فهرس الكتاب

الصفحة 7805 من 11127

5252 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ) هو أخو محمد بن سيرين، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) آمنة (وَهْيَ) أي والحال أنَّها (حَائِضٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ سقط قوله ، وفي نسخة (فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي ذلك (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِيُرَاجِعْهَا) إلى عصمته من الطَّلقة التي أوقعها بالصِّفة المذكورة، وفيه دليل على وقوع الطَّلاق في الحيض (قَلْتُ) القائل أنس بن سيرين، والمقول له ابن عمر رضي الله عنهما بين ذلك أحمد في روايته، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، وكذا أخرجه مسلم من طريق محمد بن جعفر (تُحْتَسَبُ) على البناء للمفعول؛ أي أتحتسب طلقة من عدد الطَّلقات.

(قَالَ) أي ابن عمر رضي الله عنهما (فَمَهْ) أصله فما للاستفهام، وأبدل الألف هاء؛ أي فما يكون إن لم أحتسب طلقة، ويحتمل أن تكون كلمة (( مه ) )للكفِّ والزَّجر عنه؛ أي انزجر عنه؛ فإنَّه لا شك في وقوعِ الطَّلاق وكونهِ محسوبًا من عَدَدِ الطَّلاق.

وقال عبدُ الحقِّ روى ابن وهب عن ابن أبي ذئب أنَّ نافعًا أخبره عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه طلَّق امرأته

ج 23 ص 83

وهي حائضٌ، فسأل عمر رضي الله عنه عن ذلك فقال (( مُره فليراجعْها، ثمَّ يمسكها ) )الحديث وفي آخره (( وهي واحدة ) )، وكذلك ذكره الدَّارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( هي واحدة ) )، وبهذا رَدَّ عبدُ الحقِّ على ابنِ حزم في قوله إنَّه لا يحتسب من الطَّلاق قال فهذا نصٌّ في موضع الخلاف، وليس فيما تقدَّم من الكلام شيء يصلحُ أن يعود عليه الضَّمير إلَّا الطَّلاق المتقدِّم، وقال ابن حزم لعلَّ قوله (( وهي واحدة ) )ليس من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم. قال عبدُ الحق كيف يكون هذا وفي الحديث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن حزم أو يكون معنى قوله (( وهي واحدة ) )أي واحدةٌ أخطأ فيها ابن عمر، أو قضية واحدة لازمة لكل مطلِّق. قال عبدُ الحق ويكفي في هذا التَّأويل سماعه، ولو فعل هذا غيرُه لقامَ وقَعَدَ، وسيأتي بقيَّةُ الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلم في الطَّلاق أيضًا.

(وَعَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، هو معطوف على قوله عن أنس بن سيرين، فهو موصول من رواية شعبة عن قتادة (عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة وفي آخره راء على صيغة التَّصغير، أبي غَلَّاب _ بفتح الغين المعجمة وتشديد اللام وبالموحدة _ الباهلي البصري، مات قبل أنس وأوصى أن يُصَلِّيَ عليه أنس رضي الله عنه (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما أنَّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه (مُرْهُ) أي مر ابْنَكَ (فَلْيُرَاجِعْهَا) أي امرأته التي طلَّقها في الحيض (قَلْتُ) أي لابن عمر رضي الله عنهما القائل يونس بن جُبير (تُحْتَسَبُ) بضم أوَّله على البناء للمفعول؛ أي أتحتسب الطَّلقة (قَالَ أَرَأَيْتَ) هكذا في رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية غيره أي أخبرني (إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ) وقد اختصره البُخاريُّ اكتفاءً بسياق أنس بن سيرين.

وقد ساقه مسلم حيث أفردَه ولفظه سمعتُ ابن عمر يقول طلَّقْتُ امرأتي وهي حائضٌ، فأتى عمرُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال (( ليراجعْها، فإذا طهرتْ فإن شاء فليطلِّقها ) )قال قلت لابن عمر أفيحتسبُ بها؟ قال (( ما يمنعه، أرأيت إن عَجَزَ واستَحْمقَ ) )أي أَيُسْقِطُ عجزه وحمقه حكمَ الطَّلاق الذي أَوْقَعَه في الحيض، وهذا من المحذوفِ الجَوابِ الذي يَدُلُّ عليه الفَحْوَى.

