فهرس الكتاب

الصفحة 786 من 11127

472 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (ابْنُ الْمُفَضَّلِ) على صيغة المفعول من التفضيل، وقد مر في باب «قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( رب مبلغ أوعى ... ) [خ¦67] .

(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير، هو ابن عمر العمري، وقد مر في باب «الصلاة في مواضع الإبل» [خ¦430] (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، ورواة هذا الإسناد ما بين بصري ومدني، وقد أخرج متنه البخاري في هذا الكتاب من ثلاثة طرق [خ¦473] [خ¦990] [خ¦993] ، وأخرجه الطحاوي في (( معاني الآثار ) ).

(قَالَ) أي أنه قال (سَأَلَ رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا تَرَى) يحتمل أن يكون من الرأي؛ أي ما رأيك، وأن يكون من الرؤية التي بمعنى العلم والمراد لازمه؛ أي ما حكمك، إذ العالِم يحكم بما عَلِم شرعًا.

(فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَثْنَى مَثْنَى) أي صلاة الليل مثنى مثنى، فالمبتدأ محذوف؛ أي اثنين اثنين وهو غير منصرف للعدل والوصف (فَإِذَا خَشِيَ) أي أحدُكُم؛ كما في رواية، [خ¦990] أو المصلي (الصُّبْحَ صَلَّى) ركعة (وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ) أي تلك الواحدة (لَهُ) أي للمصلي (مَا صَلَّى وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لأنها جملة استئنافية؛ أي وإن ابن عمر رضي الله عنهما. (كَانَ يَقُولُ اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ وِتْرًا) وفي رواية(فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 3 ص 343

أَمَرَ بِهِ)أي بالجعل أو بالوتر.

ومطابقة هذا الحديث والحديث الذي بعده للجزء الثاني من الترجمة ظاهر؛ لأن كون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر يدل على كون جماعة مسلمين جالسين في المسجد، ومنهم الرجل الذي سأله عن صلاة الليل.

وأما للجزء الأول فمن حيث أنه شَبَّه جلوس الرجال في المسجد حول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يخطب بالتحلق والجلوس في المسجد للعلم.

هذا؛ ومن فوائد هذا الحديث جواز الحلق في المسجد للعلم والذكر وقراءة القرآن ونحو ذلك وقد عُقِد الباب لهذا، فإن قيل روى مسلم من حديث جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه قال دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد وهم حِلَق فقال (( ما لي أراكم عِزِين ) )فهذا يعارض ذلك.

فالجواب أن تحلقهم هذا كان لغير فائدة ولا منفعة بخلاف تحلقهم في ذلك؛ لأنه كان لسماع العلم والتعلم فلا معارضة.

ومنها أن الخطيب إذا سُئل عن أمر الدين له أن يجاوب من سأله ولا يضر ذلك خطبته، ومنها أن صلاة الليل ركعتان.

وقد اختلف العلماء في النوافل فقال مالك والشافعي وأحمد السنة أن يكون مثنى مثنى ليلًا ونهارًا.

وقال أبو حنيفة رحمه الله الأفضل الأربع ليلًا ونهارًا.

وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الأفضل بالليل ركعتان، وبالنهار أربع.

واحتج أبو حنيفة رحمه الله في صلاة الليل بما رواه أبو داود في (( سننه ) )من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سُئِلت عن صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جوف الليل فقالت كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله فيركع أربع ركعات ثم يأوي إلى فراشه، الحديثَ بطوله، وفي آخره حتى قُبِض على ذلك.

واحتجَّ في صلاة النهار بما رواه مسلم من حديث معاذة أنها سألت عائشة رضي الله عنها كم كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي الضحى؟ قالت أربع ركعات يزيد ما شاء.

ورواه أبو يعلى في (( مسنده ) )وفيه لا يَفْصلُ بينهن بسلام.

فإن قيل روى الأربعة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ) ).

فالجواب أنه لما رواه الترمذي سكت عنه، وقال اختلف أصحاب شعبة فيه، فرفعه بعضهم ووقفه بعضهم، ورواه الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يذكر فيه صلاة النهار.

وقال النسائي هذا الحديث

ج 3 ص 344

عندي خطأ.

وقال في (( سننه الكبرى ) )إسناده جيد إلا أن جماعة من أصحاب ابن عمر خالفوا الأزدي فيه فلم يذكروا فيه النهار منهم سالم ونافع وطاوس، والحديث في (( الصحيحين ) ) [خ¦990] [خ¦993] [خ¦743] من حديث جماعة عن ابن عمر وليس فيه ذكر النهار.

وروى الطحاوي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يصلي بالليل وبالنهار أربعًا، ثم قال فمحال أن يروي ابن عمر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئًا، ثم يخالف ذلك، فعُلِم بذلك أنه كان ما روي عنه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضعيفًا أو كان موقوفًا غير مرفوع.

فإن قيل روى الحافظ أبو نُعيم في (( تاريخ أصفهان ) )عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ) )، وروى إبراهيم الحربي في (( غريب الحديث ) )عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( صلاة الليل والنهار مثنى ) ).

فالجواب أن الذي رواه البخاري ومسلم أصح منهما وأقوى وأثبت، وعلى تقدير التسليم نقول معناه شفعًا لا وترًا بسبيل إطلاق الملزوم على اللازم مجازًا جمعًا بين الأدلة.

ومنها أن قوله فإذا خشي الصبح صلى واحدة احتج به من يقول إنَّ الوتر ركعة واحدة.

واحتجوا أيضًا بما رواه مسلم من حديث ابن مِجْلَز قال سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يحدث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( الوتر ركعة من آخر الليل ) )وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق، وداود، وهم جعلوا هذا الحديث أصلًا في الإيتار بركعة إلا أن مالكًا قال ولا بد وأن يكون قبلها شفع ليسلم في الحضر والسفر، وعنه لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة، وكذا فعله سحنون في مرضه.

وقال ابن العربي الركعة الواحدة لم تشرع إلا في الوتر، وفعله أبو بكر وعمر، وروي عن عثمان وسعد بن أبي وقاص وابن عباس ومعاوية وأبي موسى وابن الزبير وعائشة رضي الله عنهم.

وقال عمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية والحسن بن حَيّ وابن المبارك الوتر ثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن؛ كصلاة المغرب.

وقال أبو عمر يروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأُبَي بن كعب وزيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبي أُمَامة وحذيفة رضي الله عنهم والفقهاء السبعة.

وأجابوا عما احتجت به أهل المقالةِ الأولى من الحديث

ج 3 ص 345

المذكور ونحوه في هذا الباب بأن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( الوتر ركعة من آخر الليل ) )يحتمل ما ذهبوا إليه، ويحتمل أن يكون ركعة مع شفعٍ تَقَدَمها وذلك كله وتر فتكون تلك الركعة تُوتِرُ الشَّفْعَ المتقدم.

وقد بيَّن ذلك آخر حديث الباب الذي احتج به هؤلاء وهو قوله فأوترت له ما صلى، وكذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الثاني في هذا الباب (( فأَوتِرْ بواحدة تُوْتِر لك ما صليت ) ) [خ¦473] وآخر حديثهم حجة عليهم.

وروى الترمذي في (( جامعه ) )عن علي رضي الله عنه (( أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوتر بثلاث ... ) )الحديثَ، وروى الحاكم في (( مستدركه ) )عن عائشة رضي الله عنها قالت (( كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن ) )، وروى النسائي والبيهقي من رواية سعد بن أبي عَرُوبة عن قتادة عن زُرَارة عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها قالت (( كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُسلِّم في ركعتي الوتر ) ).

وقال الحاكم لا يسلم في الركعتين الأوليين من الوتر، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه.

وروى الإمام أبو محمد بن نصر المروزي من حديث عِمران بن حُصَين (( أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوتر بثلاث ) )الحديثَ.

وروى مسلم وأبو داود من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أنه رَقَد عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر الحديث وفيه (( ثم أوتر بثلاث ) )، وروى النسائي من رواية يحيى بن الجزار عن ابن عباس قال (( كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي من الليل ويوتر بثلاث ) )، وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن أَبْزى عن أُبَي بن كعب رضي الله عنه (( أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوتر بثلاث ركعات ) ).

وروى ابن ماجه من رواية الشعبي قال سألت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالا ثلاث عشرة، منها ثمان بالليل ويوتر بثلاث وركعتان بعد الفجر.

وروى الدارقطني في (( سننه ) )من حديث عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( وِتْر الليل كِوتر النهار صلاةِ المغرب ) ).

وروى محمد بن نصر المروزي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (( أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوتر بثلاث ) ).

وروي أيضًا من حديث عبد الرحمن بن أبزى

ج 3 ص 346

عن أبيه (( أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوتر بثلاث ) ).

وروى ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )قال حدثنا حفص عن عمرو عن الحسن أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يُسلِّم إلا في أُخرَاهن.

فإن قيل روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لا توتروا بثلاث وأوتروا بخمس أو بسبع ولا تَشبَّهوا بصلاة المغرب ) ).

فالجواب أنه روي هذا موقوفًا على أبي هريرة كما روي مرفوعًا، ومع هذا هو مُعَارض بحديث عائشة وعلي ومن ذكر معهما من الصحابة رضي الله عنهم، وأيضًا إن قوله لا توتروا بثلاث يحتمل كراهة الوتر من غير تطوع قبله من الشفع، ويكون المعنى لا توتروا بثلاث ركعات وحدها من غير أن يتقدمها شيء من التطوع الشفع، بل أوتروا هذه الثلاث مع شفعٍ قبلها ليكون خمسًا. وإليه أشار بقوله (أوتروا بخمس) ، أو أوتروا هذه الثلاث مع شفعين قبلها ليكون سبعًا. وإليه أشار بقوله (أو بسبع) أي أوتروا بسبع ركعات أربع تطوع وثلاث وتر، ولا تفردوا هذه الثلاثة كصلاة المغرب ليس قبلها شيء. وأشار إليها بقوله (ولا تشبهوا بصلاة المغرب) ومعناه لا تشبهوه بالمغرب في كونها منفردة عن تطوع قبلها، وليس معناه ولا تشبهوا بصلاة المغرب في كونها ثلاث ركعات، والنهي ليس بوارد على تشبيه الذات بالذات، وإنما هو وارد على تشبيه الصفة بالصفة، ومع هذا فيما ذكره نفي أن تكون الركعة الواحدة وترًا؛ لأنه أَمَرَ بالإيتار بخمس أو بسبع ليس إلا.

ثم إن قوله (اجعلوا آخر صلاتكم. ... إلى آخره) يقتضي الوجوب لظاهر الأمر به، ولكنه مستحب في حق من لا يغلبه النوم فإن كان يغلبه وهو لا يثق بالانتباه أوتر قبله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت