5214 - (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ) هو يوسفُ بن موسى بن راشد، نسب إلى جدِّه، وهو القطَّان الكوفي، سكن بغداد، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) هو حمادُ بن أسامة (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوري، أنَّه قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو السَّخْتِياني (وَخَالِدٌ) هو ابنُ مهران الحذاء كلاهما (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) عبد الله بن زيد. قال الحافظُ العسقلاني والذي يظهرُ أنَّه ساقه على لفظ خالد (عَنْ أَنَسٍ)
ج 22 ص 653
رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ مِنَ السُّنَّةِ) أي سنة النَّبي صلى الله عليه وسلم، هذا الذي يتبادرُ للفهم من قول الصَّحابي، وقد مضى في الحجِّ [خ¦1659 بعد] قول سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم لما سأله الزُّهري عن قول ابن عُمر رضي الله عنهما للحَجَّاج إن كنتَ تُريدُ السنَّة هل تريدُ سنَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال له سالم وهل يعنونَ بذلك إلَّا سنته؟
(إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ) أي يكون عنده امرأة فيتزوَّج معها بكرًا (أَقَامَ) وجوبًا (عِنْدَهَا سَبْعًا) من اللَّيالي بأيَّامها متواليات، فلو فرَّقها لم تُحْسَب، وقضاها لها متوالياتٍ، وقضى بعد ذلك للأخريات ما فرق (وَقَسَمَ) بالواو بعد ذلك لهما (وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ) وجوبًا (ثَلاَثًا) من اللَّيالي بأيَّامها مُتَواليات أيضًا (ثُمَّ قَسَمَ) بعد ذلك، ولا يحتسب السَّبع ولا الثَّلاث عليهما، بل يستأنفُ القسمة، كذا وقع في البُخاري (( وقسم ) )بالواو في الأوَّل (( ثم قسم ) )بلفظ (( ثم ) )في الثاني. ووقع عند الإسماعيلي وأبي نُعيم من طريق حمزة بن عون، عن أبي أسامة بلفظ (( ثم ) )في الموضعين، وهذا من المعروف الذي أَمَرَ اللهُ به في معاشرتهنَّ، وذلك أنَّ البِكْرَ لِما فيها من الحياء ولزوم الحذرِ تحتاجُ إلى فضلِ إمهالٍ وصَبْرٍ وتأنٍّ ورِفْقٍ، والثَّيب قد جَرَّبتِ الرِّجال إلَّا أنها من حيث استجدت الصُّحبة أُكْرِمَتْ بزيادة الوصلةِ، وهي مدَّة الثلاث.
(قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كأنَّه يشيرُ إلى أنَّه لو صرَّح بِرَفْعِه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لكان صادقًا، ويكون روى بالمعنى، وهو جائزٌ عنده، لكنَّه رأى أن المحافظة على اللَّفظ أولى. وقال ابنُ دقيق العيد قول أبي قِلابة يحتمل وجهين أحدهما أن يكون ظنَّ أنَّه سَمِعَه عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا لفظًا، فتحرَّز عنه تورعًا.
والثاني أن يكون رأى أنَّ قول أنس من السُّنة في حكم المرفوع، فلو عبَّر عنه بأنَّه مرفوعٌ على حسب اعتقاده لصحَّ؛ لأنَّه في حكم المرفوع، قال والأول أقرب؛ لأنَّ قوله من السُّنة يقتضي كونَ الحديث مرفوعًا بطريقٍ اجتهادِي مُحْتَمل.
وقوله إنَّه رفعَه، نصٌّ في رَفْعِه، وليس للرَّاوي أن ينقلَ ما هو ظاهرٌ محتملٌ إلى ما هو نصٌّ غيرُ محتمل. انتهى.
وهذا بحثٌ متَّجِهٌ ولم يُصِبْ من رَدِّه بأنَّ الأكثر على أنَّ قول الصَّحابي من السُّنة، كذا في حكم المرفوع لاتجاه الفرق بين ما هو مرفوعٌ، وما هو في حكم المرفوع، لكنَّ باب الرِّواية بالمعنى متَّسع.
وقال النَّووي هذا اللَّفظ يقتضي رَفْعَه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قال
ج 22 ص 654
الصَّحابي السُّنة كذا، أو من السُّنة كذا، فهو في الحكم كقوله قال النَّبي صلى الله عليه وسلم.