وقال النَّووي

ج 23 ص 84

أفيرتفعُ عنه الطَّلاق وإن عجزَ واستحمقَ، وهو استفهام إنكار، وتقديره نعم يحتسب، ولا يمنع احتسابها لعجزه وحماقته، والقائل لهذا الكلام هو ابنُ عمر رضي الله عنهما صاحب القصَّة، ويريد به نفسه، وإن أعاد الضَّمير بلفظ الغيبة.

وقد جاء في رواية مسلم «أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما قال ما لي لا أعتدُّ بها، وإن كنت عَجَزتُ واستَحْمَقْتُ» .

وقال القاضي أي إن عَجَز عن الرَّجعة، وفَعَلَ فِعْلَ الأحْمَقِ، وقال الكِرمانيُّ يحتمل أن تكون كلمة أن نافية؛ أي ما عجز ابن عمر وما استحمقَ، يعني ليس طفلًا، ولا مجنونًا، حتى لا يقع طلاقه، والعجزُ لَازِمُ الطِّفلِ، والحُمْقُ لازم الجنون، وهو من إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم، وأن تكون مخففة من الثَّقيلة، ولو صحَّت الرِّواية بالفتح فالمعنى أظهر.

وقال ابنُ الخشَّاب التاءُ في استحمقَ مفتوحةٌ، والمعنى فعل فعلًا يصيرُ به أحمق عاجزًا فيُسْقِط عنه عجزُه أو حُمقه حكمَ الطَّلاق، وهذه المادة أعني مادة الاستفعال إشارة إلى أنَّه تكلَّف الحمق بما فعله من تطليق امرأته وهي حائض.

قيل قد وقع في بعضِ الأصول بضم التَّاء أعني على صيغة المجهول؛ أي إن النَّاسَ استحمقوه بما فَعَلَ.

وقال المهلَّب معنى قوله إن عجزَ واستحمقَ، يعني عجز في المراجعة التي أُمِرَ بها عن إيقاع الطَّلاق، أو فقد عقلَه، فلم يمكن منه الرَّجعة أتبقى المرأة معلَّقة لا ذات بعلٍ، ولا مطلَّقة، وقد نهى الله عزَّ وجلَّ عن ذلك، فلا بدَّ من أن يحتسبَ بتلك التَّطليقة التي أوقعها على غير وجهها، كما أنَّه لو عجز عن فرض آخر لله فلم يُقِمْه واسْتَحْمَقَ، فلم يأت به أيكون ذلك عذرًا له، ويسقط عنه.

5253 - (وَقَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين عبد الله بن عَمرو المِنْقَري البصري المُقَعد، وهو ظاهر كلام أبي نُعيم في «المستخرج» ، وللباقين (( وقال أبو نُعيم ) )كما هنا، وبه جزم الإسماعيليُّ، وسقط هذا الحديث من رواية النَّسفي أصلًا، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيد، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو السَّختياني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ حُسِبَتْ) بضم الحاء على البناء للمفعول (عَلَيَّ) بتشديد الياء (بِتَطْلِيقَةٍ) وأخرج هذا المُعَلَّق أبو نُعيم من طريق عبد الصَّمد بن عبد الوارث، عن أبيه مثل

ج 23 ص 85

ما أخرجه البُخاري مختصرًا، وزاد؛ يعني حين طلَّق امرأته فسأل عمرُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

قال النَّووي شذَّ بعضُ أهل الظَّاهر، فقال إذا طلَّق الحائض لم يقع الطَّلاق؛ لأنَّه غير مأذون فيه، فأشبه طلاقَ الأجنبية، وحكاه الخطَّابي عن الخوارج والرَّوافض.

وقال ابنُ عبد البر لا يخالفُ في ذلك إلَّا أهلُ الِبدَع والضَّلال؛ يعني الآن. قال وروي مِثْلُه عن بعض التَّابعين، وهو شاذٌّ.

وقد حكاه ابنُ العربيِّ وغيرُه عن ابن عليَّة؛ يعني إبراهيم بن إسماعيل بن عليَّة الذي قال الشَّافعي في حقِّه إبراهيم ضالٌّ جالسٌ في باب الضَّوال يضل النَّاس، وكان بمصر وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة.

