5251 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو إسماعيلُ بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس الأويسي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنس الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) وفي رواية مسلم من طريق اللَّيث، عن نافع «أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما طلَّق امرأة له» ، وعنده من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر «طلقت امرأتي» ، وكذا في رواية شعيب، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر.
قال النَّووي في «تهذيبه» اسمها آمنة بنت غِفَار، ونقله عن النَّووي جماعة ممَّن بعده منهم الذَّهبي في «تجريد الصَّحابة» ، لكن قال في «مبهماته» فكأنَّه أراد «مبهمات التَّهذيب» . وأوردها الذَّهبي في آمنة، بالمد وكسر الميم ثم نون، وأبوها ضَبَطَه ابنُ نقطة بكسر المعجمة وتخفيف الفاء.
ولكن في «مسند ابن باطيش» في أحاديث قُتيبة بسندٍ فيه ابن لهيعة «أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما طلَّق امرأته آمنة بنت عمَّار، بمهملة مفتوحة ثمَّ ميم ثقيلة» ، والأول أولى.
وأقوى من ذلك ما في «مسند أحمد» قال حدَّثنا يونس حدثنا اللَّيث، عن «نافع أنَّ عبد الله طَلَّقَ امرأتَه وهي حائضٌ فقال عمر يا رسول الله، إنَّ عبدَ الله طلَّق امرأته النَّوار، فأمره أن يُراجعها» ، الحديث.
وهذا الإسناد على شرط الشَّيخين، ويونس شيخ أحمد، هو ابنُ محمد المؤدِّب من رجالهما. وقد أخرجَه الشَّيخان عن قُتيبة عن اللَّيث، ولكن لم تسم عندهما، ويمكن الجَمْعُ بينهما بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها النَّوار.
(وَهْيَ حَائِضٌ) قيل هذه جملة من المبتدأ والخبر، والمطابقة بينهما شرط. وأُجيب بأنَّ الصِّفة إذا كانت خاصَّة بالنَّساء لا حاجة إليها. وفي رواية القاسم بن أَصْبغ من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن نافع، عن ابن عُمر رضي الله عنهما
ج 23 ص 72
«أنَّه طلَّق امرأته، وهي في دمها حائض» .
وعند البيهقيِّ من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنَّه طلَّق امرأته في حيضها» . وأخرج الطَّحاوي هذا الحديثَ من ثمان طُرق صحاح
منها عن نصر بن مرزوق وابن أبي داود كلاهما عن عبد الله بن صالح، عن اللَّيث، عن عقيل، عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره «أنَّه طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فذكر ذلك عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيَّظَ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراجعْهَا، ثمَّ ليمسكْها حتى تطهرَ، ثم تحيضَ فتطهرَ فإن بدا له أن يطلِّقها فليطلِّقها طاهرًا قبل أن يمسَّها فتلك العدَّة، كما أمر الله تعالى» .
(عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي في زمنه وأيَّامه، كذا وقع هذا في رواية مالك، وكذا وقع عند مسلم في رواية أبي الزُّبير، عن ابن عمر، وأكثر الرُّواة لم يذكروا ذلك استغناء بقوله (فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ) أي عن حُكْم طلاق ابنه على الصِّفة المذكورة، فإنَّه يستلزم أنَّ ذلك وقع في عهدِهِ صلى الله عليه وسلم. ووقع في رواية ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن نافع «فأتى عمرُ النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكرَ له ذلك» ، أخرجه الدَّارقطني.
وكذا سيأتي للمصنِّف من رواية قتادة، عن يونس بن جُبير، عن ابن عمر، وكذا وقع في رواية مسلم من رواية يونس بن عُبيد، عن محمد بن سيرين، عن يونس بن جُبير، وكذا عند مسلم في رواية طاوس عن ابن عمر. وكذا في رواية الشَّعبي من طريق الزُّهري عن سالم، وزاد فيه «أنَّ ابنَ عمر أخبَرَه فتغيَّظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
قال الحافظُ العسقلاني ولم أَرَ هذه الزِّيادةَ في رواية غيرِ سالم، وهو أجلُّ من روى الحديثَ عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وفيه إشعار بأنَّ الطَّلاق في الحيض كان تقدَّم النَّهيُّ عنه وإلَّا لم يقع التَّغيظُ على أَمْرٍ لم يَسْبِقِ النَّهيُّ عنه، ولا يُعَكِّر على ذلك
ج 23 ص 73
مبادرةُ عمرَ رضي الله عنه بالسُّؤال عن ذلك؛ لاحتمال أن يكون عَرَفَ حُكْمَ الطَّلاق في الحيض، وأنَّه منهي عنه ولم يعرف ماذا يصنع من وقع له ذلك.
قال ابنُ العربي سؤال عمر رضي الله عنه محتمل لأنَّ يكونَ أنَّهم لَمْ يَرَوا قَبْلَها مثلها فسأل ليعلم. ويحتمل أن يكون لما رأى في القرآن قوله {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق 1] وقوله {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة 228] أراد أن يعلمَ أنَّ هذا قرء أم لا؟ ويحتمل أن يكون سَمِعَ من النَّبي صلى الله عليه وسلم النَّهي، فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك.
وقال ابنُ دقيق العيد وتغيَّظُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إمَّا لأنَّ المعنى الذي يقتضِي المَنْعَ كان ظاهرًا، وكان مقتضى الحال التَّثبت في ذلك، أو لأنَّه كان مقتضَى الحال مشاورة النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك إذا عزم عليه.
هذا، وقد زاد اللَّيث عن نافع تطليقةً واحدةً، وكذا وقع عند مسلم من طريق محمد بن سرين قال مكثتُ عشرين سنة يحدِّثني من لا أتهم أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائضٌ، فأُمِرَ أن يُراجِعَها فكنت لا أتهمهم، ولا أعرفُ وَجْهَ الحديث حتى لقيتُ أبا غلَّاب يونس بن جبير، وكان ذا ثبت فحدَّثني أنَّه سأل ابن عمر رضي الله عنهما فحدَّثه أنَّه طلق امرأته تطليقةً وهي حائض.
وأخرجه الدَّارقطني والبيهقيُّ من طريق الشَّعبي قال طلَّق ابنُ عمر امرأته، وهي حائضٌ واحدة. ومن طريق عطاء الخراساني، عن الحسن، عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنَّه طلَّق امرأته تطليقةً وهي حائض» .
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ) أصله اُؤمر بهمزتين الأولى للوصل مضمومة تبعًا للعين مثل انصر، والثَّانية فاء الكلمة ساكنة أبدلت تخفيفًا من جنس حركة ما قبلها، فإذا وصل الفعل بما قبله زالت همزة الوصل وسكنت الهمزة الأصلية، كما في قوله تعالى {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} [طه 132] لكن استعملها العرب بلا همز، فقالوا مُرْ؛ لكثرة الدَّور؛ لأنَّهم حذفوا أولًا الهمزة الثَّانية تخفيفًا،
ج 23 ص 74
ثم حذفوا همزة الوصل استغناءً عنها؛ لتحرك ما بعدها، وكذا حكم خذْ وكل؛ أي مرَّ ابنك عبد الله.
(فَلْيُرَاجِعْهَا) اختلفوا في معنى هذا الأمر، فقال مالك هذا للجواب ومن طلَّق زوجته حائضًا، أو نفساء، فإنَّه يجبرُ على رجعتها فسوى دم النِّفاس بدمِ الحيض، وصحَّحه صاحب «الهداية» من الحنفية؛ أي إنَّ الصَّحيح أنَّه للوجوب، ويجبرُ على مراجعتها ما بقيَ من العدَّة. وقال ابنُ القاسم وأشهب وابن المواز يجبرُ عندنا بالضَّرب والسِّجن والتَّهديد. انتهى.
والحجَّة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأنَّ الطَّلاق لما كان محرَّمًا في الحيض كان استدامة النِّكاح فيه واجبة. فلو تمادى الذي طلَّق في الحيض حتى طهُرت، قال مالك وأكثر أصحابه يجبر على الرَّجعة أيضًا. وقال أشهبُ منهم إذا طهرت انتهى الأمر بالرجعة.
واتَّفقوا على أنَّه إذا انقضت عدَّتها لا رجعة، وأنَّه لو طلَّق في طهر قد مسَّها فيه لا يؤمر بمراجعتها، كذا نقله ابن بطَّال وغيره، لكن الخلاف فيه ثابت قد حكاه الخياطي من الشَّافعية وجهًا.
واتَّفقوا على أنَّه لو طلق قبل الدُّخول وهي حائضٌ لم يؤمر بالمراجعة إلَّا ما نقل عن زُفر فَطَرَدَ البابَ.
وقال ابنُ أبي ليلى والأوزاعي والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو قولُ الكوفيين يؤمر برجعتها، ولا يجبرُ على ذلك، وحملوا الأمر في ذلك على النَّدب؛ ليقعَ الطَّلاق على سنة. وفي «التوضيح» ووهم من قال إنَّ قوله (( مرْهُ فليراجعها ) )من كلام ابنِ عمر، لا من كلامِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه صرَّح فيه. وقول بعضِهم إنَّه أَمْرُ عمر لابنه، أغربُ منه.
ثمَّ لنا قوله تعالى {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق 2] وغيرها من الآيات المقتضية للتَّخيير بين الإمساك بالرَّجعة أو المفارقة بتركها، فجمعَ بين الآيات والحديث بحملِ الأمر على النَّدب، ولأنَّ المراجعة؛ لاستدراك النِّكاح، وهو غيرُ واجبٍ في الابتداء.
وقال الإمام ومع استحباب الرَّجعة لا نقول إن تركها مكروه.
ولكن قال في «الرَّوضة» فيه نظرٌ، وينبغِي كراهته لصحَّة الخبر فيه، ولدفعِ الإيذاء، ويسقط الاستحباب بدخولِ الطهر الثَّاني.
هذا، وقال ابنُ دقيق العيد ويتعلَّق بالحديث مسألةٌ أصوليَّة وهي أنَّ الأمرَ بالأمر بالشَّيء هل هو أمر بذلك الشَّيء أم لا؟ فإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لعُمر رضي الله عنه (( مره ) )فأمرَه بأمره. قال ليس أمرًا بذلك الشَّيء، إذ لو كان لكان مرَّ عبدك، تعدِّيًا، ولكان يناقض قولك للعبد لا تفعلْ، قالوا فهم ذلك من أمر الله ورسوله، ومن قول الملك لوزيره قل لفلان افعل، وقلنا لِلْعِلْمِ بأنَّه مُبَلِّغٌ، وقال ابنُ الحاجب أيضًا الأمرُ بالأمر بالشَّيء ليس أمرًا بذلك الشَّيء؛ لما ذكره ابنُ دقيق العيد أيضًا. وقال الإمام الرَّازي الأمر بالأمرِ بالشَّيء أمر بالشَّيء.
وقال الحافظُ العسقلاني إن النَّفيَ إنَّما هو حيث تجرَّد الأمرُ عن القرينة، وأمَّا إذا وجدتَ قرينة تدلُّ على أنَّ الأمر الأوَّلَ أمرٌ للمأمور الأوَّل أن يبلغَ المأمور الثَّاني فلا، وينبغي أن ينزلَ كلامُ الفريقين على هذا التَّفصيل، فيرتفعَ الخلاف، ومنهم من فرَّق بين الأمرين فقال إن كان الآمر الأوَّلُ بحيث يسوغُ له الحكم
ج 23 ص 75
على المأمور الثَّاني؛ فهو أمر له، وإلَّا فلا.
وهذا قويٌ، وهو مستفادٌ من الدَّليل الذي استدلَّ به ابن الحاجب وابنُ دقيق العيد على النَّفي؛ لأنَّه لا يكون متعدِّيًا إلَّا إذا أمر من لا حكم له عليه؛ لئلَّا يصير متصرِّفًا في ملك غيره بغير إذنه، والشَّارع حاكم على الآمر والمأمور، فوجدَ فيه سلطان التَّكليف على الفريقين. ومنه قوله تعالى {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} [طه 132] ، فإنَّ كلَّ أحدٍ يَفْهم منه أَمْرَ الله لأهل بيته بالصَّلاة.
ومثله حديث الباب، فإنَّ عمر رضي الله عنه إنَّما استفتى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ليمتثلَ ما يأمره به ويُلْزِمَ ابنَه به، فمن مثَّل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالطٌ فإنَّ القرينة واضحةٌ في أن عمر رضي الله عنه في هذه الكائنة كان مأمورًا بالتَّبليغ، ولهذا وقع في رواية أيُّوب عن نافع فأمره أن يراجعها، وفي رواية أنس بن سيرين ويونس بن جُبير وطاوس، عن ابن عمر رضي الله عنهما. وفي رواية الزُّهري، عن سالم (( ليراجعها ) )، وفي رواية مسلم (( فراجعها عبد الله كما أمره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ) ). وفي رواية أبي الزُّبير عن ابن عمر (( ليراجعها ) )، وفي رواية اللَّيث، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( فإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا ) ).
وقد اقتضى كلام سليم الرَّازي في «التَّقريب» أنَّه يجبُ على الثَّاني الفعل جزمًا، وإنَّما الخلاف في تسميته أمرًا، فرجع الخلافُ عنده لفظيًا.
وقال الفخر الرَّازيُّ في «المحصول» الحقُّ أنَّ الله تعالى إذا قال لزيد أوجبتُ على عَمرو كذا، وقال لعَمرو كل ما أوجبَ عليك زيدٌ فهو واجبٌ عليك كان الأمر بالأمر بالشَّيء أمرًا بالشَّيء.
قال الحافظُ العسقلاني وهذا يمكن أن يُؤخذ منه التَّفرقة بين الأمرِ الصَّادرِ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ومن غَيره، فمهما أَمَرَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم أحدًا أن يأمرَ به غيرهَ وَجَبَ؛ لأنَّ الله تعالى أوجبَ طاعته، وهو أوجب طاعة أميره، كما ثبت في «الصَّحيح» (( من أطاعني فقد أطاعَ الله، ومن أطاعَ أميري فقد أطاعنِي ) ).
وأمَّا غيره ممَّن بعده فلا،
ج 23 ص 76
وفيهم تظهر صورةُ التَّعدي التي أشار إليها ابن الحاجب.
وقال ابنُ دقيق العيد لا ينبغي أن يترددَ في اقتضاء ذلك الطَّلب، وإنَّما ينبغي أن ينظرَ في أن لوازم صيغة الأمر هل هي لوازم صيغة الأمر بالأمر أو لا؟ بمعنى أنَّهما يستويان في الدَّلالة على الطَّلب من وَجْهٍ واحدٍ أو لا.
قال الحافظُ العسقلاني وهو حسنٌ، فإنَّ أصل المسألة التي ابتنى عليها هذا الخلاف (( مروا أولادكُم بالصَّلاة لسبع ) )فإنَّ الأولادَ ليسوا بمكلَّفين، ولا يتَّجه عليهم الوجوب، وإنَّما الطَّلبُ متوجه على أوليائهم أن يعلموهم ذلك، فهو مطلوبٌ من الأولاد بهذا الطَّريق، وليس مساويًا للأمر الأوَّل، وهذا إنَّما عرض من أمر خارج، وهو امتناعُ توجُّه الأمر على غير المكلَّف، وهو بخلاف القصَّة التي في حديث الباب، والحاصل أنَّ الخطاب إذا توجَّه لِمُكَلَّفٍ أن يأمرَ مُكَلَّفًا آخر بفعلِ شيءٍ كان المُكَلَّفُ الأوَّلُ مُبَلِّغًا محضًا، والثَّاني مأمور من قبل الشَّارع كما هنا، وهذا كقوله لمالك بن الحويرث وأصحابه (( ومروهُم بصلاة كذا في حين كذا ) ). وقوله لرسولِ ابنته صلى الله عيه وسلم (( مرهَا فلتصبرْ ولتحتسبْ ) )ونظائره كثيرة، فإذا أمر الأوَّل الثَّاني بذلك فلم يمتثله كان عاصيًا، وإن توجَّه الخطاب من الشَّارع لمكلف أن يأمرَ غير مكلَّف، أو توجَّه الخطاب من غير الشَّارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمرَ من لا أَمْرَ للأوَّل عليه لم يكن الأمرُ بالأَمْرِ بالشَّيءِ أَمْرًا بالشَّيء.
فالصُّورة الأولى هي التي نشأَ عنها الاختلاف، وهو أمر أولياء الصِّبيان أن يأمروا الصِّبيان.
والصُّورة الثَّانية هي التي يتصوَّر فيها أن يكون الآمر متعدِّيًا بأمره للأوَّل أن يأمر الثَّاني، فهذا أفضل الخطاب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا) بإعادة اللام، ويجوز تسكينها للتَّخفيف إجراء للمنفصل مجرى المتَّصل والكسر على الأصل في لام الأمر فرقًا بينها وبين لام التَّأكيد، والمراد الأمر بالاستمرارِ في عصمتهِ واستدامة الإمساك بها (حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ)
ج 23 ص 77
حيضة أخرى (ثُمَّ تَطْهُرَ) وفي رواية عُبيد الله بن عمر، عن نافع (( ثمَّ ليدعها حتى تطهرَ، ثمَّ تحيضَ حيضةً أخرى، فإذا طهرت فليطلقها ) ). ونحوه في رواية اللَّيث وأيُّوب، عن نافع، وكذا عند مسلم من رواية عبد الله بن دينار، وكذا عندهما من رواية الزُّهري عن سالم، وعند مسلم من رواية محمد بن عبد الرَّحمن عن سالم بلفظ (( مُرْه فليراجعها، ثمَّ ليطلقها طاهرًا أو حاملًا ) ).
قال الشَّافعي غير نافع إنَّما روى (( حتى تطهرَ من الحيضة التي طلَّقها فيها، ثمَّ إن شاء أمسك، وإن شاءَ طلَّق ) )رواه يونس بن جُبير وأنس بن سيرين وسالم.
قال الحافظُ العسقلاني وهو كما قال، لكن رواية الزُّهري، عن سالم موافقة لرواية نافع، وقد نبَّه على ذلك أبو داود، والزِّيادة من الثِّقة مقبولة، ولاسيَّما إذا كان حافظًا، وقد اختلف في الحكمة في ذلك فقال الشَّافعي يحتمل أن يكون أراد بذلك؛ أي بما في رواية نافع، أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهرٍ تامٍّ، ثم حيض تامٍّ ليكون تطليقها وهي تعلمُ عدتها إمَّا بحملٍ أو بحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل، وهو غيرُ جاهل بما صنع، إذ يرغب فيمسك للحمل، أو ليكون إنْ سألت الطَّلاق غير حامل أنْ يكفَّ عنه، وقيل الحكمة فيه أن لا تصير الرَّجعة لغرض الطَّلاق، فإذا أمسكها زمانًا يحلُّ له فيه طلاقها ظهرت فائدة الرجعة؛ لأنَّه قد يطولُ مقامه معها، فقد يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها.
وقيل إنَّ الطُّهر الذي يلي الحيض الذي طلقها فيه كقرءٍ واحدٍ، فلو طلَّقها فيه؛ لكان كمن طلَّق في الحيض، وهو ممتنعٌ من الطَّلاق في الحيض؛ فلزم أن يتأخَّر إلى الطُّهر الثَّاني، واختلف في جواز تطليقها في الطُّهر الذي يلي الحيضة الذي وقع فيها الطَّلاق والرَّجعة، وفيه للشَّافعية وجهان أصحُّهما المنع، وبه قطعَ المتولي، وهو الذي يقتضيهِ ظاهر هذه الزِّيادة التي في الحديث، وعبارة الغزالي في «الوسيط» وتبعَه مُحَلِّي هل يجوز أن يطلِّق في هذا الطُّهر؟ وجهان، وكلام المالكيَّة يقتضي أن التَّأخير مستحب.
وقال ابن تيمية
ج 23 ص 78
في «المحرر» ولا يطلِّقها في الطُّهر المتعقب له فإنَّه بدعة، وعنه _ أي عن أحمد _ جواز ذلك، وفي كتب الحنفيَّة عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع.
ووجه الجواز أنَّ التَّحريم لما كان لأجل الحيض فإذا طهرتْ زال موجب التَّحريم، فجاز طلاقها في هذا الطُّهر كما يجوز في الطُّهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطُّهر إن لم يتقدم طلاق في الحيض.
وقد ذكرنا حِجَجَ المانعين، ومنها أنَّه لو طلَّقها عقب تلك الحيضة كأن قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنَّها شرعت لإيواء المرأة، ولهذا سمَّاه إمساكًا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلِّق فيه حتى تحيضَ حيضة أخرى، ثم تطهر؛ لتكون الرَّجعة للإمساك لا للطَّلاق.
ويؤيد ذلك أنَّ الشَّارع أكَّد هذا المعنى حيث أمر بأن يمسكها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقها فيه لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر (( مره أن يُراجعها، فإذا طهرت مسها حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلَّقها، وإن شاء أمسكها ) )، فإذا كان قد أمره بأن يمسها في ذلك الطُّهر، فكيف يبيح له أن يطلِّقها فيه، وقد ثبت النَّهي عن الطَّلاق في طهر جامعها فيه.
(ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ) أي بعد الطُّهر من الحيض الثَّاني (وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ) أي قبل أن يجامعها. وفي رواية أيُّوب (( ثمَّ يطلَّقها قبل أن يمسَّها ) )، وفي رواية عبيد الله بن عمر (( فإذا طهرت فليطلِّقها قبل أن يجامعها أو يمسكها ) )ونحوه في رواية اللَّيث. وفي رواية الزُّهري عن سالم (( فإنَّ بدا له أن يطلِّقها فليطلِّقها طاهرًا قبل أن يمسَّها ) )، وفي رواية محمد بن عبد الرَّحمن عن سالم (( ثمَّ ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا ) ). وتمسَّك بهذه الزِّيادة من استثنى من تحريم الطَّلاق في طهر جامع فيه ما إذا ظهر الحمل فإنَّه لا يحرم.
والحكمة فيه أنَّه إذا ظهر الحمل فقد أقدمَ على ذلك على بصيرة، فلا يندمُ على الطَّلاق، وأيضًا فإنَّ زمن الحمل زمن الرَّغبة في الوطء فإقدامه على الطَّلاق
ج 23 ص 79
فيه يدلُّ على رغبته عنها، ومحلُّ ذلك أن يكون الحَمْل من المطلِّق فلو كان من غيره بأن نكحَ حاملًا من زنا ووطئها، ثمَّ طلَّقها، أو وطئت منكوحة بشبهة، ثمَّ حملت منه، فطلَّقها زوجها فإنَّ الطَّلاق يكون بدعيًا؛ لأنَّ عدَّة الطَّلاق تقعُ بعد وضع الحمل والنَّقاء من النِّفاس، فلا يشرع عقب الطَّلاق في العدَّة كما في الحامل منه.
