5211 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) ضدُّ الأيسر، المخزومي المكِّي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيكة، بضم الميم وفتح اللام (عَنِ الْقَاسِمِ) هو ابنُ محمد بن أبي بكر الصِّديق رضي الله عنهم (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، وابنُ أبي مُليكة يَروي عن عائشة رضي الله عنها تارةً بالواسطة كما هنا، وتارةً بغيرها (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ) أي إلى السفر (أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) زاد ابنُ سعد من وجهٍ آخر، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها (( وكان إذا خرجَ سهمُ غَيري عُرِفَ فيه الكَرَاهِيَةُ ) ). وقال النَّووي وهو واجبٌ في حقِّ غير النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأمَّا النَّبي صلى الله عليه وسلم ففي وجوب القسم في حقِّه خلاف؛ فمن قال بوجوبهِ يجعلُ إقراعه واجبًا، ومن لم يوجبْه يقول فَعَلَ ذلك من حُسْن العشرة ومكارمِ الأخلاق وتَطْييبِ قلوبهنَّ، والمشهورُ عن الحنفيَّة والمالكيَّة عدمُ اعتبار القرعة وأنَّه لا حقَّ لهنَّ في القسم حالة السَّفر؛ يسافر الزَّوجُ بمن شاءَ، والأولى أن يُقرعَ بينهنَّ.
وقال القاضي عياض هو المشهورُ عن مالك وأصحابه؛ لأنَّها من باب الخَطَر والقِمار، وحُكي عن الحنفية إجازتها. انتهى، وقد قالوا به في مسألة الباب. وقال القرطبيُّ وليست أيضًا بواجبة عند مالك، واحتجَّ من منع من المالكية بأنَّ بعض النِّسوة قد تكون أنفع في السَّفر من غيرها، فلو خرجت القُرعة للتي لا نفعَ لها في السَّفر لأضرَّ بحال الرجل، وكذا بالعكسِ قد تكون بعض النِّساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى. وقال ابن القصَّار ليس له أن يسافرَ بمن شاء منهنَّ بغير قُرعة، وهو قولُ مالك وأبي حنيفة والشَّافعي، وقال مالك مرَّة له أن يسافر بمن شاء منهنَّ بغير قُرعة.
وقال القرطبي ينبغي أن يختلفَ ذلك باختلاف أحوال النِّساء وتختصُّ مشروعيِّةُ القُرعة بما إذا اتَّفقت أحوالُهنَّ
ج 22 ص 644
لئلا تخرجَ واحدةٌ معه فيكون ترجيحًا بغير مرجِّح. انتهى. وفيه مُرَاعاة للمذهب مع الأمن مِن رَدِّ الحديثِ أصلًا بحملهِ على التَّخصيص، وكأنَّه خصَّص العموم بالمعنى، وقال المهلَّب وفيه العملُ بالقُرْعة في المقاسمات والاستهام.
(فَطَارَتِ) أي حصلت (الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) رضي الله عنهما؛ أي في سفرة من السَّفرات وطَيْرُ كلِّ إنسانٍ نَصِيْبُه، وقد تقدَّم في الجنائز [خ¦1241] قول أمِّ العلاء لما اقتسمَ الأنصارُ المهاجرين قالت فطارَ لنا عثمان بن مظعون؛ أي حصلَ في نصيبنا من المهاجرين (وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ) حال كونه (يَتَحَدَّثُ) أي معها كما هي عادة المسافرين لقطع المسافة، واستدلَّ به المهلَّب على أنَّ القسم لم يكن واجبًا على النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه لو كان واجبًا لحرمَ على حفصة ما فعلتْ في تبديل بعيرها ببعير عائشة، ولا دَلالة فيه؛ لأنَّ عمادَ القسم اللَّيلُ في الحَضَر، وأمَّا في السَّفر فعماد القسم فيه النُّزول، وأمَّا حالة السَّفر فليست منه لا ليلًا ولا نهارًا.
وقد أخرج أبو داود والبيهقي واللَّفظ له من طريق ابن أبي الزِّناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها (( قلَّ يوم إلَّا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوفُ علينا جميعًا فيُقَبِّل ويلمسُ ما دون الوقاع، فإذا جاء إلى التي هو يومِهَا بات عندها ) ).
(فَقَالَتْ حَفْصَةُ) رضي الله عنها؛ أي لعائشة رضي الله عنها لما حصلَ لها من الغيرة (أَلاَ تَرْكَبِينَ) بتخفيف ألا (اللَّيْلَةَ) هذه (بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، تَنْظُرِينَ) إلى ما لم تنظري إليه (وَأَنْظُرُ) أنا إلى ما لم أكن نظرتُه (فَقَالَتْ) لها عائشة رضي الله عنها (بَلَى، فَرَكِبَتْ) كلُّ واحدةٍ منهما بعيرَ الأخرى، أو فركبتْ حفصةُ بعير عائشة رضي الله عنهما، وكأنَّ عائشة رضي الله عنها أجابت إلى ذلك لما شوقتها إليه من النَّظر إلى ما لم تكن تنظرُ.
وهذا يُشْعِرُ بأنَّهما لم تكونا حال السير متقاربتين بل كانت
ج 22 ص 645
كلُّ واحدةٍ منهما من جهة كما جرت العادة من سير قطارين، وإلَّا فلو كانتا معًا لم تختصَّ إحداهما بِنَظَرِ ما لم تنظره الأخرى، ويحتمل أن تريدَ بالنَّظر وطأة البعير وجودة سيره، وإنَّما حَمَلَ حفصة رضي الله عنها على ذلك الغيرةُ التي تورث الدَّهش والحيرة.
(فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ) على ظنِّ أنَّ عائشة رضي الله عنها عليه (وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ) أي والحال أنَّ عليه حفصة رضي الله عنها، وقال الكِرماني ويروى على تأويل الجمل بمؤنَّث (فَسَلَّمَ عَلَيْهَا) أي على حفصة ولم يذكر في الخبر أنَّه تحدَّث، فيحتمل أن يكون أبهم ما وقع، ويحتمل أن يكون ذلك وقع اتِّفاقًا، ويحتمل أن يكون تحدَّث ولم يُنْقَل.
(ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا، وَافْتَقَدَتْهُ) صلى الله عليه وسلم (عَائِشَةُ) رضي الله عنها؛ أي حالة المسايرة؛ لأنَّ قطع المألوف صَعْبُ (فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ) عائشة رضي الله عنها (رِجْلَيْهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ) بالذال المعجمة، وهو نبت معروف يكون فيه الهوام في البريَّة غالبًا، وإنَّما فعلتْ ذلك لمَّا عرفتْ أنَّها الجانية فيما أجابتْ إلى حفصة، وأرادتْ تعاقِبَ نفسَها على تلك الجناية.
(وَتَقُولُ رَبِّ) وفي رواية المُسْتملي بإثبات حرف النِّداء، وهي رواية مسلم (سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي) بالغين المعجمة (وَلاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ) صلى الله عليه وسلم (شَيْئًا) قال الكِرماني الظَّاهر أنَّه كلام حفصة، ويحتمل أن يكون كلامُ عائشة. انتهى.
بل الظَّاهر أنَّه من كلام عائشة، وظاهر العبارة يشعر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَعْرِفِ القصَّة، ويحتمل أن يكون قد عرفها بالوحي أو بالقرائن وتغافلَ عمَّا جرى إذا لم يجر منها شيء يترتَّب عليه حكم، وعند مسلم بعد قوله تلدغني (( رسولُك لا أستطيع أن أقول شيئًا ) )ورسولُك بالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي هو رسولُك، ويجوز النصب على تقدير فعلٍ تقديره انظر رسولك.
وإنَّما لم تتعرَّض لحفصة؛ لأنَّها هي التي أجابتها طائعةً
ج 22 ص 646
فعادت على نفسها باللَّوم. ووقع عند الإسماعيليِّ من وجهين عن أبي نُعيم شيخ البُخاري فيه بعد قوله تلدغني (( ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينظرُ ولا أستطيع أن أقولَ له شيئًا ) ). وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد بالقول في قولها أن أقولَ؛ أي أحكي له الواقعة؛ لأنه ما كان يعذرني في ذلك، وظاهرُ رواية غيرِه تُفْهِمُ أنَّ مرادها بالقول أنَّها لا تستطيع أن تقولَ في حقِّه شيئًا كما تقدَّم.
قال الدَّاودي يحتمل أن تكون المسايرة في ليلةِ عائشة رضي الله عنها، ولذلك غلبتْ عليها الغيرةُ، فدعت على نفسها بالموتِ. وتُعُقِّبَ بأنَّه يلزم منه وجوب القسم حالَ المسايرة وليس كذلك، إذ لو كان لَمَا كان يخصُّ عائشة رضي الله عنها بالمسايرة دون حفصةَ رضي الله عنها حتى تحتاج حفصةُ تتحيَّل على عائشة رضي الله عنها، ولا يتَّجه القسم في حالة السَّير إلَّا إذا كانت الخلوة لا تحصلُ إلَّا فيها؛ بأن يركبَ معها في الهودج، وعند النُّزول يجتمع الكلُّ في الخيمة، فيكون حينئذٍ عماد القسم السير.
وهذا كلُّه مبنيٌّ على أنَّ القسم كان واجبًا على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي تَدُلُّ عليه مُعْظَمُ الأخبار، ويؤيِّد القول بالقُرعة أنَّهم اتَّفقوا على أنَّ مدَّة السَّفر لا تحاسب بها المقيمة، بل يبتدئ إذا رجع بالقسم فيما يستقبلُ، فلو سافر بمن سافر بغير قرعة فقدم بعضهنَّ في القسم يلزم منه إذا رجع أن يوفي من تخلفت حقَّها.
وقد نقل ابنُ المنذر الإجماعَ على أنَّ ذلك لا يجب، فظهر أنَّ للقرعة فائدة، وهي أن لا يؤثر بعضهنَّ بالتَّشهي لما يترتب على ذلك من ترك العدلِ بينهنَّ، وقد قال الشَّافعي في القديم لو كان المسافِرُ يقسمُ لمن خَلَّفَ لما كان للقُرعة معنى، بل معناها أن تصيرَ هذه الأيام لمن خرج سهمُها خالصةً. انتهى.
ولا يخفى أنَّ محلَّ الإطلاق في ترك القضاء في السَّفر ما دام اسم السفر موجودًا، فلو سافر إلى بلدة فأقام بها زمانًا طويلًا ثمَّ سافر راجعًا فعليه قضاءُ مدَّة الإقامة، وفي مدَّة
ج 22 ص 647
الرجوع خلافٌ عند الشَّافعية، والمعنى في سقوط القضاء أنَّ التي سافرتْ وفازتْ بالصُّحبة لَحِقها من تَعَبِ السَّفرِ ومشقَّتِه ما يُقابِلُ ذلك، والمقيمة عكسها في الأمرين معًا.
وقال المهلَّب وفي الحديث أنَّ دعاءَ الإنسان على نفسه عند الحرج وما شاكله معفوٌّ عنه غالبًا؛ لقوله عزَّ وجلَّ {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ} [يونس 11] الآية.
ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلم في الفضائل، والنَّسائي في عشرة النساء.