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) في الحديث المذكور بالمتن المذكور (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) أي الثَّوري (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (وَخَالِدٍ) الحذَّاء (قَالَ خَالِدٌ وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ رَفَعَهُ) أي الحديث (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكأنَّ البُخاريَّ أراد أن يبيِّن أنَّ الرِّواية عن سفيان الثَّوري اختلفت في نسبة هذا القول هل هو قول أبي قِلابة، أو قول خالد، والذي يظهرُ أنَّ هذه الزِّيادة في رواية خالد، عن أبي قِلابة دون رواية أيوب. ويؤيِّده أنَّه أخرجه في الباب الذي قبلَه من وجهٍ آخر عن خالد، وذكر الزِّيادة في صدر الحديث.
وقد وَصَلَ طريقَ عبد الرَّزاق المذكور مسلمٌ فقال حدَّثني محمد بن رافع حدَّثنا عبد الرَّزَّاق أخبرنا سفيان، عن أيُّوب وخالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن أنس رضي الله عنه، قال (( من السُّنة أن تقيمَ عند البكر سبعًا ) )، قال خالد ولو شئتُ لقلتُ رَفَعَه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أخرج الإسماعيليُّ من طريق أيُّوب من رواية عبد الوهاب الثَّقفي عنه عن أبي قِلابة، عن أنس رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرَّح برَفْعِه، وهو يؤيِّد ما ذكر أنَّ السِّياق في رواية سفيان لخالد، ورواية أيُّوب هذه إن كانت محفوظةً احتملَ أن يكون أبو قلابة لما حدَّث به أيوب جزمَ برفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أخرجه ابنُ خزيمة في «صحيحه» ، وأخرجه ابن حبَّان أيضًا عنه، عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان بن عُيينة، عن أيُّوب وصرَّح بِرَفْعِه. وأخرجه الدَّارمي والدَّارقطني من طريق محمد بن إسحاق، عن أيُّوب مثله، فثبت أنَّ روايةَ خالد هي التي قال فيها من السُّنة، وأن روايةَ أيُّوب قال فيها قال النَّبي صلى الله عليه وسلم، واستُدِلَّ بالحديثِ على أنَّ هذا العددَ يختصُّ بمن له زوجة قبل الجديدة.
وقال ابنُ عبد البر جمهورُ العلماء على أنَّ ذلك حقٌّ للمرأة بسبب الزَّفاف، وسواء كان عنده زوجة أو لا. وحكى الثَّوريُّ أنَّه يستحبُّ إذا لم يكن عنده زوجة
ج 22 ص 655
غيرها وإلَّا فيجب. وهذا يوافقُ كلامَ أكثر أصحاب الشَّافعي، واختار النَّوويُّ أن لا فرقَ، وإطلاقُ الشَّافعيِّ يعضدُه، ولكن يشهد للأول قوله في حديث الباب (( إذا تزوَّج البكر على الثيب ) ). ويمكن أن يتمسَّك للآخر بسياق بشر، عن خالد الذي في الباب الذي قبله، فإنَّه قال (( إذا تزوَّج البكرَ أقام عندها سبعًا ) ). الحديث، ولم يقيِّده بما إذا تزوَّجها على غيرها، لكن القاعدة عند الشَّافعية أن المطلق محمولٌ على المقيَّد، بل ثبتَ في رواية خالد التَّقييد.
فعند مسلم من طريق هُشيم، عن خالد إذا تزوج البكر على الثَّيب. الحديث. ويؤيِّده أيضًا قوله في حديث الباب ثمَّ قسم؛ لأنَّ القسم إنما يكون لمن عنده زوجة أخرى. قالت الشَّافعيَّة وفيه حجَّة على الكوفيين في قولهم إنَّ البكر والثَّيب سواء في الثَّلاث، وعلى الأوزاعي في قوله للبكر ثلاث، وللثَّيب يومان. وفيه حديث مرفوعٌ عن عائشة رضي الله عنها أخرجه الدَّارقطني بسندٍ ضعيفٍ.
واحتجَّ الكوفيون أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وحمَّاد بن سليمان والحكم بن عُتيبة في ذلك حيث قالوا إنْ ثلَّثَ لها ثلَّث لسائِرِ نِسائهِ، كما إذا سبَّع لها سبَّع لسائِر نسائه بحديث أمِّ سلمة رضي الله عنها أخرجه الطَّحَّاوي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها (( إن شئتِ سبَّعتُ عندك، وسبَّعت عندهنَّ ) ). وأخرجه أحمد في «مسنده» مطولًا. وأخرجه الطَّبراني بأطول منه، وأخرجه أبو يعلى أيضًا والبيهقيُّ.
واحتجَّت الحنفيَّة أيضًا بحديث عائشة رضي الله عنها (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقسمُ بين نسائهِ فيعدلُ ) )، الحديث رواه الأربعة.
وقد مرَّ عن قريبٍ، فظاهرهُ يقتضي المساواةَ بينهنَّ مطلقًا، ولكن استدلالَهم بحديث أمِّ سلمة رضي الله عنها ليس بذاك، فإنَّ سياقه عند مسلم ظاهر في قول الشَّافعية. قال الحافظُ العسقلاني وخصَّ من عموم حديث الباب ما لو أرادت الثَّيب أن يكملَ لها السَّبع، فإذا أجابها سقطَ حقها من الثَّلاث وقضى السَّبع لغيرها، لما أخرجه مسلم من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا تزوَّجها أقام عندها ثلاثًا وقال (( إنَّه ليس بك على أهلِكِ
ج 22 ص 656
هوانٌ، إن شئتِ سبَّعت لك، وإن سبَّعت لك سبَّعت لنسائي )) . وفي رواية له (( إن شئتِ ثلَّثت ثمَّ دُرْتُ، قالت ثلِّث ) ).
وحكى الشيخ أبو إسحاق في «المهذب» وجهين في أنَّه يقضي السَّبع أو الأربع المزيدة، والذي قطعَ به الأكثر إن اختارت السَّبع قضاها كلَّها، وإن أقام بغير اختيارها قَضى الأربع المزيدة. وقد اختلفوا في المقامِ المذكور هل هو من حقوقِ المرأة على الزَّوج، أو من حقوق الزَّوج على نسائه؟ فقالت طائفةٌ هو حقُّ المرأة، إن شاءتْ طالبتْه وإن شاءت تركته. وقال آخرون هو من حقِّ الزوج، إن شاء أقام عندها، وإن شاء لم يقمْ، فإن أقام عندها، ففيه الخلاف المذكور، وإن لم يقمْ عندها إلَّا ليلة دار، وكذلك إن أقام ثلاثًا دار، على ما مضى الخلاف المذكور، والأول أولى لإخبارِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ ذلك حقٌّ للبكر والثَّيب.
هذا، وقالوا يكره أن يتأخَّر في السَّبع أو الثَّلاث عن صلاة الجماعة وسائرِ أعمال البر التي كان يفعلُها، نصَّ عليه الشَّافعي. وقال الرَّافعي هذا في النَّهار، وأمَّا في اللَّيل فلا؛ لأنَّ المندوبَ لا يُترك له الواجب. وقد قال أصحاب الشَّافعي يسوِّي بين الزَّوجات في الخروج إلى الجماعة وفي سائر أعمالِ البر، فيخرجُ في ليالي الكلِّ أو لا يخرج أصلًا، فإن خصصَّ حَرُمَ عليه، وعدُّوا هذا من الأعذارِ في ترك الجُمعة. وقال ابنُ دقيق العيد أفرطَ بعض الفقهاء فجعلَ مقامه عندها عذرًا في إسقاط الجمعة، وبالغ في التَّشنيع. وأُجيب بأنَّه قياس قول من يقول بوجوب المقام عندها، وهو قول الشَّافعية، ورواه ابن القاسم عن مالك، وعنه يستحبُّ، وهو وجه للشَّافعية، فعلى الأصح يتعارض عنده الواجبان، فقدَّم حقَّ الآدمي، هذا توجيهه، فليس بشنيعٍ وإن كان مرجوحًا، والله تعالى أعلم.
وأخرج الطَّحاوي هذا الحديث من عَشْر طُرق صِحاح، ثمَّ قال فذهب قومٌ إلى أنَّ الرجل إذا تزوَّج الثيب فهو بالخيار إن شاء أقام
ج 22 ص 657
عندها ثلاثًا ودار على بقية نسائه يومًا يومًا، وليلة ليلة. وأراد بالقوم إبراهيم النَّخعي، وعامر الشَّعبي، ومالكًا، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، وأبا عبيد.
ثمَّ قال وخالفهم آخرون في ذلك فقالوا إن ثلَّث لها ثلَّث لسائر نسائهِ، كما إذا سبَّع لها سبَّع لسائِرِ نِسائهِ.
وأراد بهؤلاء حماد بن أبي سليمان، والحكم بن عُتيبة، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا رحمهم الله.
ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ.