج 22 ص 598

(فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ) وفي نسخة بتقديم لفظ إليَّ على بصرهِ (فَقَالَ لاَ) أي لم أطلقهنَّ (فَقُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ) قال الكِرماني لما ظنَّ الأنصاريَّ أنَّ الاعتزالَ طلاقٌ أو ناشئٌ عن طلاقٍ، فأخبر عمرَ رضي الله عنه بوقوع الطَّلاق جازمًا، فلمَّا استفسر عمر رضي الله عنه عن ذلك فلم يجدْ له حقيقةً كبَّرَ تعجُّبًا من ذلك. انتهى.

ويحتمل أن يكون كبَّرَ اللهَ حامدًا له على ما أَنْعَمَ به عليه من عدم وقوع الطَّلاق، وفي حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها عند ابن سعد (( فكبَّر عمرُ تكبيرةً سَمِعْنَاها ونحن في بيوتنا، فعَلِمْنَا أنَّ عُمر سأله أطلَّقت نساءك؟ فقال لا ) )فكبَّر.

ووقع في رواية سماك (( فقلت يا رسول الله، أطلقتهنَّ؟ قال لا، قلت إني دخلتُ المسجدَ والمسلمون ينكتونَ الحصى يقولون طلَّق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نساءهُ أفأَنْزِلَ فأخبرهُم أنَّك لم تُطَلِّقْهُنَّ؟ قال نعم إن شئت ) )وفيه (( فقمتُ على باب المسجد فناديتُ بأعلى صَوتي لم يطلِّق نساءه ) ).

(ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ) حال كوني (أَسْتَأْنِسُ) وجزم الدَّارقطني بأنَّه للاستفهام بطريق الاستئذان فيكون أصله بهمزتين تسهل إحداهما وقد تحذف تخفيفًا. ومعناه أأنبسط في الحديث، وأستأذن في ذلك لقرينة الحال التي كان فيها لعلمه بأنَّ بنته كانت السبب في ذلك، فخشيَ أن يلحقَه شيء من المعتبة فبقيَ كالمنقبض عن الابتداء بالحديث حتى استأذنَ فيه.

قال الحافظُ العسقلانيُّ وظاهرُ سياق هذه الرواية كونه حالًا.

والحاصلُ أنَّه استأذن الجلوسَ عنده صلى الله عليه وسلم والمحادثة معه وتوقَّع عودَه إلى الرِّضى، وزوال غضبه، فافهم.

(يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ) يعني الأنصار (تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ) فساق ما تقدم، وكذا في رواية عقيل. ووقع في رواية مَعمر أنَّ قوله استأنس، بعد سياق القصَّة، ولفظه (( فقلتُ الله أكبر لو رأيتنَا يا رسول الله وكنَّا معشر قريش _ فساق القصَّة _ فقلت أسْتَأْنِسُ يا رسول الله؟ قال نعم ) )، وهذا يعيِّن الاحتمال الأوَّل

ج 22 ص 599

وهو أنَّه استأذن في الاستئناسِ فلمَّا أَذِنَ له جَلَسَ.

(فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ضَحِكَ من غير صَوتٍ (ثُمَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) الجملة حالية؛ أي حال دخولي عليها (فَقُلْتُ لَهَا لاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ) أي أجمل (مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُرِيدُ) أي عُمر رضي الله عنه (عَائِشَةَ) رضي الله عنها (فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَسُّمَةً) بتشديد السين المضمومة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بكسر السين، من غير مثناة تحتية فيهما، كذا في الفرع وأصله. وقال الحافظُ العسقلاني (( تبسيمة ) )بمثناة تحتية.

(أُخْرَى) وفي رواية عبيد بن حنين (( فذكرت له القول الذي قلت لحفصة وأم سلمة والذي ردَّتْ عليَّ أمُّ سلمةَ فضَحِك ) ). وفي رواية سماك (( فلم أزل أحدِّثه حتى تحسَّر الغضبُ عن وجهه، وحتى كَشَرَ فَضَحِكَ، وكان من أحسنِ الناس ثَغْرًا صلى الله عليه وسلم ) ).