قال الخطَّابي في قوله (( ثمَّ إن شاء أمسك، وإن شاء طلَّق ) )دليلٌ على أنَّ من قال لزوجته وهي حائض إذا طهرتِ فأنتِ طالقٌ لا يكون مطلِّقًا للسُّنة؛ لأنَّ المطلِّق للسُّنة هو الذي يكون مُخَيَّرًا عند وقوع طلاقه بين إيقاع الطَّلاق وتركه.
واستدلَّ بقوله (( قبل أن يمسَّ ) )على أنَّ الطَّلاق في طهرٍ جامع فيه حرام، وبه صرَّح الجمهور فلو طلَّق هل يجبر على الرَّجعة كما يجبرُ عليها إذا طلَّقها وهي حائضٌ؟ طَرَدَه بعضُ المالكية فيهما، والمشهور عنهم إجباره في الحائضِ دون الطَّاهر.
وقالوا فيما إذا طلقها وهي حائض يجبر على الرَّجعة فإن امتنعَ أَدَّبَه الحاكمُ فإن أصرَّ ارتجع الحاكم عليه، وهل يجوزُ له وطؤها بذلك؟ روايتان لهم أصحهما الجواز، وعن داود يجبرُ على الرَّجعة إذا طلَّقها حائضًا، ولا يجبر إذا طلَّقها نفساء، وهو جمود، ووقع في رواية مسلم من طريق محمد بن عبد الرَّحمن مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( ثمَّ ليطلِّقها طاهرًا، أو حاملًا ) ). وفي روايته من طريق ابن أخي الزُّهري عن الزُّهري (( فإن بدا له أن يطلِّقها فليطلِّقها طاهرًا من حيضها ) ).
واختلفَ الفقهاء في المراد بقوله (( طاهرًا ) )هل المراد به انقطاعُ الدَّم، أو التَّطهر بالغسل على قولين، وهما روايتان عن أحمد، والرَّاجح الثَّاني؛ لما أخرجه النَّسائي من طريق مُعتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع في هذه القصَّة قال (( مرَّ عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسَّها حتى يطلِّقها، وإن شاء أن يُمْسِكَها فليمسكْها ) )، وهذا تفسير لقوله (( فإذا طهرت ) )فليُحْمَل عليه.
ويتفرع من هذا أنَّ العدَّة هل تنقضِي
ج 23 ص 80
بانقطاع الدَّم وترتفع الرَّجعة، أو لا بدَّ من الاغتسال فيه خلاف أيضًا، والحاصل أنَّ الأحكام المترتبة على الحيض نوعان
الأوَّل يزول بانقطاع الدَّم كصحَّة الغسل والصَّوم وترتب الصَّلاة في الذِّمَّة.
والثَّاني لا يزول إلَّا بالغسل كصحة الصَّلاة والطَّواف وجواز اللبْثِ في المسجد فهل يكون الطَّلاق من النَّوع الأوَّل، أو من الثَّاني.
وتمسك بقوله (( ثمَّ ليطلِّقها طاهرًا أو حاملًا ) )من ذهب إلى أنَّ طلاق الحامل سني، وهو قول الجمهور. وعن أحمد رواية أنَّه ليس بسني ولا بدعي.
(فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ) أي أَذِنَ (أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) أي بقوله تعالى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق 1] . وصرَّح مَعْمَر في روايته عن أيُّوب، عن نافع بأنَّ هذا الكلام عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي الزُّبير عند مسلم قال ابن عمر وقرأ النَّبي صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق 1] الآية. واستدَّل به من ذهب إلى أنَّ الأَقراءَ الأطهارُ للأمر بطلاقها في الطُّهر. وقوله {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق 1] أي وقت عدتهنَّ، وقد جعل للمطلَّقة تربُّص ثلاثة قُروء، فلمَّا نهى عن الطَّلاق في الحيض، وقال إنَّ الطَّلاق في الطُّهر هو الطَّلاق المأذون فيه عُلِمَ أنَّ الأقراءَ الأطهارُ، قاله ابن عبد البر، ومنع الحنفيَّة ذلك فقالوا إنَّ اللام هنا للاستقبال، كما في قولهم تأهب للشتاء، وكما في قولهم لثلاث بقين من الشَّهر؛ أي مستقبلًا لثلاث.