وقد غلط فيه من ظنَّ أنَّ المنقولَ عنه المسائل الشَّاذة أبوه، وحاشاه فإنَّه من كِبارِ أهل السُّنة. وكأنَّ النَّوويَّ أراد ببعضِ الظَّاهرية ابنَ حزم فإنَّه ممَّن جزم القول بذلك، وانتصرَ له وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر رضي الله عنهما بالمراجعة بأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان اجتنبها فأُمِرَ أن يُعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحَمَلَ المراجعةَ على معناها اللُّغوي. وتُعُقِّبَ بأنَّ الحَمْلَ على الحقيقة الشَّرعية مقدَّم على اللُّغويةِ اتِّفاقًا.

وأجاب عن قول ابن عمر حسبت عليه بتطليقة بأنَّه لم يصرِّح فيه من هو الذي حَسَبها عليه، ولا حجَّة في أحدٍ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأُجيب بأنَّ هذا مثل قول الصَّحابي أُمِرْنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، فإنَّه ينصرف إلى من له الأمر حينئذٍ، وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، كذا قيل.

وقال الحافظُ العسقلاني وعندي أنَّه لا ينبغِي أن يجيءَ فيه الخلاف الذي في قول الصَّحابي أمرنا بكذا، فإنَّ ذاك محله حيث يكون اطلاع النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ليس صريحًا. وليس كذلك في قصَّة ابن عمر رضي الله عنهما، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعلُ إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبرَ ابنُ عمر رضي الله عنهما

ج 23 ص 86

الذي وقع منه حُسِبَ عليه بتطليقة، كان احتمال أن يكون الذي حَسَبها عليه غير النَّبي صلى الله عليه وسلم بعيدًا جدًا مع احتفاف القرائن في هذه القصَّة بذلك.

وكيف يُتَخَيَّل أنَّ ابنَ عمر يفعل في القصَّة شيئًا برأيه، وهو ينقلُ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم تغيَّظ عليه من صنعه، وكيف لم يشاوره فيما يفعل في القصَّة المذكورة.

وقد أخرج ابنُ وهب في «مسنده» عن ابن أبي ذئب أن نافعًا أخبره أنَّ ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فسأل عمرُ رضي الله عنه رسولَ الله صلى عليه وسلم عن ذلك، فقال (( مرهُ فليراجعْها، ثمَّ يمسكها حتى تطهرَ ) ). قال ابنُ أبي ذئب في الحديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( وهي واحدة ) ). وقال ابنُ أبي ذئب وحدَّثني حنظلةُ بن أبي سفيان سَمِعَ سالمًا يحدِّث عن أبيه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

وأخرجه الدَّارقطني من طريق يزيد بن هارون، عن ابنِ أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبي صلى اله عليه وسلم قال (( هي واحدة ) )، وهذا نصٌّ في موضع النِّزاع، فيجب المصير إليه.

وقد سبق أنَّ عبدَ الحقِّ أورد ذلك على ابنِ حزم فأجاب بأن قوله (( هي واحدة ) )لعلَّه ليسَ من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبغير هذا ممَّا سبق في شرح حديث أنس بن سيرين [خ¦5252] ؛ فألزمه بأن نَقَضَ أَصْلَه، فإنَّ أصْلَه أنْ لا يُدْفَعَ الظَّاهرُ بالاحتمال.

وعند الدَّارقطني في رواية شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر رضي الله عنهما في القصَّة فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله، أفيُحْتَسَبُ بتلك التَّطليقة؟ قال (( نعم ) )، ورجاله إلى شعبة ثقاتٌ. وعنده من طريق سعيد بن عبد الرَّحمن الجُمحي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر «أنَّ رجلًا قال إنِّي طلَّقت امرأتي البتَّة وهي حائضٌ، فقال عصيتَ ربَّك، وفارقت امرأتك، قال فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ ابنَ عمر أن يراجعَ امرأته بطلاق بَقِي له، وأنت لم تُبِقْ ما ترتجع به امرأتك» .

وفي هذا السِّياق ردٌّ على من حَمَلَ الرَّجعةَ في قصَّة ابن عمر رضي الله عنهما

ج 23 ص 87

على المعنى اللُّغوي. وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخرين شيخ الإسلام ابنُ تيمية، وله كلامٌ طويل في تقرير ذلك، والانتصار له.

وقد ذَكَرَنا بعضًا من كَلام الحافظُ العسقلاني في «فتح الباري» فمن أرادَ الزيادة فليطالع ثمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت