5243 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بكسر الدال المهملة وتخفيف المثلثة، السَّدوسي قاضي الكوفة، قال (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا) أي إتيانًا في اللَّيل من سفر، أو غيره على غفلة، وفي حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان لا يطرقُ أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوةً، أو عشيَّة. أخرجه مسلم.
قال أهل اللُّغة الطُّرُوق، بالضم المجيء باللَّيل من سفر، أو غيره على غفلة، ويقال لكل آت باللَّيل طارق، فلا يقال في النَّهار إلَّا مجازًا، كما تقدَّم، وقال بعض أهل اللُّغة أصل الطُّرُوق الدَّفع والضَّرب، وبذلك سمِّيت الطَّريق؛ لأنَّ المارَّة تدقُّها بأرجلها، وسمِّي الآتي باللَّيل طارقًا؛ لأنَّه يحتاج غالبًا إلى دقِّ الباب، وقيل
ج 23 ص 53
أصل الطَّرْق السُّكون، ومنه أطرق رَأْسَه، فلمَّا كان اللَّيل يُسْكَنُ فيه سُمِّي الآتي فيه طارقًا، وقوله في طريق عاصم، عن الشَّعبي، عن جابر رضي الله عنه (( إذا أطال أحدُكم الغيبة فلا يطرُق أهلَه ليلًا ) )التَّقييد فيه بطول الغيبة يشيرُ إلى أنَّ عِلَّة النَّهي إنَّما توجه حينئذٍ، والحكم يدورُ مع علَّته وجودًا وعدمًا، فلمَّا كان الذي يخرج لحاجته مثلًا نهارًا، ويرجع ليلًا لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيلُ الغيبة؛ لأنَّ طولَ الغيبة مظنَّةُ الأمن من الهجوم، فيقعُ للذي يهجمُ بعد طول الغيبة غالبًا ما يكره؛ إمَّا أن يجد أهله على غير أهبةٍ من التَّنظيف والتَّزين المطلوب من المرأة، فيكونُ ذلك سببَ النَّفرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك في حديثُ الباب الذي بعده بقوله (( كي تستحدَّ المغيبة، وتمتشطَ الشَّعثة ) )، ويؤخذُ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظِّفة؛ لئلَّا يطلع منها على ما يكون سببًا لنفرته منها، وإمَّا أن يجدَها على حالة غير مرضيَّة، والشَّرع محرِّض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله (( أن يتخوَّنهم ويتطلَّب عثراتِهِم ) )، فعلى هذا مَنْ أَعْلَمَ حالَه بوصوله، وأنَّه يقدُم في وقتِ كذا مثلًا، لا يتناولُه هذا النَّهي، وقد صرَّح بذلك ابن خُزيمة في «صحيحه» ، ثم ساقَ من حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما قال قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم من غزوة فقال (( لا تطرقوا النِّساء ) )وأرسل من يؤذن النَّاس أنَّهم قادمون.
قال ابنُ أبي جمرة فيه النَّهي عن طُرُوق المسافر أهلَه على غرَّة من غير تقدُّم إعلامٍ منه لهم بقدومه، والسَّبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث، وقد خالفَ بعضُهم فرأى عند أهله رجلًا، فعُوقب بذلك على مخالفته. انتهى، وأشار بذلك إلى حديث أخرجه ابن خُزيمة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُطْرَقَ النِّساءُ ليلًا، فطرقَ رجلان كلاهما، وَجَدَ مع امرأته ما يكره ) ). وأخرجه من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه، وقال فيه «وكلاهما وجد مع امرأته رجلًا» ، ووقع في حديث محارب عن جابر رضي الله عنه «أنَّ عبد الله بن رواحة رضي الله عنه
ج 23 ص 54
أتى امرأته ليلًا وعندها امرأةٌ تمشطها، فظنَّها رجلًا، فأشار إليها بالسَّيف، فلمَّا ذكر ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يطرقَ الرَّجل أهله ليلًا». أخرجه أبو عَوَانة في «صحيحه» .
وفي الحديث الحث على التَّوادد والتَّحابب خصوصًا بين الزَّوجين؛ لأنَّ الشَّارع راعى ذلك بين الزَّوجين مع اطلاع كلٍّ منهما على ما جرت العادة بستره حتى كان كلُّ واحدٍ منهما لا يخفى عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك نهى عن الطُّرُوق ليلًا؛ لئلَّا يطَّلع على ما تنفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك في غير الزَّوجين بطريق الأولى، ويُؤخذ منه أن الاستحدادَ ونحوه ممَّا تتزيَّن به المرأة ليس داخلًا في النَّهي عن تغيير الخلقة، وفيه التَّحريض على ترك التَّعرض؛ لما يوجب سوء الظَّنِّ بالمسلم.
ومطابقةُ الحديث للترجمة تُؤخذُ من لفظِ الحديث، فليُتَأَمَّل.