وقوله (( تحَسَّر ) )بمهملتين؛ أي تَكَشَّف وزنًا ومعنى، وقوله كَشَر، بفتح الكاف والمعجمة؛ أي أبدى أسنانه ضاحكًا.

قال ابن السِّكِّيت كَشَر وتبسَّم وابتسم وأفتر بمعنى، فإذا زادَ قيل قهقهه وكَرْكَر، وقد جاء في صفتهِ صلى الله عليه وسلم (( كان ضحكُه تبسمًا ) ).

(فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ) أي نظرتُ فيه (فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ، غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاَثَةٍ) وفي رواية الكُشْمِيْهَني .

والأَهَبَة، بفتح الهمزة والهاء وبضمهما، أيضًا بمعنى الأهب، والهاء فيه للمبالغة، أو هو جمعُ إهاب على غير قياس. وهو الجلدُ قبل الدِّباغ، وقيل هو الجلد مطلقًا دُبِغ أو لم يُدْبغ، والذي يظهر أنَّ المراد به هنا جلد شُرِعَ في دَبْغِه ولم يَكْمُل لقوله في رواية سماك بن الوليد (( فإذا أَفِيقٌ مَعُلَّقٌ ) )والأَفِيْقُ، بوزن عظيم الجلد الذي لم يتم دباغه، يقال أَدَم وأَدِيم وأَفَق وأَفِيق، وإِهَاب وأَهَب، وعِمَاد وعَمُود وعُمُد، ولم يجيء فعيل وفعول على فَعَل بفتحتين

ج 22 ص 600

في الجمع إلَّا هذه الأحرف، والأكثر أن يجيءَ فُعُل بضمتين.

وزاد في رواية عُبيد بن حُنين (( وإنَّ عند رجليه قَرَظًا، بقاف وظاء معجمة، مصبوبًا ) )بموحدتين. وفي رواية أبي ذرٍّ براء. قال النَّووي ووقع في بعض الأصول بضاد معجمة، وهي لغة فيها.

والمراد بالمصبور، بالمهملة والمعجمة المجموع، ولا يُنافي كونها مصبوبًا، بل المراد أنَّه غيرُ منتشر، وإن كان في غير وعاءٍ بل هو مصبوبٌ مجتمع. وفي رواية سماك (( فنظرتُ في خزانةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ نحو الصَّاع ومثلها قرظًا في ناحيةِ الغرفة ) ).

(فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسًا) بالصَّرف، وفي رواية أبي ذرٍّ بعدمه (وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ) وفي رواية عُبيد بن حُنين (( فبكيتُ، فقال ما يبكيك؟ فقلت يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله ) ). وفي رواية سماك (( فابْتَدَرَتْ عَيناي، فقال ما يبكيكَ يا ابنَ الخطَّاب؟ فقلت وما لي لا أبكي، وهذه الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خِزَانتك لا أرى فيها إلَّا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الأنهار والثِّمار، وأنت رسولُ الله وصفوتُه ) ).

(فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مُتَّكِئًا أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدَّر بعد الهمزة؛ أي أنت في مقامِ استعظام التَّجملات الدُّنياوية واستعجالها. وفي رواية مَعمر عند مسلم (( أوَفي شكٌّ أنت يا ابن الخطَّاب؟ ) )، وكذا في رواية عقيل الماضية في كتاب المظالم، والمعنى أأنت في شكٍّ في أنَّ التَّوسعة في الآخرة خير من التَّوسعة في الدنيا.

وهذا يشعرُ بأنَّه صلى الله عليه وسلم ظنَّ أنَّه بكى من جهة الأمر الذي كان فيه وهو غضبُ النَّبي صلى الله عليه وسلم على نسائهِ حين اعتزلهنَّ، فلمَّا ذكر له أمر الدُّنيا

ج 22 ص 601

أجابه بما أجابه.

(إِنَّ أُولَئِكَ) أي فارس والروم (قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وفي رواية عُبيد بن حُنين (( ألا ترضى أن يكون لهم الدُّنيا ولنا الآخرة ) )، وفي رواي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت