5309 - (حَدَّثَنَا) وفي بعض النُّسخ بالإفراد (يَحْيَى) هو ابنُ جعفر البِيْكَندي، وقال الكرمانيُّ هو إمَّا ابن موسى الخَتِّي، بفتح المعجمة وتشديد المثناة الفوقية، وإمَّا ابن جعفر البُخاري، بالموحَّدة والمعجمة. وقد جَزَمَ الحافظُ العسقلاني بأنَّه هو ابنُ جعفر، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، قال (أَخْبَرَنَا) وفي بعض النُّسخ (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همَّام الصَّنعاني، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري (عَنِ الْمُلاَعَنَةِ) بفتح العين (وَعَنِ السُّنَّةِ فِيهَا، عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ) بكسر المهملة الوسطانية، والغرض منه أنَّه ساعدي، وهو في الأنصار في الخزرج، يُنْسَبُ إلى ساعدة بن كعب بن الخزرج. وقال ابنُ دريد ساعدة، اسم من أسماء الأسد (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) اسمه عويمر العجلاني، حليف بني عَمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. وقيل هو هلال بن أميَّة، فقد وقع عند الطَّبري في أوَّل الإسناد زيادة، فإنَّه أخرج من طريق حجَّاج بن محمد، عن ابن جُريج، عن عكرمة، في هذه الآية {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور 6] نزلت في هلال بن أميَّة، فذكره مختصرًا.
قال ابن جُريج وأخبرني ابنُ شهاب، فذكره، فكأنَّ ابنَ جُريج أشار إلى الاختلاف في الذي نزل ذلك فيه.
(جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ يا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا) أي أخبرني عن حكم رجل (وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) يزني بها (أَيَقْتُلُهُ) فتقتلونه قصاصًا؛ لتقدُّم علمه بحكمِ القصاص من عموم قوله {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة 45] .
وقد اختُلِفَ فيمن وَجَدَ مع امرأته رجلًا فتحقَّق الأمر هل يقتلُه؟ فالجمهورُ على المنع، والقصاص منه إلَّا إن أتى ببينة على الزِّنى، أو على المقتول بالاعتراف، أو اعتراف ورثتُه، فلا يقتل قاتله إذا كان الزَّاني محصنًا.
(أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ) على البناء للفاعل، ويروى على البناء للمفعول؛ أي أيَّ شيءٍ يفعل،
ج 23 ص 272
فكيف مفعول يفعل كقوله تعالى {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} [الفجر 6] ، إذ معناه أيَّ فِعْلٍ فَعَلَ ربُّك؟ ولا يتَّجه فيه أن يكون حالًا من الفاعل. وعن سيبويه أن كيف ظرف. وعن السِّيرافي والأخفش أنَّها اسمٌ غيرُ ظرف، وبنوَا على هذا الخلاف أمورًا
أحدها أنَّ موضعها عند سيبويه نصب دائمًا، وعندهما رفع مع المبتدأ، ونصب مع غيره.
الثَّاني أنَّ تقديرها عند سيبويه في أيِّ حال، أو على أيِّ حال، وعندهما تقديرها في كيف زيد؟ أصحيح زيد؟ ونحوه، وفي نحو كيف جاء زيدٌ أراكبًا جاء زيد ونحوه.
الثَّالث أنَّ الجواب المطابق عند سيبويه، أن يُقال على خير ونحوه. وقال ابنُ مالك ما معناه لم يقل أحد أن كيف ظرف، إذ ليست زمانًا، ولا مكانًا، ولكنَّها لما كانت تُفَسَّرُ بقولك على أيِّ حال؛ لكونها سؤالًا عن الأحوال العامَّة سُمِّيت ظرفًا؛ لأنَّها في تأويل الجار والمجرور، واسم الظَّرف يطلق عليه مجازًا، كذا في المعنى.
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ مَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهني (مِنْ أَمْرِ الْمُتَلاَعِنَيْنِ) وهو قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} [النور 6] إلى آخر الآيات (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَضَى اللَّهُ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ) خولة بنت قيس بما أنزله في قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور 6] .
(قَالَ) أي سهل رضي الله عنه (فَتَلاَعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ) يقال فيه دلالة على أنَّه ينبغي لكل حاكم من حكام المسلمين أنَّ كلَّ من أراد استحلافه على عظيمٍ من الأمر كالقسامة على الدَّم، وعلى المال ذي القدر والخطرِ العظيم ونحو ذلك استحلفه في المساجدِ العظام، وإن كانا بالمدينة، فعند مِنْبَرها، وإن كانا بمكَّة فبين الرُّكن والمقام، وإن كانا ببيت المقدس ففي مسجدها في موضع الصَّخرة، وإن كانا ببلدة غيرها ففي جامعها، وحيثُ يعظم منها.
وإنَّما أمرهما صلى الله عليه وسلم باللِّعان في مسجده؛ لعلمه أنَّهما يعظمانه، فأرادَ التَّغليظ عليهما؛ ليرجع المبطل منهما إلى الحقِّ وينحجزَ عن الأيمان الكاذبة، وكذلك كان لعانهما بعد العصر لِعِظَمِ اليمين الكاذبة في ذلك
ج 23 ص 273
الوقت ففيه مشروعيَّة تلاعنِ المسلم في المسجد.
وأمَّا زوجته الذِّمِّيةُ ففيما تُعَظِّمُه من بِيعةٍ أو كنيسةٍ وغيرهما، فإن رضيَ زوجُها بلعانها في المسجد، وقد طلبته جازَ، والحائض تلاعن بباب المسجد الجامع؛ لتحريم مكثها فيه، ومثلها النُّفساء والجنب.
(فَلَمَّا فَرَغَا) من تلاعنهما (قَالَ) أي عُويمر (كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَرَغَا مِنَ التَّلاَعُنِ، فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تمسك به من قال إنَّ الفرقة بين المتلاعنين تتوقَّف على تطليق الزَّوج. وأجاب القائلون بأنَّ الفرقة تقع بالتَّلاعن بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عُمر رضي الله عنهما فرَّق النَّبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين، وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم (( لا سبيل لك عليها ) ).
(فَقَالَ) أي سهل رضي الله عنه، أو ابن شهاب (ذَاكَ تَفْرِيقٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن المُسْتَملي ، وفي رواية الكُشْمِيْهَني بدل فكان، وتفريقًا نصب كرواية المستملي (بَيْنَ كُلِّ مُتَلاَعِنَيْنِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) بالسَّند السَّابق (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري (فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ وَكَانَتْ) خولة الملاعنة (حَامِلًا) حين الملاعَنة (وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لأُمِّهِ) لا لزوجها الملاعِن، إذ اللِّعان ينتفي به النَّسب عنه إنَّ نفاه في لعانه، وإن انتفى منه أُلْحِقَ بها؛ لأنَّه مُتَحَقَّق منها.
وقد مرَّ هذا الحديثُ في سورة النُّور، في باب {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور 7] ، وفيه (( وكانت حاملًا فأنكر حَمْلَها ) ) [خ¦4746] . وفيه دليلٌ على جواز الملاعنة بالحمل، وإليه ذهبَ ابن أبي ليلى ومالك وأبو عبيد وأبو يوسف في رواية، فإنَّهم قالوا من نفى حَمْلَ امرأته لاعن بينهما القاضي، وألحقَ الولدَ بأمِّه. وقال
ج 23 ص 274
الثَّوري وأبو حنيفة وأبو يوسف في المشهور عنه، ومحمد وأحمد في رواية، وابن الماجشون من المالكيَّة وزفر بن الهذيل لا يلاعن بالحمل.
وأجابوا عن الحديث بأنَّ اللِّعان فيه كان بالقَذْفِ لا بالحمل.
(قَالَ ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا) أي في ميراث الملاعنة (أَنَّهَا تَرِثُهُ) أي ترث الولد الذي لَحِقَها ونفاه الرَّجل (وَيَرِثُ) الولد (مِنْهَا) وأجمع العُلماء على جريان التَّوارث بين الولد وبين أصحاب الفروض من جهة أمَّه، وهم إخوته وأخواته من أمِّه، وجداته من أمِّه، ثمَّ إذا دفع إلى أمه فرضها، أو إلى أصحاب الفروض، وبَقيَ شيءٌ فهو لموالي أمَّه إن كان عليها ولاء، وإلَّا يكون لبيت المال عند من لا يرى بالرَّد، ولا بتوريث ذوي الأرحام.
(مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، وهو الثُّلث إن لم يكن له ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة والأخوات، فإن كان شيءٌ من ذلك فلها السُّدس، فإن فضلَ شيءٌ من أصحاب الفروض فهو لبيت المال عند الزُّهري والشَّافعي ومالك وأبي ثور، وقال الحكم وحماد ترثُه ورثة أمِّه. وقال آخرون عصبة أمِّه، وروي هذا عن عليٍّ وابن مسعود وعطاء وأحمد بن حنبل، قال أحمد فإن انفردتْ الأم أَخَذَتْ جميعَ مالِه بالعصوبة، وقال أبو حنيفة إذا انفردتْ أخذت الجميعَ الثُّلث بالفرض، والباقي بالرَّد على قاعدته.
ثمَّ من قوله فقال ذاك تفريق إلى قوله ما فرض الله له، قول ابن شهاب، وهو موصول إليه بالسَّند السَّابق.
وقد وصله سويد بن سعيد، عن مالك، عن ابن شهابٍ، عن سهل بن سعد. قال الدَّارقطني في «غرائب مالك» لا أعلمُ أحدًا رواه عن مالك غيره.
وقد تقدَّم في التَّفسير من طريق فليح بن سليمان، عن الزُّهري، عن سهل رضي الله عنه [خ¦4746] ، فذكر قصَّة المتلاعنين مختصرةً، وفيه ففارقها فكانت سُنَّة أن يفرَّق بين المتلاعنين وكانت حاملًا، إلى قوله ما فرض الله لها، وظاهره
ج 23 ص 275
أنَّه من قول سهل، مع احتمال أن يكون من قول ابن شهابٍ، كما تقدَّم.
وهذا صريحٌ في أنَّ اللِّعان بينهما وقع وهي حاملٌ، ويتأيَّد بما في رواية العبَّاس بن سهل بن سعد، عن أبيه عند أبي داود فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لعاصم بن عدِي (( أمسك المرأة عندك حتَّى تلد ) ).
(قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) هو موصولٌ بالسَّند السَّابق أيضًا (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) ثبت في رواية أبي ذرٍّ لفظ (إِنْ جَاءَتْ بِهِ) أي بالولد المتلاعَن بسببه (أَحْمَرَ) أي أحمر اللَّون، وفي رواية أبي داود (( أُحيمر ) )بالتَّصغير، وفي مرسل سعيد بن المسيَّب عند الشَّافعي (( أشقر ) ). قال ثعلب المراد بالأحمر الأبيض؛ لأنَّ الحمرةَ إنَّما تبدو في البياض. قال والعربُ لا تطلق الأبيض في اللَّون، وإنَّما تقوله في نعت الطَّاهر والنَّقي والكريم ونحو ذلك.
(قَصِيرًا) أي قصير القامة (كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ) بفتح الواو والحاء المهملة وبالراء، وهي دُويبة تترامى على الطَّعام واللَّحم فتفسدُه، وهي من نوع الوزغ. وفي «القاموس» وزغة كسام أبرص، أو ضرب من القطا لا تطأُ شيئًا إلَّا سَمَّتْهُ، وقيل دُويبة حمراء تلزقُ بالأرض (فَلاَ أُرَاهَا) بضم الهمزة؛ أي فلا أظنُّها (إِلاَّ قَدْ صَدَقَتْ) والولد منه (وَكَذَبَ عَلَيْهَا) وفي رواية عبَّاس بن سهل، عن أبيه عند أبي داود (( فهو لأبيه الذي انتفى منه ) ) (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة وسكون المهملة؛ أي واسع العين (ذَا أَلْيَتَيْنِ) أي إليتين عظيمتين، ويوضِّحه ما في رواية أبي داود المذكورة من طريق إبراهيم بن سعد (( أدعج العينين عظيمَ الإليتين ) )، ومثله في رواية الأوزاعي الماضية في التَّفسير [خ¦4745] ، وزاد (( خَدَلَّجَ السَّاقين ) )والدَّعج شدَّة سواد الحدقة. وفي رواية عبَّاس بن سهل المذكورة (( وإن ولدته قطط الشَّعر أسودَ اللِّسان فهو لابن سحماء ) ).
ج 23 ص 276
(فَلاَ أُرَاهُ) أي لا أظنُّه (إِلاَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا) فيما رماها به من الزِّنا (فَجَاءَتْ بِهِ) أي بالولد (عَلَى) الوصف (الْمَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ) وهو شبهه بمن رُمِيَتْ به، وإنَّما كُرِه؛ لأنَّه مستلزم لتَحَقُّقِ الزِّنا بتصديق الزَّوج. وفي رواية الأوزاعي الماضية في التَّفسير (( فجاءت به على النَّعت الذي نَعَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر ) ). وفي رواية عبَّاس المذكورة قال عاصم (( فلمَّا وقع أخذته إلي فإذا رأسه مثل فروة الحمل الصَّغير، ثمَّ أخذت بِفُقْمَيْه [1] ، فإذا هو مثل النَّبعة، واستقبلني لسانه أسود مثل التَّمرة، فقلت صدقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، والحَمَل بفتح المهملة والميم، ولد الضَّأن ) ).
والنَّبعة واحدة النَّبْع، بفتح النون وسكون الموحدة بعدها مهملة، وهو شجر يُتَّخذ منه القِسِيُّ والسِّهام، ولون قِشْرِه أحمر إلى الصُّفرة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فتلاعنا في المسجد ) ). وقد مضى الحديثُ في سورة النور [خ¦4746] .
[1] بياض في الأصل.