وقال الزَّمخشري في قوله تعالى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق 1] يعني مستقبلات لعدتهنَّ، ثمَّ اعلم أنَّ الطَّلاقَ على ما ذهب إليه الشَّافعيُّ على ثلاثة أنواع واجب، ومستحب، ومكروه، ومباح، أمَّا الواجب ففي الإيلاء على المولى؛ لأنَّ المدَّة إذا نقضتْ وجب عليه الفيئة، وأمَّا عند الحنفيَّة فيقع الطَّلاق بانقضاء مدَّة الإيلاء، أو الطَّلاق، أو الشِّقاق على الحكمين إن لم يمكن الإصلاح بينهما.
وأمَّا المستحب فعند خوف تقصيره في حقِّها لبغض أو غيره، بأن تكون سيئة الخلق، أو بأن لا تكون عفيفة؛ لحديث
ج 23 ص 81
الرَّجل الذي قال يا رسول الله، إن امرأتي لا تردُّ يد لامسٍ، فقال صلى الله عليه وسلم (( طلِّقها ) )، والأمر للاستحباب يدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له أحبُّها (( أمسكها ) ).
وألحق به ابن الرِّفعة طلاقَ الوَلَدِ إذا أمره به والده؛ لحديث الأربعة، وصحَّحه التِّرمذي، وابن حبَّان أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما قال كان تحتي امرأة أحبها، وكان عمر رضي الله عنه يكرهها، فقال طلِّقها، فأتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( أطعْ أباك ) )، وأمَّا المكروه فعندَ سلامة الحال؛ لحديث (( ليس شيءٌ من الحلالِ أبغضُ إلى الله من الطَّلاق ) ).
وأمَّا المباح فطلاقُ من أُلِقْيَ إليه عدمُ اشتهائها بحيث يعجز أو يَتَضرَّر بإكراهه نفسَه على جِمَاعِها، فهذا إذا وقع فإن كان قادرًا على طَولِ غيرِها مع استبقائها، ورضيت بإقامتها في عصمتهِ بلا وطءٍ، أو بلا قَسْم فيُكره طلاقه، كما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين سَوْدة، وإن لم يكن قادرًا على طولهما، أو لم ترض هي بترك حقِّها فهو مباحٌ؛ لأنَّ مقلِّبَ القلوبِ ربُّ العالمين، وقد مرَّ ما يتعلَّق بذلك في أوائل الباب، وقد استنبطَ من هذا الحديث أحكام
منها أنَّ الطَّلاق في الحيض مُحَرَّم، ولكنَّه واقع، وذكر القاضي عياض عن البعض أنَّه لا يقع، وهو قول الظَّاهرية، وروي مثل ذلك عن بعضِ التَّابعين، وهو شذوذٌ لم يعرج عليه أصلًا، ومنها أنَّ الأمر فيه بالرَّجعة على الوجوب، وأنَّ طلاق السُّنة أن يكون في طهر، وقد مرَّ تفصيلهما، ومنها أنَّ في قوله (( فليراجعها ) )دليلًا على أنَّ الطَّلاقَ غيرَ البائن لا يحتاجُ إلى رضى المرأة، ومنها أنَّ فيه دليلًا على أنَّ الرَّجعة تصحُّ بالقول، ولا خلاف فيه، وأمَّا بالفعل ففيه خلاف؛ فأبو حنيفة أثبته، والشَّافعي نفاه.
ومنها أنَّه استدلَّ به أبو حنيفة أنَّ من طلَّق امرأته وهي حائضٌ أثم، وينبغي له أن يُراجعها فإن تركها حتى مضت العدَّة بانت منه بطلاق.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلم في الطَّلاق، وكذا أبو داود، والنَّسائي فيه.
ج 23 ص 82