5241 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة وتخفيف التحتية وبالمثلثة، قال (حَدَّثَنَا أَبِي) قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) هو أبو وائل المذكور في السَّند السَّابق (قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ) يعني ابن مسعود رضي الله عنه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا) هذا طريق آخر في الحديث المذكور، وروى شقيقٌ عن ابن مسعود رضي الله عنه في الطَّريق الأوَّل بالعنعنة، وفي هذا بالسَّماع، وقال الدَّاودي إنَّ قوله (( فتنعتها ... إلى آخره ) )من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، وقال ابن التِّين وظاهره أنَّه من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقال القابسي هذا أصل لمالك في سد الذَّرائع، فإنَّ الحكمةَ في هذا النَّهي خشيةُ أن يُعْجِبَ الزَّوجَ الوصفُ المذكورُ فيفضي ذلك إلى تطليق الواصفة أو الافتتان بالموصوفة، وقد سبق آنفًا، ووقع في رواية النَّسائي من طريق مسروق، عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ (( لا تباشر المرأةُ المرأةَ، ولا الرَّجل الرَّجل ) )، وهذه الزيادة
ج 23 ص 48
عند مسلم وأصحاب «السُّنن» من حديث أبي سعيد رضي الله عنه بأبسط من هذا، ولفظه (( لا ينظر الرَّجل إلى عورة الرَّجل، ولا تنظر المرأة إلى عورةِ المرأة، ولا يفضي الرَّجل إلى الرَّجل في الثَّوب الواحد، ولا تفضِي المرأة إلى المرأة في الثَّوب الواحد ) ).
قال النَّووي فيه تحريم نظر الرَّجل إلى عورة الرَّجل، والمرأة إلى عورةِ المرأة، وهو ممَّا لا خلافَ فيه، وكذا الرَّجل إلى عورة المرأة، والمرأة إلى عورة الرَّجل حَرَامٌ بالإجماع، ونبَّه صلى الله عليه وسلم بنظر الرَّجل إلى عورة الرَّجل، والمرأة إلى عورةِ المرأة على ذلك بطريق الأولى، ويستثنى الزَّوجان فلكلٍّ منهما النَّظر إلى عورة صاحبه إلَّا أن في السَّوءة اختلافًا، والأصحُّ الجواز؛ أي جواز النَّظر إليها ظاهرًا وباطنًا؛ لأنَّه محل تمتعه، لكن يُكْرَه النَّظرُ حتى من فَرْجِ نفسه بلا حاجة، والنَّظر إلى باطنه أشدُّ كراهة، قالت عائشة رضي الله عنها (( ما رأيت منه ولا رأى مني ) )أي الفرج، وفي الحديث (( النَّظر إلى الفرجِ يورثُ الطَّمْسَ ) )أي العَمَى، رواه ابن حبَّان وغيره في «الضعفاء» ، وخالف ابن الصَّلاح فقال إنَّه جيِّد الإسناد محمولٌ على الكراهة، كما قاله الرَّافعي، واختلف في قوله (( يورث العمى ) )فقيل في النَّاظر، وقيل في الولد، وقيل في القلب، والأمة كالزَّوج، ولو نظر إلى فَرْجِ صغيرةٍ لا تُشْتَهى جازَ لتسامح النَّاس بنظر فرج الصَّغيرة إلى بلوغها سنَّ التَّمييز، ومصيرها بحيث يمكنها ستر عورتها عن النَّاس، وبه قطعَ القاضي، وجزم في «المنهاج» بالحرمة، واستثنى ابن القطَّان الأم زمن الرَّضاع والتَّربية للضَّرورة، أمَّا فرج الصَّغير فيحل النَّظر إليه ما لم يُمَيِّزْ كما صحَّحه المتولي وجزم به غيره، ونقله السُّبكي عن أصحاب الشَّافعي، وأمَّا المحارم فالصَّحيح أنَّه يباح نظر بعضهم إلى بعض إلى فوق السُّرة وتحت الركبة.
قال النَّووي وجميع ما ذكر من التَّحريم حيث لا حاجة، ومن الجواز حيث لا شهوة، وفي الحديث تحريم اضطجاعِ رجلين أو امرأتين في ثوبٍ واحدٍ إذا كانا عاريين بحيث تلاقي بشرةُ أحدِهما بشرةَ الآخر إلَّا عند ضرورة، ويستثنى المصافحة، بل تُسْتَحبُّ لحديث أبي داود (( ما من مسلمين يلتقيان
ج 23 ص 49
فيصافحان إلَّا غُفِرَ لهما قبل أن يتفرَّقا )) ، ويستثنى الأمرد الجميلُ الوَجْه فيَحْرُم مصافحتُه، ومن به عاهة كالأبرص والأجذم، فَتُكرَه مصافحتُه، كما قاله العَبَّادي، وتكْرَه المعانقةُ والتَّقبيلُ في الرَّأس والوجه، ولو كان المُقَبِّل والمُقَبَّل صالحًا؛ لحديث رواه التِّرمذي وحسَّنه ولفظه قال رجل يا رسولَ الله الرَّجل منَّا يلقى أخاه، أو صديقَه أينحني له؟ قال (( لا ) )قال أفيلتزمه ويقبِّله؟ قال (( لا ) )، قال فيأخذُه بيده ويصافحُه، قال (( نعم ) ). ولا بأس بتقبيل الطِّفل، ولو ولد غيره شفقة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قبل ابنه إبراهيم والحسن بن علي رضي الله عنهم، وكذا تقبيلُ يد الحيِّ لصلاح، كما كانت الصَّحابة رضي الله عنهم تفعله مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، ذكره الإمام القسطلاني.
نعم، يُكْرَه ذلك لغناه ونحوه من الأمور الدُّنيوية كشوكتهِ ووجاهته؛ لحديث (( من تواضعَ لِغَنيٍّ لغناه ذَهَبَ ثُلُثا دينه ) )، وفي الحديث تحريم لمس عورةِ غيره بأي موضعٍ من بدنهِ كان بالاتفاق. قال النَّووي وممَّا يعمُّ به البلوى ويتساهلُ فيه كثير من النَّاس الاجتماع في الحمَّام، فيجبَ على من فيه أن يصونَ نظره ويده وغيرهما عن عورةِ غيره، ويجبُ الإنكار على من فعل ذلك لمن قدرَ عليه، ولا يسقطُ الإنكار بظنِّ عدم القبول، إلَّا إن خاف على نفسه، أو غيره فتنة.